الفصل 240 - إغواء
الفصل 0240: إغواء
لوى لوميان شفتيه ساخرًا وهو ينظر إلى جينا قائلًا: «هذا لأنكِ لا تملكين وعي «المغتال» بعد، وتفتقرين إلى إدراك أنكِ وطأتِ بالفعل عالم التجاوز؛ وإلا، لكان بإمكانكِ طوال هذا الشهر أو الشهرين، عبر فرانكا، حضور بعض تجمعات التجاوز وجمع بعض الأغراض المفيدة؛ ورغم أنها لن تضاهي بالتأكيد «محلول الشفاء» الذي استخدمتُه للتو، إلا أنها كانت ستتيح لكِ على الأقل فعل شيء ما، بدلًا من الوقوف عاجزة تشهدين تدهور حالة والدتكِ».
لم تنفجر جينا غاضبة ومستشيطة كعادتها ولم ترد بالسباب، بل صمتت لبضع ثوانٍ وأومأت بخفوت: «أجل».
أربك هذا الرد لوميان قليلًا ولم يجد ما يعقب به، فاكتفى بالطقطقة بلسانه قائلًا: «بالطبع، بالنظر إلى وضعكِ المالي وحاجتكِ لسداد الديون وتدبير مصاريف دراسة شقيقكِ الأصغر، فحتى لو حضرتِ مثل تلك التجمعات، فالأرجح أنكِ لن تستطيعي شراء أي شيء؛ لكنها كانت ستمنحكِ على الأقل فرصة لكسب بعض المال عبر قبول التكليفات، وجمع بعض الأغراض النافعة».
في تلك اللحظة، وصل شقيق جينا، جوليان، برفقة طبيب وممرضتين.
نظر الطبيب إلى إيلودي بحيرة واستفسر: «أتذكر أنها كانت حالة ميؤوسًا منها ولا جدوى من محاولة إنعاشها…»
قاطعه لوميان بنبرة هادئة: «ذاكرتك خانتك».
كان الطبيب قد أسعف العديد من المصابين بالفعل، وبلغ به الإرهاق مبلغًا خلط ذكرياته؛ ولدى سماعه رد لوميان، رجح أنه قد خلط بينها وبين مصاب آخر؛ فسارع إلى معالجة ما تبقى من جروح إيلودي الخارجية، ورتب لنقلها إلى العربة تمهيدًا للتوجه إلى المستشفى.
✦ ✦ ✦
يربط بين حي «عيد الميلاد» وحي «السوق» جسر «باسي»، وهو أحد الجسور الخمسة الممتدة فوق نهر «سيرينزو» العظيم في مدينة تراير.
وعلى مقربة من جسر «باسي»، يستقر مستشفى «القصر المقدس» الممول من قِبل كنيسة «الشمس المشتعلة الأبدية»؛ وباعتبار إيلودي مؤمنة بـ«الشمس المشتعلة الأبدية»، فقد نُقلت إلى هناك ووُضعت في الطابق العلوي من مبنى أبيض مؤلف من ستة طوابق، متقاسمة الغرفة مع خمسة مصابين آخرين.
وقفت جينا مستندة إلى الجدار، تراقب الأطباء والممرضين وهم يسحبون عينات الدم، ويجرون الفحوصات، ويعلقون زجاجات المحاليل الوريدية، ثم تمتمت بصوت خفيض يعلوه التأثر: «لقد تغيرت المستشفيات كثيرًا خلال هذه السنوات الأخيرة…»
«أوه؟» تساءل لوميان بعدم فهم.
أطرقت جينا بملامح يكسوها الحزن قائلة: «قبل بضع سنوات، حين نُقل والدي ورفاقه إلى المستشفى، كان أصحاب الإصابات الخطيرة يُخضعون للجراحة مباشرة، بينما يُكتفى بتضميد ذوي الإصابات الأخف وإعطائهم الدواء انتظارًا للنتائج؛ لم يكن هناك سحب دماء، وكانت الفحوصات عابرة وموجزة للغاية؛ الوضع مختلف تمامًا الآن، وكأن الإجراءات برمتها قد تبدلت».
أومأ لوميان برأسه: «هذا أمر حسن».
فقد بدا المشهد أكثر احترافية وتنظيمًا.
