الفصل 181 - سييل المخلص
الفصل 0181: سييل المخلص
استند لوميان إلى ظهر مقعده في دعة، واضعًا ساقًا فوق الأخرى باسترخاء. وصوّب نظراته نحو «العملاق» سيمون متسائلًا: «وما الخطب؟»
جالت عينا «العملاق» سيمون الزرقاوان الفاتحتان على لويس وساركوتا الواقفَين خلف لوميان، وقال: «أليسا من رجال برينيه؟ لمَ تبقيهما في إثرك طوال الوقت؟ لو كنتُ مكانك، لجعلتهما يقفان حارسين عند المدخل».
تبادل لويس وساركوتا نظرات قلقة حين أصاب سيمون كبد الحقيقة.
كاد لوميان يصفق إعجابًا، ممتنًا لسيمون على منحِه هذه الفرصة الذهبية لكسب ثقتهما.
غير أنه لم يكن يثق بلويس وساركوتا تمامًا. فرغم أنه لم يكن راغبًا في أن يصير رجل عصابات حقيقيًا، إلا أنه لم يرد كذلك أن يتلقى يومًا رصاصة غادرة في ظهره، أو يُمطر بالرصاص حتى يُمزق جسده.
ارتسمت على شفتي لوميان ابتسامة ساخرة من جديد: «ما معنى قولك إنهما رجلا برينيه؟ لقد كنتُ أنا نفسي أعمل تحت إمرة برينيه من قبل! نحن جميعًا أعضاء في عصابة سافوي، وولاؤنا للزعيم وحده. وطالما بقيتُ مخلصًا للزعيم، فلا خوف من انقلابهما عليّ!»
أومأ لويس وساركوتا برأسيهما مرارًا، وقد ملأهما الإعجاب برحابة صدر سييل وشهامته.
‘هذا عين الصواب؛ فلئن كان البارون برينيه قد رفع شأننا في عصابة سافوي وأولانا ثقة عظيمة، فإننا نظل في النهاية أفرادًا في عصابة سافوي. وخيانة الزعيم أمر مستحيل أصلًا، والزعيم نفسه هو من أمرنا بأن نلزم ركاب سييل ونأتمر بأمره!’
غصّ سيمون بكلمات لوميان وتلعثم لبضع ثوانٍ عاجزًا عن الرد، قبل أن يقول أخيرًا: «قد تكون مخلصًا للزعيم، لكن غيرك قد لا يكون كذلك؛ فبرينيه رجل طموح».
‘أترى برينيه غير مخلص للزعيم؟ «الشفرة الخفية»… عفوًا… ذكرت «ذات الحذاء الأحمر» فرانكا أن برينيه لم يعد مطيعًا مؤخرًا…’ شعر لوميان فجأة بالشفقة على غاردنر مارتن، زعيم عصابة سافوي.
أكثر مرؤوسيه كفاءة يفتقر إلى الولاء، وأحب عشيقاته إليه تبيت في نفسها مآرب أخرى، والوافد الجديد الذي رقاه مؤخرًا ليس سوى جاسوس لمنظمة أخرى…
أدرك سيمون أنه لن يتمكن من التخلص من لويس وساركوتا، وهما بلطجيان اعتادا مرافقة البارون برينيه ومطلعان على شتى الشؤون، فعاد بالحديث إلى مساره الأساسي: «جئتُ إلى هنا لمناقشة الراتب الأساسي للراقصات. اللعنة وسحقًا، لمَ علينا أن ندفع المال لتلك العاهرات كل يوم، حتى حين لا يأتيهن زبون واحد؟ فرانكا متغطرسة للغاية، ولمجرد أنها عشيقة الزعيم، أقنعته بالموافقة على مثل هذا المطلب غير المعقول! نحن عصابة، ولسنا جمعية خيرية! وبحق البخار، حين أسلم المال لتلك النساء، أشعر وكأنني كاهن لعين يوزع الصدقات! بالنسبة لي، الأمر هين، فلا أحتاج سوى إلى إعطائهن بضعة لِكات كل يوم. لكن قاعة رقص بريز تدفع لكل منهن فيرل دور واحدًا في اليوم! في حين أن عمال النسيج في حي الحديقة النباتية لا يتقاضون سوى فيرل دور ونصف الفيرل في اليوم، وهم يكدحون من الصباح حتى المساء!»
