الفصل 15 - نظرات
الفصل 15: نظرات
داخل ممر طويل يملؤه الرقي والفخامة، تردد صدى دندنات عذبة.
“دن~دن~دن~.”
نغمات تأسر الروح دون ألحان أو أدوات، مجرد دندنات.
“دن~دن~.”
تدلى شعرها ذو اللون القمحي الناعم على كتفيها، وهي تتكئ على كرسي ملتصق بالحائط خلفها.
وجه مستدير تعلوه ملامح رقيقة لما بدا وكأنه جنية سماوية تخطف الأنفاس.
“دن~.”
نظرت بعينيها اللتين اكتستا بلون أزرق سماوي، فبدتا كأجرام سماوية، نحو الشمس المتصاعدة من خلف الأفق، عبر الزجاج الذي شكّل الحائط المقابل.
أرجحت قدميها جيئة وذهابًا، مستمتعة بالهدوء الذي يعم كل شبر من جسدها.
كانت تحب جلسة التأمل عند بزوغ الشمس، التي اعتادت القيام بها كل يوم.
ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، فيما جعلت الممر ينير بالضياء.
“لقد بزغت الشمس.”
تشك~.
في تلك اللحظة، سمعت صرير الباب وهو يُفتح على يمينها، لكنها لم تُشِح بنظرها عن الجرم العظيم الذي كانت الشمس مغمورة بنوره ودفئه.
“حتى الأجرام الخابية تضيء نورًا ودفئًا أمام ابتسامة نجمتي المحبوبة.”
مدت الفتاة يدها مقابل وجهها، تاركة ضياء الشمس يمر عبر فجوات أصابعها، قبل أن تقبض يدها.
فيما بدا وكأنه محاولة منها للقبض على النور.
تحدثت حينها، وخيبة الأمل تعلو نبرة صوتها.
“أبي، لِمَ يأبى النور أن يغدو رفيقي؟”
تردد صدى كلماتها في الممر.
ليعم الصمت التام بعد ذلك للحظات.
ظلت الفتاة على حالها، تطالع وتراقب الجرم السماوي الأصفر الذي كان يعلو في السماء.
لتصل إلى مسامعها بعد ذلك أصوات خطوات تبتعد شيئًا فشيئًا من جهة يمينها.
حتى ظهرت شخصية في زاوية رؤيتها، بظهره العريض وردائه الأزرق السماوي الذي يجره خلفه على الأرض.
تك.
تك.
تك.
وضع الرجل عريض المنكبين يديه خلف ظهره، وشيئًا فشيئًا بدأ يلقي بظله العميق على الممر من خلفه.
أدارت الفتاة رأسها ببطء، تراقبه بعناية وترقب.
تك.
تك.
حين وصل إلى الحافة المقابلة للنافذة، توقف أخيرًا، ليتردد صدى صوته الدافئ في مسامعها.
“النور حر، النور أعلى، النور أنقى….”
“حيثما حل ضياؤه جلب معه الدفء، وجلب معه الأمل، والأهم من ذلك…”
حينها استدار الرجل عريض المنكبين. كان أنفه بارزًا مستقيمًا، ولحيته داكنة مهذبة تحيط بفكه وتنساب على جانبي وجهه.
وشارب كثيف يمتد فوق شفتيه اللتين كانتا تلتويان الآن، مشكلةً ابتسامة دافئة غمرت جسد الفتاة بدفء ونعومة لطالما عاشتهما مع هذا الرجل الذي كان والدها.
إلا أنها لم تعتد عليها يومًا أو تمل منها.
تشكلت ابتسامة على وجهها حينها، وهي تدرك ما سيقوله.
“….يجلب الابتسامات.”
بدأ الرجل عريض المنكبين في السير حتى وقف أمامها، حاجبًا إياها بظله.
“إذًا يا نجمتي، أخبريني، كيف للنور أن يرافق من يسعى لسلب كينونته؟”
خفضت حينها الفتاة يدها، بعينيها المتسعتين متطلعة إلى ما سيقوله.
بدأ بالمسح على رأسها.
“احتضني النور يصبح رفيقك، واقبليه تغدي نورًا بنورك.”