وبينما تبادلا أطراف الحديث بصوت خفيض، ظل جوليان، شقيق جينا، يروح ويجيء معاونًا الأطباء والممرضين؛ فتارة يجيب عن استفساراتهم حول الحالة الصحية العامة لوالدته، وتارة يساعد في نقل حوامل المحاليل، وتارة يهرع إلى الصيدلية لجلب الأدوية.
وحتى حين فرغ أصحاب المعاطف البيضاء من عملهم مؤقتًا، لم يكن جوليان قد عاد بعد.
تقدم الطبيب المسؤول عن علاج إيلودي حاملًا لوح الملاحظات، وتوقف أمام جينا؛ وتفحص فستان سهرتها الوردي، فانفرجت أساريره قليلًا وسأل: «أإيلودي والدتكِ؟»
أومأت جينا برأسها: «نعم».
فكر الطبيب قليلًا ثم قال: «حالة والدتكِ أفضل مما توقعت؛ ويبدو في الوقت الراهن أنها لا تحتاج إلى عملية جراحية؛ وبالطبع، هذا مجرد تقييم مبدئي، وسيعتمد الأمر الدقيق على نتائج مختلف الفحوصات.»
«هذا هو الجانب الإيجابي؛ أما الجانب السلبي، فهو أن جسد والدتكِ تضرر بشدة، وقد تضطر للبقاء في المستشفى لبضعة أشهر، أو حتى نصف عام أو عام كامل؛ وحتى لو تعافت، فلن تعود إلى حالتها السابقة أبدًا، وستظل في حالة من الوهن والضعف.»
«وتكاليف الإسعافات الطارئة لليومين الأولين ستسددها المؤسسة الخيرية التابعة للكنيسة، لتُخصم لاحقًا متى صُرف تعويض الحادث من قِبل المصنع؛ أما نفقات العلاج اللاحقة، فسيتعين عليكم تحملها بأنفسكم، ولن تكون مبلغًا زهيدًا؛ كما أحذركم من تعليق آمال كبرى على تعويض الحادث، فبناءً على خبرتي، يستغرق تحصيله ما بين ثلاث إلى خمس سنوات في المتوسط؛ إذ ينبغي أن تدركوا أن قوانين إنتيس لدينا تنحاز إلى أصحاب المصانع والمصرفيين لحماية رؤوس الأموال».
لم تتردد جينا لحظة واحدة: «سأجعل والدتي تواصل العلاج حتى تشفى تمامًا».
فقد كانت قد فكرت في الأمر مليًا؛ فإن اضطرت لدفع مبلغ مالي كبير دفعة واحدة، فستقترضه من فرانكا ولوميان ثم تسدده على أقساط؛ وإن كانت نفقات العلاج ستُدفع أسبوعيًا أو شهريًا، فستقتر على نفسها وتخفض سداد ديونها السابقة وتغطي المصاريف من دخلها كمغنية استعراضية في العالم السفلي.
وأيًا تكن الطريقة، فلن تتمكن من الاكتفاء بالعمل كمغنية لعام واحد فقط كما خططت سابقًا؛ بل سيتعين عليها الاستمرار لعامين، أو حتى ثلاثة أعوام.
رمق الطبيب ملامح جينا وفستانها مجددًا، ثم آثر عدم الإطالة: «خذي هذه الاستمارة، وتوجهي إلى نافذة الحسابات في الطابق الأول لدفع مقدم قدره 200 فيرل دور».
‘200…’ تنفست جينا الصعداء نوعًا ما، ووقعت على إقرار العلم باسمها الحقيقي «سيليا بيلو»، وأخذت الاستمارة وهبطت الدرج.
وفي طريق الهبوط، نظرت إلى لوميان السائر بجوارها، وترددت قليلًا قبل أن تقول: «إن… إن احتجتُ لاحقًا لدفع مبلغ باهظ من النفقات الطبية، فأود… أود أن أقترض منك بعض المال».
لطالما كانت جينا فتاة عنيدة ذات كبرياء ومبادئ؛ وحين كانت تتنقل بين عدة قاعات رقص في حي «السوق» وتكد لكسب المال، لم تفكر قط في الاقتراض من فرانكا أو طلب وساطتها لترتيب عمل إضافي مريح ومجزٍ؛ لكنها الآن، من أجل والدتها إيلودي، آثرت التخلي عن هذا التمسك.
