الفصل 3 - الحلم
الفصل 0003: الحلم
تلكأ لوميان فوق السطح، مترددًا في النزول الآن.
بدا وجهه صورة للرواقية، لا يشي بأي عاطفة. اختفى الشاب العابث الذي اعتاد ارتياد الحانة، والمستعد دائمًا بابتسامة ومزحة. وحل محله شخص هادئ وعازم، لن يتعرف عليه من عرفه من قبل.
منذ اكتشافه لقدرات أورور السحرية صدفةً، هوس لوميان بالحصول عليها. لكن أورور حذرته دائمًا من ذلك، متذرعة بالخطر والألم الهائلين اللذين يصاحبان امتلاك مثل هذه القدرات. ورفضت البوح بالسر حتى لو كانت تعرف كيف تمنحها للبشر العاديين.
لم يستطع لوميان إجبارها على كشف الطريقة، لذا لجأ إلى التوسل وإقناعها في كل منعطف.
بعد ثوانٍ من التأمل، وثب لوميان واقفًا وشق طريقه نحو حافة السطح. ثم نزل عائدًا إلى الطابق الثاني باستخدام السلم الخشبي.
تمشى نحو غرفة أورور، ليجد الباب الخشبي البني مواربًا قبل أن يسترق النظر للداخل.
جلست أورور إلى مكتبها، تخط بسرعة بقلم حبر سائل بلون الشمبانيا، مرتدية ثوبًا أزرق سماويًا.
‘ما الذي تكتبه في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ هل للأمر علاقة بالسحر؟’ وضع لوميان يده على الباب ومازحها: «تكتبين في يومياتك، أليس كذلك؟»
«من يكتب في يومياته بصراحة؟» ردت أورور دون أن ترفع عينيها عن كتابتها.
لم يقتنع لوميان بإجابتها.
«لكن ألم يحتفظ الإمبراطور روزيل بعدة مجلدات من اليوميات؟»
كان روزيل، آخر أباطرة جمهورية إنتيس حيث يعيش الشقيقان حاليًا، قد أسقط سلالة سورون وتقلد عباءة قيصر، معلنًا نفسه إمبراطورًا.
حقق الرجل خطوات لا تحصى في مجالات العلوم والهندسة، ونُسب إليه اختراع المحرك البخاري. ناهيك عن رسمه الطريق البحري إلى القارة الجنوبية وإشعاله عصر الاستعمار. لقد كان تجسيدًا لعصره، ورمزًا لحقبة غابرة مضى عليها أكثر من قرن.
لكنه تعرض للخيانة واغتيل في قصر القيقب الأبيض في تراير خلال سنواته الأخيرة.
وفي أعقاب وفاته، نُشرت صفحات يومياته في جميع أنحاء العالم، إلا أنها كُتبت بلغة لم يتمكن أحد من فك رموزها، وكأن كلماتها لا وجود لها في هذا العالم.
سخرت أورور وهي توليه ظهرها: «لهذا السبب ليس روزيل رجلًا صادقًا».
سأل لوميان: «إذن، ما الذي تخطينه هناك؟»
كان هذا هو جوهر الأمر.
أجابت أورور بهزة كتف وصوت يقطر لامبالاة: «رسالة».
«إلى من؟» لم يستطع لوميان منع نفسه من العبوس.
توقفت أورور، ووضعت قلم حبرها السائل الذهبي بلون الشمبانيا، والمزخرف بنقوش معقدة، لتراجع كلماتها وعباراتها.
«صديق مراسلة».
«ماذا الآن؟» قطب لوميان حاجبيه في حيرة تامة.
‘ما هذا ماذا بحقك؟’
ضحكت أورور بخفة، ومررت أصابعها عبر شعرها الذهبي اللامع وبدأت في تنوير شقيقها.
«لهذا السبب أظل أقول لك أن تقرأ وتدرس أكثر. توقف عن إهدار أيامك في الشرب والعربدة»!
«انظر إلى نفسك. ما الذي يميزك عن الأمي»؟
«أصدقاء المراسلة هم أصدقاء يتعارفون عبر الصحف والمجلات والمطبوعات الأخرى. لم يلتقوا قط ويعتمدون فقط على الرسائل للبقاء على اتصال».
سأل لوميان بقلق بالغ حيال هذا الأمر: «ما المغزى من امتلاك صديق كهذا؟»
وبينما يسحب يده عن الباب، حك ذقنه غارقًا في التفكير.
لم تحظ أورور بحبيب من قبل، لذا لا يمكنه السماح بأن تنخدع بشخص لم تقابله قط.