ما إن قال ذلك حتى بدأ ضياء الشمس بالوصول إليها، متجاوزًا إياه، بل عابرًا من خلاله، تاركًا كل ظلمة وظلالها تختفي.
لقد وقف أمامها مباشرة الا أن الظل الذي كان يلقيه قد تلاشى بل الأدهى أن نور الشمس قد وصلها وكانه غير موجود قبالتها.
تجمدت الفتاة في مكانها؛ أكان ذلك من الكلمات التي أنارها بها والدها، أم من المنظر المهيب والإعجازي أمامها؟
لم يدم ذلك طويلًا، حيث استعادت رباطة جأشها بسرعة. أغمضت عينيها قبل أن تقف من مقعدها، تاركة فستانها الأبيض ينسدل إلى ما بعد ركبتيها.
وضعت يديها خلف ظهرها قبل أن تقفز إلى الجانب الآخر من والدها.
“حسنًا، سيدي الدوق، هلا نذهب لاستقبال ضيوفنا؟”
بدأ الدوق حينها بالتحرك إلى الأمام نحو الباب في آخر الممر.
“كما هو متوقع من نجمتي الصغيرة.”
تبعته الفتاة، وهي تسير خلفه مباشرة، تاركة المقدمة له.
‘يا ترى كيف سيكون حال ذلك المتكاسل؟ لقد مرت مدة منذ آخر مرة.’
بتلك الأفكار، ارتسم الجمود على ملامحها، بينما فُتح الباب أمامهم من الخارج، مفسحًا لهم المجال للعبور.
خطت عبر الباب، مارةً بالخادمة الشابة على يسارها، وهي تومئ لها بخفة.
انفرجت بعد ذلك رؤيتها على فسحة دائرية الشكل تحوي العديد من الأبواب، بينما زُيّنت جدرانها برسومات وزخارف متنوعة.
إلا أن ما جذب اهتمامها كان الشخصية الواقفة على الطرف الآخر منهم.
شاب في ريعان شبابه، وقف منتصبًا، فارضًا حضورًا جذب الأعين نحوه بشكل لا إرادي.
شد انتباهها الملابس التي يرتديها؛ سروال أسود فضفاض طويل يغطي قدميه، وبذلة صوفية بدت وكأنها مصنوعة من فرو ذئب.
رفعت أخيرًا رأسها لتقابله في العينين مباشرة.
‘آه، لِمَ يرتدي نظارات شمسية في مثل هذا الوقت؟ أهي إحدى أفكاره الغريبة عن الموضة؟’
‘ومتى حصل على ندبة بهذا الحجم الضخم على جبهته؟’
حينها دوى صوت الرجل الذي وقف إلى جانبه، وهو ينحني بخفة.
ضيقت عينها في تفكير: ‘منذ متى وهو يقف هناك؟ كيف لم ألاحظه؟’
“موريس من فيرنس يحيي دوق الجليد، السيد العظيم ألدريك فيردغارد.”
تبعه الشاب إلى جانبه، واضعًا يده اليمنى على قلبه واليسرى خلف ظهره، وهو ينحني قليلًا.
“ناخت فيرنس يحيي الخادم العظيم للعائلة الدوقية، ألدريك فيردغارد.”
عرفت الفتاة تقاليد العائلة الحاكمة وقواعدها العامة، فقد كان من غير المسموح مناداة من لا يحملون نسب فيرنس بلقب السيد، وبالمثل لم يكن مسموحًا لهم بالركوع لأحد غير أرباب العائلة نفسها.
‘كان ذلك كبرياء عائلة فيرنس، لكنه مختلف.’
تقدم والدها إلى الأمام بوجه متجمد.
خطوة.
خطوة.
خطوة.
ابتسمت وهي تغمض عينيها قبل أن تبادلهم الانحناءة.
“ريم فيردغارد، تحيي الأمير الثاني ناخت فيرنس، سليل عائلة فيرنس الملكية المجيدة.”
دوى صوت آخر من جانبها.
“إلسا من فيردغارد تحيي ابن الملك المجيد، الأمير الثاني ناخت فيرنس.”
خلال ذلك، استمر الدوق في مسيره تجاه الأمير، مع أفكار غامضة تجول في خاطره…
نهاية الفصل.
+++++++++++++++
The honord one.
استمتعوا….