ورغم أن لوميان كان قد بدد أمواله حتى لم يتبقَ معه سوى أكثر من 700 فيرل دور، واقتطع مقدمًا معظم الأرباح التي يمكنه تحصيلها من قاعة رقص «بريز»، وكان يستعد لدفع 4,000 فيرل دور أخرى لقاء الحصول على الخاصية التجاوزية لـ«مفتعل حرائق»، إلا أنه لم يتردد لحظة واحدة ولم يُبدِ أي ضيق، بل أجاب بلامبالاة تامة: «حسنًا».
نظرت إليه جينا بريبة: «ظننتك ستتردد بعض الشيء؛ فقد سمعتُ من فرانكا أن لديك أمرًا بالغ الأهمية يتطلب سيولة نقدية ضخمة مؤخرًا».
ضحك لوميان بخفة: «ذلك من أجل التقدم، لشراء المكون الرئيسي لـ«مفتعل حرائق»؛ ومع ذلك، فهذا لا يمنعني من إقراضكِ المال؛ فبصفتي متجاوزًا وقائدًا في عصابة «سافوي»، حتى لو لم أكن أملك كوبيكًا واحدًا في جيبي، يمكنني مساعدتكِ في تدبير ما يكفي من المال.»
«والحل الأبسط هو أن أطلب من «رينيه» أن يوقع عقدًا طويل الأجل معكِ، مقدّمًا لكِ 10,000 فيرل دور دفعة واحدة؛ ثم يُخصم 50% من دخلكِ اليومي في قاعة الرقص لسداد القرض على أقساط؛ وبمجرد وفائكِ بالمبلغ، سينتهي العقد تلقائيًا».
صمتت جينا لبرهة، ووجدت أن الأمر الذي أرقها وسبب لها صداعًا وضيقًا شديدين يبدو في منتهى السهولة والبساطة على لسان «سييل».
التفت لوميان نحوها وضحك بخفة: «بصفتكِ «مغتال»، ما كان ينبغي لكِ أصلًا أن تقلقي بشأن مبالغ تافهة كهذه للنفقات الطبية؛ فإن كنتِ تتطلعين إلى الترقي في المستقبل، فالأموال التي ستحتاجين إليها تُقاس بعشرات الآلاف.»
«عليكِ أن تغيري طريقة تفكيركِ من الآن، وألا تأخذي القوانين على محمل الجد؛ فقد سمعتِ بأذنيكِ قبل قليل أن قوانين إنتيس لا تحمي الفقراء، ولا أحد سيحمينا إن لم نحمِ أنفسنا بأنفسنا.»
«ومتى ما حسمتِ أمركِ واستوعبتِ الفكرة، سنذهب لاختطاف صاحب المصنع السابق وننتزع منه ما يكفي من السيولة النقدية؛ ثم بعد صدور الحكم القضائي ودفعه تعويض حادث والدكِ، يمكنكِ التبرع بذلك المال لمن هم بحاجة إليه.»
«طالما أننا سننفذ العملية بإتقان ونظافة، ومع إجراءات فرانكا لمقاومة العرافة، فإن نسبة النجاح مرتفعة للغاية ولن يُعثر لنا على أثر؛ فصاحب مصنع من تلك الطبقة يستبعد بشدة أن يمتلك حراسًا شخصيين من المتجاوزين».
خفق قلب جينا بشدة إثر كلماته وتاقت نفسها للفكرة، لكنها ترددت للحظة وقالت: «يراودني شعور بأن ثمة خطبًا ما في هذا الكلام…»
«اللعنة، أأنت «المحرض»، أم أنا من يفترض أن تصبح «محرضة»؟ كيف تجيد التلاعب بالناس وإغواءهم بهذا الشكل؟»
«إن انتهاك القانون باستهتار وجرأة لابد أن ينتهي بدفع الثمن عاجلًا أو آجلًا، أليس كذلك؟»
ضحك لوميان قائلًا: «لم أكمل حديثي بعد؛ فنحن لا نفعل إلا ما هو ضروري ومحتم، ولا ينبغي لنا أن نتصرف بطيش واستهتار؛ إذ لن يجلب ذلك الخطر فحسب، بل قد يرفع أيضًا من احتمالية فقدان السيطرة؛ أما اختطاف صاحب المصنع، فهو استرداد لحق عائلتكِ في التعويض الذي كان ينبغي لكم نيله منذ أمد بعيد».