«المغزى؟» فكرت أورور في الأمر بجدية. «أولًا، القيمة العاطفية. نعم، أعلم أنك لا تفهم هذا المفهوم. يحتاج البشر إلى التواصل مع بعضهم البعض، لكن بعض الأشياء والمشاعر لا يمكن مشاركتها مع القرويين، ولا معك. أنا بحاجة إلى منفذ أكثر خصوصية للتعبير عن أفكاري. وأصدقاء المراسلة هؤلاء، الذين لم أقابلهم شخصيًا، مثاليون لذلك. ثانيًا، لا تستهن بأصدقاء مراسلتي. يمتلك بعضهم قوة عظيمة، ويحظى البعض الآخر بمعرفة واسعة. على سبيل المثال، أهداني أحد أصدقاء المراسلة هذا المصباح الذي يعمل بالبطارية. مصابيح الكيروسين والشموع مضرة جدًا بالعينين وليست مثالية للكتابة ليلًا…»
ودون أن تنتظر لوميان ليطرح سؤالًا آخر، لوحت أورور بيدها خلفها.
«خذ قسطًا من الراحة يا أخي الثمل! تصبح على خير!»
رد لوميان محاولًا إخفاء إحباطه: «حسنًا، وأنتِ من أهله».
أوصت أورور: «لا تنس إغلاق الباب. الجو بارد جدًا هنا مع ترك كل النوافذ والباب مفتوحة هكذا».
أغلق لوميان الباب المصنوع من الخشب البني ببطء، ثم توجه إلى غرفته حيث خلع حذاءه قبل أن يجلس على السرير.
في عتمة الليل، استطاع لوميان تمييز الطاولة الخشبية بجوار النافذة، والكرسي المائل، ورف الكتب الصغير المسند إلى الحائط، وخزانة الملابس على الجانب الآخر.
جلس ساكنًا، غارقًا في أفكاره.
كان يعلم أن أورور امرأة تحتفظ بأسرارها لنفسها، وهناك أشياء لم تكشفها له. لم يتفاجأ لوميان، لكنه شعر بالقلق من أن تضعها أسرارها في خطر.
وعندما اصطدم بالواقع، كانت خياراته محدودة.
لقد كان مجرد شخص عادي، بجسد قوي وذكاء حاد.
تدفقت الأفكار كأمواج تتكسر على الشاطئ، وتراجعت بالسرعة ذاتها. أخذ لوميان نفسًا عميقًا وشق طريقه إلى الحمام ليغتسل.
بعد ذلك، خلع معطفه البني الذي يشبه السترة وانهار على السرير البارد.
كان هواء أبريل في الجبال لا يزال لاذعًا.
✦ ✦ ✦
في خضم حالة شروده، لمح لوميان ضبابًا قاتمًا، يغلف محيطه ويمحو كل شيء عن ناظريه.
تثاقلت خطاه عبر الضباب في ذهول، ومع ذلك، وبغض النظر عن الاتجاه الذي سلكه أو المدى الذي بلغه، كان الضباب يقوده دائمًا إلى المكان ذاته؛ غرف نومه.
جُهزت الغرفة بسرير أبيض من أربع قطع، وطاولة خشبية وكرسي موضوعين أمام النافذة، ورفوف كتب، وخزائن ملابس، وما شابه ذلك.
✦ ✦ ✦
تنهد لوميان وفتحت عيناه بفزع، بينما ألقت شمس الصباح بضوئها عبر الستائر الزرقاء الرقيقة.
اعتدل جالسًا، محدقًا بتبلد في الغرفة، وشاعرًا وكأنه لا يزال محاصرًا في حلم.
الحلم ذاته الذي يراوده منذ أيام؛ الضباب الرمادي الذي يرفض الانقشاع.
رفع يدًا إلى صدغيه وغمغم لنفسه بصوت عميق: «لقد أصبح الأمر أكثر تكرارًا. يراودني الحلم نفسه كل يوم تقريبًا…»
أخفى هدوء لوميان حقيقة أن هذا الحلم لم يجلب أي آثار سلبية، لكنه بالتأكيد فشل أيضًا في إحداث أي نتائج إيجابية.
غمغم لوميان وهو ينهض من السرير: «أدعو أن يكون هناك شيء مبشر مختبئ في هذا».
فتح لوميان باب الممر وصادفه على الفور صوت منبعث من غرفة أورور.
‘يا لها من صدفة…’ ابتسم لوميان.
لكن بعد ذلك، باغتته فكرة مفاجئة، مما جعله يتراجع خطوة إلى الوراء ويقف عند حافة الباب.
عندما انفتح باب غرفة نوم أورور بصرير، رفع لوميان يده اليمنى بسرعة وبدأ في تدليك صدغيه بتعبير متألم قليلًا على وجهه.
«ما الخطب؟» لاحظت أورور انزعاجه.
‘نجاح!’ هتف لوميان داخليًا وهو يحاول قصارى جهده لتهدئة نفسه.
أجاب بصوت عميق: «راودني ذلك الحلم مجددًا».
انسدلت خصلات شعر أورور الذهبية على كتفيها بينما قطبت حاجبيها بقلق.
غمغمت لنفسها قبل أن تقترح: «لم تنجح الطريقة السابقة..».
«ربما… يجب أن أجد لك منومًا مغناطيسيًا، منومًا مغناطيسيًا حقيقيًا، ونرى ما الذي تسبب في ذلك».
