الفصل 16 - الخدم والأسياد
الفصل 16: الخدم والأسياد
وقف ناخت بثبات في مكانه، ينظر من خلف نظارتيه إلى الرجل الذي يتقدم نحوه.
وجه يحمل من الوقار أكثر مما يحمل من الوداعة. يرتدي رداءً أزرق فضفاضًا، تتدلى أطرافه حول كتفيه ومن خلفه.
زُيّن أحد جانبي كفتيه بنقوش غريبة متشابكة، بدت أقرب إلى رموز قديمة أو تعاويذ مطموسة.
‘يمتلك بعض الذوق.’
قاسه ناخت بنظراته الفارغة.
‘لسبب ما، لم أستشعر أي حضور أو ضغط نابع من الدوق، حتى السمين من المنشأة العلاجية حمل بعضًا من الحضور.’
راقب ناخت بتمعن، والاهتمام يتصاعد في عينيه تارة ويختفي أخرى.
لم تكن في هيئة الدوق ما يوحي بالعجلة؛ خطوات متثاقلة، لكنها ثابتة، اقتربت به من ناخت.
امتلك ناخت فكرة عامة عن هدف الدوق، لكنه لم يكن متأكدًا حتى وصلته الكلمات من الرجل أمامه.
“رُبّيت بين رجال قساة، بوجوه خشنة حفرتها الرياح، وأيدٍ غليظة اعتادت قبض الفؤوس وتحطيم الرؤوس.”
بينما كان يتحدث، بدأ ما يشبه عاصفة ثلجية صغيرة بالالتفاف حول قدمي الدوق، متصاعدةً نحو حزامه.
“وهناك كان يُقال إن تحية الخدم بالكلام، بينما تحية الأسياد بالسيوف.”
في تلك اللحظة، تكثفت العاصفة الصغيرة لتكشف عن غمد أزرق داكن طويل، تتخلله زخارف فضية براقة. امتد المقبض من أعلاه، تزين قاعدته ما بدا أنه بلورة جليدية زرقاء.
ما إن ظهر السيف حتى استشعرت بردًا قارسًا خفّض درجة حرارة الجو المحيط.
شعرت وكأن رياحًا هوجاء بدأت تعصف بوجهي، وكأنني في منتصف سهل جليدي في مرتفعات الشمال.
‘لا… انتظر.’
نظرت من حولي، وقد اختفت كل معالم المساحة التي كنت بداخلها.
أدرت وجهي يمينًا ويسارًا.
ولم أجد سوى امتداد شاسع لسهل جليدي. اختفى موريس، واختفت ريم والخادمة التي بجانبها.
وجهت نظري نحو الدوق أخيرًا. وقف هناك، وقد ظللت غير قادر على استشعار أي هالة منه.
‘لكن السيف يملك.’
وجهت نظري نحو السيف المغمد الذي انتشله، وهو يوجهه نحوي.
“فلتستل سيفك، ولنرَ معدنك الحقيقي.”
ما إن فعل ذلك حتى بدأت أسمع صفير الرياح في أذنيّ، مستشعرًا الملمس الجامد لشفتيّ بفعل البرودة.
وضعت يديّ أمام وجهي في تقاطع، أمنح نفسي مساحة للتأقلم مع الوضع الغريب.
‘هاه، بذكر ذلك، ألم أجد نفسي في أماكن غريبة عديدة مؤخرًا؟ الواحدة تلو الأخرى.’
في تلك اللحظة، أحسست بيديّ اللتين بدأتا بالارتجاف، وبرأسي الذي بدأ بالاشتعال.
حتى الشحذ في نطاقي العقلي لم يقدر على حرماني من السعادة والتوتر اللذين أنا بصددهما الآن.
‘ه-هذا هو الجنون الذي أبحث عنه.’
‘قدراتي التي لم أكتشفها حتى الآن، والزيادة في قوتي التي أطمح إليها.’
ارتسمت ابتسامة مجنونة على وجهي، بينما نفضت يديّ جانبًا، صارخًا بأعلى صوتي تجاه الرجل الذي أمامي.
“ألن تستل سيفك يا ابن الشمال؟”
ما إن قلت ذلك حتى بدأت بالركض مباشرة نحو الرجل أمامي، متحديًا الرياح.
‘رُبّيت بين رجال قساة؟ أتعلم حتى ما الوحوش التي كنت أنام تحت سقف واحد معها؟’
صفرت الرياح في أذنيّ، وأنا أذوق الطعم المر للدماء المتقطرة من الخدوش على وجهي.
وصل صوت هامس إلى مسامعي.
“وهل يرضى سيفي أن يُغمد وقد سُحب دون قطع رأسك؟”
اشتدت الابتسامة على وجهي، ومع شعور النشوة الذي غطى عقلي، أطلقت ضحكة مجنونة، مطلقًا التوتر الذي غمرني، ومعبرًا عن السعادة التي أغرقتني.
‘عادل بما فيه الكفاية…’
حينها هويت بلكمة جانبية، مستهدفًا وجه الدوق.
بام.
بتلويحة بسيطة منه، أبعد قبضتي بسيفه المغمد، وحرفها إلى الجانب، بينما تعمدت السقوط مرتكزًا على يدي الأخرى، مسددًا ركلة صاعدة نحوه.