في تراير، كانت تكلفة تشغيل العاملات تتراوح بين 55% و70% من أجور الرجال. ولم يخشَ أعتى أرباب العمل الخضوع للتفتيش، بل إن أولئك الذين تجرأوا على تشغيل الأطفال دفعوا 15% فقط من راتب الرجل البالغ، أو حتى أقل من ذلك.
‘لا عجب إذن أن راقصات فرانكا الحسناوات رفضن العمل في شارع العندليب. فالأسعار هناك منخفضة، والراتب الأساسي هزيل… لكن لمَ تشتم مثل فرانكا وجينا؟ هل الشتائم البذيئة معدية؟ بدت أورور وكأنها تشتم بالطريقة ذاتها أثناء نوبات جنونها العابرة أحيانًا…’ تجاهل لوميان ما ألمح إليه لويس سابقًا، وسأل سيمون بابتسامة: «وما خطتك إذن؟»
ظلت أمارات الغضب مرتسمة على وجه سيمون: «سنذهب أنا وأنت وبلاك إلى الزعيم معًا؛ لنجبره على الرجوع في قراره وكبح جماح فرانكا! أثمة عصابة أخرى تدفع لراقصاتها راتبًا أساسيًا؟!»
‘هل يحاول استغلال استلامي الحديث لقاعة رقص بريز؟ هل يحرضني على التمرد ضد الزعيم؟ هه، كما قالت أورور ذات مرة: الدودة المبكرة تأكلها الطيور، والغراب الذي يشرئب بعنقه يتلقى الرصاص…’ رفع لوميان يديه وطقطق مفاصل أصابعه بابتسامة ماكرة: «لا جدوى من ذلك. فرانكا عشيقة الزعيم، وسيستمع إليها لا محالة. وإن أردتَ منه أن يغير رأيه، فليس ثمة سوى سبيل واحد: أن تصير أنت الزعيم بنفسك!»
‘وهل هذا كلام يُقال على مسمع من هؤلاء الناس جميعًا؟!’ ارتعد لويس وساركوتا والآخرون خلف لوميان رعبًا، حتى كادوا يمدون أيديهم ليكتموا فم زعيمهم.
بدا «العملاق» سيمون بدوره مذهولًا: «أي ترهات تهذي بها؟»
ارتعد معظم بلطجيته خوفًا.
«ما أقصده هو…» أمسك لوميان فجأة بطرف الطاولة وقلبها بعنف نحو «العملاق» سيمون!
طاخ!
ارتطمت الطاولة بالأرض، وتناثرت الكؤوس التي كانت عليها شظايا في كل اتجاه.
كان «العملاق» سيمون قد تراجع خطوتين إلى الوراء مكفهر الوجه، بينما امتدت أيدي رجاله تلقائيًا إلى مسدساتهم، ونظر إلى لوميان هاتفًا: «ما خطبك؟ وماذا تريد؟»
وقف لوميان خلف الطاولة الخشبية المقلوبة متطاير الشرر من عينيه كمن استشاط غضبًا: «يا لك من وغد حقير! ألا تحسب للزعيم أي حساب؟! كيف تجرؤ على تدبير تمرد في الخفاء محاولًا إجباره على التراجع عن أوامره! أتريد حقًا أن تصير أنت الزعيم؟! أوامر الزعيم واجبة النفاذ، أصابت أم أخطأت! وإن كانت هناك مشكلة، فلك أن تقصده على انفراد لتحدثه، لا أن تتآمر مع الآخرين لإكراهه!»