سأل لوميان متعمدًا: «من النوع الذي يمتلك قدرات سحرية؟»
أومأت أورور برأسها بخفة ردًا عليه.
لم يستطع لوميان منع نفسه من السؤال: «أحد أصدقاء مراسلتك؟»
ردت أورور بلا تردد: «ما شأنك بهذا؟ فكر في كيفية حل مشكلتك!»
‘أليس هذا ما يشغل بالي؟’ تذمر لوميان داخليًا.
اغتنم الفرصة ليقول: «أورور، إذا أصبحت مشعوذًا واكتسبت قدرات استثنائية، فمن المفترض أن أتمكن من كشف سر الحلم وإنهائه تمامًا».
أجابته أورور دون تردد: «لا تفكر في الأمر حتى!»
رق تعبيرها وهي تتابع: «لوميان، لن أكذب عليك. هذا الطريق الذي نسلكه خطير، ومؤلم، وغادر بصراحة. لو كان لدي أي خيار آخر ولم يكن العالم يخرج عن السيطرة، لكنت راضية بكوني كاتبة عادية أعيش حياة هادئة».
لم يتردد لوميان في المقاطعة: «إذن دعيني أتحمل عبء الخطر والألم. سأحميكِ، بينما تفعلين ما تحبين».
كانت تلك الكلمات تتردد في رأسه منذ فترة طويلة.
صمتت أورور لبضع ثوانٍ قبل أن ترتسم ابتسامة عريضة على وجهها.
«هل تمارس التمييز ضد النساء؟»
قبل أن ينبس لوميان بكلمة، أضافت بنبرة جادة: «لقد فات الأوان للتراجع الآن. لا عودة إلى ما كنا عليه من قبل».
«حسنًا، فهمت. سأذهب لأغتسل. ادرس بجد في المنزل اليوم واستعد لامتحانات القبول بالجامعة في يونيو!»
غمغم لوميان: «لقد قلتِ ذلك بنفسكِ، العالم يزداد خطورة. ما الفائدة من خوض الامتحانات؟»
كان يؤمن أن مفتاح النجاح هو القوة، لا مجرد شهادة ورقية.
ابتسمت أورور فحسب وقالت: «المعرفة قوة يا أخي الجاهل».
لم يكن لدى لوميان أي رد، لذا اكتفى بمراقبة أورور وهي تمشي إلى الحمام.
✦ ✦ ✦
بعد الظهر، في ساحة قرية كوردو المزدحمة،
لمح ريموند غريغ لوميان لي جاثمًا تحت شجرة دردار. كانت أفكاره محاطة بالغموض.
«ألا يفترض بك أن تكون حبيس المنزل دافنًا أنفك في تلك الكتب؟» اقترب منه ريموند، وصوته يقطر حسدًا.
كان ريموند المقرب من لوميان، ويقف بطول معتدل يبلغ 1.7 متر، بشعر بني وعينين بنيتين. لقد كان شابًا عادي المظهر ببشرة محمرة قليلًا.
رفع لوميان نظره إليه وقدم له ابتسامة ساحرة.
«ألم تخبرك أورور؟ حتى الجلاد يستحق فترة راحة! لقد كنت محتجزًا لفترة طويلة، وكنت بحاجة إلى استراحة».
طوال الصباح، كان يفكر مليًا في إمكانية اكتساب قدرات استثنائية دون مساعدة أورور.
تطلب ذلك منه البحث عن أدلة وأخذ زمام المبادرة للتحقيق.
في النهاية، شعر أن الشائعات المتعلقة بالقدرات السحرية المتداولة في جميع أنحاء القرية تحمل بعض الحقيقة والقرائن، لذا تعمد انتظار ريموند هنا.
تحدث ريموند ببطء، متكئًا على شجرة الدردار بلامبالاة: «لو كنت مكانك، لما ارتحت لأكثر من خمس عشرة دقيقة. ليس لدينا أخت واسعة الاطلاع بما يكفي لتعليمنا. أخطط لتعلم كيفية رعي الأغنام في العام المقبل».
لم يعر لوميان أي اهتمام لملاحظات ريموند وتحدث بتأمل.
«استرجع لي حكاية المشعوذ».
لم يستطع ريموند فهم نوايا لوميان تمامًا، فقطب حاجبيه في حيرة.
«تلك التي عن المشعوذ؟»
«في الماضي، كان هناك مشعوذ في قريتنا، لكنه مات لاحقًا. في يوم دفنه، حلقت بومة من الخارج وجثمت فوق سريره. ولم تغادر إلا بعد إخراج التابوت».
«ثم أصبح التابوت ثقيلًا بشكل لا يطاق. تطلب الأمر تسعة ثيران لسحبه».
ألح لوميان أكثر: «منذ متى كان هذا؟»
أصبح تعبير ريموند مرتبكًا بشكل متزايد.
«وكيف لي أن أعرف؟ سمعت ذلك من والدي».