أخرج عودًا خشبيًا، ووضعه في فمه بيده اليسرى، بينما تفادى الضربة إلى الجانب، ثم سألني:
“وأنت، أين سيفك؟”
توترت ملامحي وأنا أشاهد طرف الغمد يتجه نحو معدتي، فدفعت بنفسي إلى الوراء، معتمدًا على الرياح لزيادة سرعتي.
بام.
سقط طرف الغمد على السطح المتجمد، مشكلًا حفرة فيه.
أجبت وأنا ألتقط أنفاسي.
“ها… ليس لدي واحد… ها… لكن جسدي سلاح بحد ذاته.”
انطلقت حينها راكضًا في مسار دائري، متفاديًا قطع الجليد الملقاة نحوي.
انزلقت بجسدي متفاديًا قطعة طائرة، وما إن وقفت على قدميّ حتى وجدت الدوق أمامي.
هوى بغمده عليّ من الأعلى.
توترت ملامحي وأنا أعلم أن لحظة ملامسة الغمد لرأسي ستكون النهاية.
لم يكن ليقتلني، لكنه بالتأكيد سيتركني في حالة لا أستطيع فيها التوجه إلى العوالم الفاسدة.
‘ذلك غير مقبول…’
أغمضت عينيّ، تاركًا نفسي للظلام.
ركزت على الأصوات من حولي: صفير الرياح، وخشخشة الملابس وهي تتحرك معها.
انغمست أكثر، مركزًا على جسدي، متناسيًا كل الأضواء الخارجية وملغيًا إياها.
حينها، ومعتمدًا على حواسي بشكل أعمى، اندفعت إلى الأمام بكتفي، وقد أحسست بشيء يلامس خصلات شعري.
فتحت عينيّ وأنا على بُعد بوصات من تحطيم بطن الدوق بكتفي.
تلألأت ابتسامة مجنونة على وجهي.
‘وأنا ابن الشمال أيضًا، جسدي سلاح بحد ذاته…’
إلا أن الألم الفظيع الذي توقعته في كتفي لم يأتِ، والشخص الذي كان أمامي اختفى فجأة.
ترنحت عدة خطوات إلى الأمام من الموقف غير المتوقع، قبل أن أثبت نفسي.
“هاه، اللعنة…”
نظرت ورائي إلى الرجل الذي كان يقف على بُعد خطوات مني.
‘أهذه ابتسامة؟ أعيناي تخدعانني؟’
لا، لم تكن كذلك. كان الدوق ذو الوجه الجامد يبتسم نحوي.
‘ما الذي حل بالعالم ماذا بحقك؟…’
حينها وصلني صوته.
“يا فتى، ما مستواك في تصنيف إتقان الأسلحة؟”
فوجئت بالسؤال. توقفت الرياح الهوجاء من حولنا، وقد عمّ السكون المكان.
كانت تصنيقات اتقان الاسلحة تشرح نفسها بالفعل فهي غبر مرتبطة بمسارات الصعود بل كانت تصنيفات وضعها البشر للفصل بين مراحل اتقان السلاح واستخدتمه واستخدام الجسد واستغلاله.
أعلم بوجود أربع رتب بشرية تقسم اتقان السيف وتنطبق على كل سلاح اخر بالمثل.
على أي حال، ذلك لا يهم. لذا أجبته قائلًا:
“من بين أربع رتب بشرية، أنا في المرتبة الثالثة: سياف. أظنني بدأت اختراق الرتبة الرابعة الآن، وقد تعرضت للإيقاظ.”
رمقني الدوق بنظرات غريبة.
“الرتبة الرابعة، تقول؟”
استغربت، وأصبحت فضوليًا لمعرفة ما يرمي إليه.
“ماذا؟ هل أنا مخطئ؟”
رفع يده وهو يمسح على لحيته، بينما يقلب العود في فمه.
“حسنًا، وضعك غريب بعض الشيء.”
أشار نحو عينيّ.
“الالتهام المفرط الذي يجتاح مشاعرك.”
ثم أشار نحو رأسي، وهو يغمض عينيه.
“أستطيع استشعار أكثر من رابطين بينك وبين المسارات.”
ثم وضع يده فوق الأخرى، ممسكًا سيفه المغمد بيده اليسرى إلى جانبه.
“وأخيرًا، جسدك… حسنًا، ماذا أقول؟ إنه أقوى من جسد شخص في التسلسل الأول، لكنه أقل من جسد شخص في التسلسل الثاني، مع أنك لست سوى نصف تسلسل أول.”
‘هاه، ما… ما كل هذا؟’
شعرت بنفسي كالورقة الشفافة أمام عينيه. ارتجفت قليلًا قبل أن أقبض على يديّ.
سمعت تمتماته وهو يومئ لنفسه.
“همم، أعتقد أن ذلك هو السبب.”
وبينما كنت مصدومًا من كل المعلومات التي كشفها عني، أكمل قائلًا:
“كل هذا سمح لك بولوج المرحلة الخامسة من إتقان السيف، ولو بشكل ضئيل: الإدراك المجالي.”
“المستوى الخامس؟ الإدراك المجالي؟”
اتسعت عيناي وأنا أحاول استيعاب الكم الهائل من المعلومات الذي أُلقي عليّ دفعة واحدة.
++++++++++++++++
The Honord One.
استمتعوا، هذا أول فصل قتالي أكتبه! أعطوني آراءكم في التعليقات.
وأيضًا، الفصل الثاني لليوم. هاهاهاهاها~~