ألجم هذا الاتهام «العملاق» سيمون وعرّى مقصده، فلم يعد قادرًا على الانفجار غضبًا أو المضي في استدراج سييل.
بصق كلماته بغيظ: «اللعنة، أأصاب عقلك مسّ؟ متى قلتُ إني أريد إجبار الزعيم؟ إنما اقترحتُ أن نقصده معًا لنشرح له أن منح الراقصات راتبًا أساسيًا أمر مجحف، ويلقي بعبء ثقيل على كواهلنا!»
لوّح «العملاق» سيمون بيده بيأس من إمكانية التفاهم مع سييل، واستدار مغادرًا وتبعه رجاله هابطين الدرج.
راقب لوميان رحيلهم وضحك في سره.
‘شكرًا جزيلًا لك؛ فغدًا—بل الليلة نفسها—سيعلم الزعيم كم أنا مخلص له!’
عثر لوميان على فرصة لكسب ثقة غاردنر مارتن، فاغتنمها دون أدنى تردد.
أتم لوميان تمثيليته المتقنة، فزفر بحنق متظاهرًا بكبح جماح غضبه، ثم أشار إلى الفوضى المبعثرة على الأرض وأمر لويس والآخرين: «نظفوا هذا المكان».
ما إن أنهى لوميان كلامه حتى ظهر خيال من بين الظلال قرب الدرج.
كانت تلك جينا، بعد أن فرغت من وصلتها الغنائية في قاعة الرقص.
لم تكن جينا ترتدي ثيابًا مكشوفة اليوم؛ بل ارتدت فستانًا بلون الورد تدعمه تنورة داخلية منفوخة، جعلها تبدو كزهرة مقلوبة. وكان شعرها البني المائل للصفرة مربوطًا في كعكة بسيطة من الخلف، مع خصلات حرة تتدلى برقة. وبدت الهالات الداكنة حول عينيها الزرقاوين أخف وطأة، مما أضفى عليها مسحة من البراءة والرقة، فيما زيّنت شامةٌ صغيرة وسط خدها الأيسر؛ فكان في ذلك نفحة من الفتنة والدلال.
رمق لوميان جينا بنظرة ولم يسعه سوى أن يضحك بخفة: «هل يروق لأهل حي السوق هذا النمط؟»
كان يقصد ملابسها الأقل إغراءً من المعتاد.
ابتسمت جينا بزهو: «إنه يؤتي ثماره على نحو مدهش حينًا بعد حين. قالت فرانكا إن الرجال كلما بدا لهم الشيء بعيد المنال، ازداد شغفهم به وطمعهم فيه. سحقًا، لا أكاد أستوعب هذه العقلية بحق!»
«ما الأمر؟» ألقى لوميان نظرة على النوادل وهم ينظفون المكان، واتجه نحو طاولة أخرى ليجلس إليها.
جلست جينا قبالته وابتسمت: «جئتُ لمناقشة أجر الغناء للأسبوع القادم. كان الأجر سابقًا أربعة فيرل دور مقابل عشر أغانٍ في الليلة، مع ثلث ما يُلقى من نقود على خشبة المسرح. ويبدو أن شعبيتي قد زادت مؤخرًا عما كانت عليه في الأشهر الماضية!»
فكر لوميان للحظة قبل أن يجيب: «أزادت شكوك عصابة المهماز السام حولكِ، فبات عسيرًا عليكِ الغناء في قاعات الرقص التابعة لها؟»
«سحقًا، هذا ما يغيظني حقًا! ألم يكن بمقدورك أن تتنكر على نحو أفضل؟ لقد انكشفتَ بتلك السهولة وانتهى بي المطاف متورطة في الأمر!» ردت جينا بحنق.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتي لوميان: «بدءًا من اليوم، ستظلين تؤدين عشر أغانٍ كل ليلة، لكن الأجر سيرتفع إلى عشرة فيرل دور، ولكِ أن تحتفظي بثلثي النقود التي تُلقى على خشبة المسرح».