عادت جينا إلى الصمت مرة أخرى.
وحين رأت أنهما أوشكا على بلوغ الطابق الأول، سارعت بالقول: «سأذهب إلى دورة المياه قليلًا».
وحين خرجت من دورة المياه، كانت تحمل في يدها رزمة أوراق نقدية تبلغ قيمتها 200 فيرل دور.
وعند رؤية جينا تسدد الدفعة الأولى من تكاليف العلاج، نظر لوميان إلى فستان سهرتها الوردي قائلًا: «لا يمكنكِ رعاية مريضة بثياب كهذه؛ سأعود إلى قاعة الرقص لأحضر لكِ ملابسكِ السابقة، وسأطلب لكِ إجازة في طريقي.»
«وإن بدت على حالة والدتكِ أي بوادر تدهور، فتعالي إليّ أو إلى فرانكا فورًا».
وكان قد فحص حظوظ إيلودي للتو، وتأكد أن حالتها لم تعد في خطر داهم، لكن وضعها لم يتحول بعد إلى مسار إيجابي قاطع، بل بدا غائمًا ومشوشًا بعض الشيء، وربما كان مرهونًا بفاعلية علاج المستشفى.
أطبقت جينا شفتيها وأومأت برأسها: «حسنًا».
✦ ✦ ✦
في الطابق الثاني من قاعة رقص «بريز».
كان لوميان يهم بالبحث عن المدير «رينيه» لإخباره بشأن جينا وترتيب إجازتها وإعادة جدولة فقرتها الغنائية لهذه الليلة، حين رأى لويس يتقدم صوبه.
تلفت لويس يمنة ويسرة، ثم خفض نبرة صوته قائلًا: «يا زعيم، قبل نصف ساعة تقريبًا، أرسل الزعيم الأكبر شخصًا بحقيبة، ووضعها في الخزينة المالية قائلًا إنها لك».
‘أشياء أرسلها الزعيم الأكبر… المكونات التكميلية لجرعة «مفتعل حرائق»؟ كما هو متوقع من متجاوز من التسلسلات المتوسطة لمسار «الصياد»…’ أومأ لوميان برأسه خفيفًا، واجتاز المقهى مسرورًا ليدخل إلى رواق الطابق الثاني.
وما إن فتح الخزينة المالية حتى لفحته حرارة طفيفة.
وداخل تلك الحقيبة القماشية الرمادية الفاتحة، وُجدت ثلاث قوارير زجاجية: واحدة ملأى بدم قرمزي تغلي فيه الفقاقيع وتتصاعد من كل فقاعة تنفجر شرارة لهب؛ والثانية تحوي في قاعها مسحوقًا يميل إلى لون الدم؛ والثالثة تحوي حجرًا بحجم الإصبع ينبعث منه توهج فلوري قرمزي.
‘دم سمندل النار، ومسحوق بلسم التاج الأحمر، وبيروكسين الحمم… إنها بالفعل المكونات التكميلية لـ«مفتعل حرائق»…’ التقط لوميان تلك الأغراض برضا وارتياح تامين.
✦ ✦ ✦
خارج الشقة 601، في المبنى رقم 3 بشارع «المعاطف البيضاء».
توجه لوميان عقب مغادرته قاعة رقص «بريز» مباشرة إلى مقر فرانكا، عاقدًا العزم على اقتراض 4,000 فيرل دور بضمان حصته من أرباح «مهرجان الحصاد».
وما إن فتحت فرانكا الباب ورأت لوميان حتى طقطقت بلسانها قائلة: «أعلمتَ بما حدث؟ لقد وقع انفجار في مصنع بجنوب حي «السوق». في الآونة الأخيرة، تتابعت الحوادث في حي «السوق» بصورة تثير في نفسي شعورًا بأن عاصفة هوجاء باتت وشيكة».
وحين سمع كلماتها، استرجع لوميان في ذهنه أمرًا على الفور.
وقال بصوت رخيم وثقيل: «إنه حادث في مصنع «غودفيل» الكيميائي؛ وفي صباح هذا اليوم تحديدًا، زار صاحب مصنع «غودفيل» الكيميائي مكتب عضو البرلمان».