اعتصر قلب لويس، الواقف خلف لوميان، أسىً على هذا الهدر.
رغم أن «اللعوب الصغيرة» لم تكن تغني هنا كل ليلة، إلا أنها كانت تتردد على المكان عدة مرات في الأسبوع. وهذا التغيير سيكلف قاعة رقص بريز خسارة تزيد على ألفي فيرل دور سنويًا!
مع ذلك، بدا أن «اللعوب الصغيرة» لعبت دورًا بارزًا في اغتيال «المطرقة» أيت، زعيم العصابة. ونتيجة لذلك، خسرت فرصة الغناء في مناطق عصابة المهماز السام، مما يعني خسارة ما يزيد على ألف فيرل دور سنويًا من دخلها.
بدت جينا راضية تمامًا.
فالحصول على عشرة فيرل دور لقاء عشر أغانٍ والاحتفاظ بثلثي النقود الملقاة على خشبة المسرح كان أكرم عائد وأسخى معاملة يمكن أن تنالها مغنية في أوساط قاعات الرقص السرية.
ابتسمت وقالت: «لا يمكنني الحضور سوى ثلاثة أيام في الأسبوع المقبل، من ليلة الجمعة حتى الأحد».
«أتبحثين عن فرص في قاعات رقص في أحياء أخرى؟» سأل لوميان بعفوية.
هزت جينا رأسها: «كلا، ليس لدي متسع من الوقت لأضيعه في هذا الغناء اللعين، فورائي مشاغل أخرى».
«أليس الغناء في قاعات الرقص مهنتكِ الأساسية؟» استفسر لوميان بفضول.
«هذا مجرد عمل إضافي!» أكدت جينا بابتسامة ماكرة: «أما عملي الأساسي فهو أن أكون الخليلة المشتركة بين «الأسد» سييل و«ذات الحذاء الأحمر» فرانكا!»
كادت ركبتا لويس تخوران من هول هذه الدعابة.
ففي تصوره، كانت فرانكا امرأة مستبدة شديدة التملك، لا تتوانى عن تلقين أي رجل يتجرأ على خطف «اللعوب الصغيرة» منها درسًا لا ينساه.
ولو تورط رئيسه الجديد حقًا مع «اللعوب الصغيرة»، لواجه بلا ريب غضب «ذات الحذاء الأحمر» العارم!
‘هل تمتلك هذه الفتاة هويات أخرى؟’ تسارعت أفكار لوميان وسأل باهتمام: «هل جينا هو اسمك الحقيقي أم اسم مستعار؟»
إذ اعتاد مغنو قاعات الرقص اتخاذ أسماء مستعارة حتى لا تتأثر مهنهم الأصلية.
التوت شفتا جينا وغمزت بعينها قائلة: «ما رأيك أنت، يا سيد سييل؟»
شددت عمدًا على اسم سييل، ملمحة إلى أنه هو الآخر يستخدم اسمًا مستعارًا.
نهضت جينا من مقعدها، وانحنت فوق الطاولة الخشبية، وهمست في أذن لوميان: «بعد سماع محادثتك مع «العملاق» سيمون، لدي نصيحة مخلصة لك: كلما قلّ ولاء المرء، كان أكثر مباهاةً به وتشدقًا. لقد أفرطتَ في تمثيل دورك قليلًا، ههه».
استقامت جينا وعلت وجهها ملامح الظفر، ومضت مرفوعة الرأس نحو الدرج.
أخيرًا، حان دورها لتُلقن سييل «درسًا»!
‘أكذلك حقًا؟’ تمتم لوميان في سره متأملًا وهو يرمق جينا تبتعد، ثم نادى: «ألم تتعطري اليوم؟»
استدارت جينا، وقد طفح وجهها بالزهو والظفر وهي تسأله: «أفلم تفطن إذن لصعودي الدرج أصلًا؟»