الفصل 282 - تجلّي القديسين
صلوا على النبي ✨
—
الفصل 282 — تجلّي القديسين
لم يكن تيان قادرًا على بلوغ أيٍّ مما كان يمنع أصابعه من الالتئام. كانت تلك البوابات تتجاوز قدرته تمامًا، بكل ما للكلمة من معنى؛ فهي من صنع كائن أسمى منه.
لكن مهما بلغت عظمة ذلك الكائن، فإن الداو أعظم منه.
رأى تيان نفسه ينطوي إلى الداخل، وكأن «ذاته» تقفز في ذلك الاتجاه الغريب، محمولةً على أنفاس الداو نحو البوابات. لم يكن سقوطه منتظمًا؛ فقد بدأ من حالة سكون شبه تام، ثم دفعته هزة هائلة إلى الأمام. أعقبتها هزة ثانية دفعته بسرعة أكبر، ثم ثالثة، فرابعة، فخامسة، وكانت كل واحدة منها تتبعها عجلة عنيفة. أخذت سرعته تتزايد مرة تلو الأخرى، حتى بلغت تسع دفعات متتالية. ولم تكن العجلة وحدها هي ما يتصاعد؛ فقد رافقها إحساس متزايد بالكثافة، وكأنه، وإن لم يكن يكبر حجمًا، يزداد وجودًا وثقلًا في كل لحظة.
وكبرت البوابات هي الأخرى. وكلما اقترب منها، أدرك حجم التحدي الذي يواجهه. كانت بوابات، نعم، لكنها كانت آلات أيضًا. استطاع أن يشعر بالحياة نفسها وهي تتدفق بعيدًا عنه، عبر السلاسل، إلى الفراغ الممتد خلفها. كانت السلاسل تتدفق إلى الداخل، بينما تنساب الحياة إلى الخارج. لم يكن فهم ذلك صعبًا، وكذلك العواقب المترتبة على تحطيم البوابات الأخرى.
أكان هذا سبب تعثر نموه إلى هذا الحد؟ وسبب خفوت رغباته الجسدية، رغم كل ما مر به؟ لقد كانت حياته تُستنزف منه باستمرار. فلا حياة، ولا جيل تالٍ، ولم يكن من المقدر لوجوده القصير إلا أن يمتلئ بالمعاناة والضعف. يا له من سامي بغيض!
كان مركز البوابة عقدة من حجر السج والفولاذ، تتحرك كما لو كانت كائنًا حيًا، أو كأنها تغلي من الداخل، حيث كانت أشياء تخرج من أعماقها وتغوص فيها بلا انقطاع. ومن زاوية أخرى، بدت كتشكيل هائل يعيد ضبط نفسه باستمرار ليبلغ أقصى درجات الكفاءة. أما من زاوية ثالثة، فقد بدت تجسيدًا لمبدأ فاحش لا يمكن وصفه.
كان ذلك أبعد من فهمه. كل شيء يتجاوز قدرته على الفهم؛ فذلك البناء بأكمله من صنع كائن يتفاعل مع الكون بطرائق تعجز حواسه المحدودة عن إدراكها. ومع ذلك، كان يندفع مباشرة نحوه. فما الذي يستطيع فعله سوى أن يضغط جسده حتى يجعله كرة صغيرة متماسكة قدر الإمكان، ثم يترك التيار يحمله؟
لم يكن بوسع تيان وصف لحظة الاصطدام. لقد ارتطم بشيء ما، بقوة هائلة، تكفي لتحطيمه… إن كان موجودًا أصلًا. وهو لم يكن موجودًا، لكنه كان موجودًا في الوقت ذاته. كان باردًا وساخنًا، تفوح منه رائحة الأوراق المتعفنة والكبريت، وكان مذاقه يشبه صرخات الألم المترددة في أرجاء أرض القرميد الأحمر القاحلة.
للحظة، تذكّر أنه كان حبيسًا في سرير. كان كل شيء يؤلمه. لم يستطع التفكير، وبالكاد استطاع التنفس. شعر بجسده يبدأ في التشنج. كان الألم لا يُطاق، حتى إنه لم يستطع الصراخ كما ينبغي. ثم انقضت تلك اللحظة.
وتحطم شيء ما.
وفجأة، تحرر من الألم للحظة مباركة.
لكن الألم عاد أضعافًا مضاعفة، محاولًا تحطيم عقله. كانت البوابة الأخيرة تتشبث به بعنف أشد، وتمزقه من الداخل، منتزعةً إرادته وحيويته. لم تكن لديه أي وسيلة لمقاومتها، فضلًا عن هزيمتها. كانت السنوات الأربع عشرة الماضية مجرد حلم، حلم مبارك، لكنه انتهى كما تنتهي كل الأحلام. هذه كانت النهاية. لم تكن هناك أي فرصة للفوز منذ البداية، ولم يكن هناك أي احتمال لقتل السامي المجنون.
وفجأة، دار تيار مضطرب، أو انحراف في أنفاس الداو، فأدار جسده وأعاده في الاتجاه الذي جاء منه.
إلى هذا الحد إذن سيصل به الأمر في العالم السماوي؟ لم يكن بوسعه سوى أن يأمل أن يتبقى له من الحياة ما يكفي ليشهد تعالي ليرين.
انفرجت عيناه قليلًا، ثم اتسعتا فجأة. لم يكن يعود في الاتجاه الذي جاء منه. بل كان يتسارع من جديد، وبسرعة أكبر هذه المرة، مندفعًا نحو البوابة الأخيرة من خلفها!
من الخلف، بدت البوابة عضوية بالكامل. لم يستطع تحديد طبيعة ذلك الشيء العضوي، ولا سبب كونه كذلك. لقد رأى بطونًا ممزقة في ساحات القتال والمستشفيات، وكانت للأعضاء الداخلية طريقة غريبة في الارتعاش والتقلص حين تتعرض للهواء البارد. بدا الأمر شبيهًا بذلك… أو ربما لم يكن يشبهه في شيء. بدأت الكلمات تنهار، وكذلك الأفكار والمشاعر؛ فهول ما تمثله البوابة، والإرادة التي تجسدها، كان أكبر من أن تحتويه اللغة أو يستوعبه عقل بشري فانٍ.
لم تصمد البوابة الثانية أكثر من الأولى. فذلك القدر الهائل المتراكم، وتلك الأسس الراسخة، لم يكن من الممكن أن يُقهرا. ليس حين كانت قوة الداو ذاتها تدفعه إلى الأمام.
لم يفهم تيان شيئًا مما كان يحدث، لكنه أدرك تمامًا لحظة تحطم قيوده. وجد نفسه عائمًا في فراغ شاسع، لا يرتبط بخفة أو ثقل، ولا بظلمة أو نور، ولا بحرارة أو برودة، ولا بحياة أو موت. كان موجودًا فحسب، وكان الوجود بأسره معه. وهكذا، لم يكن موجودًا أيضًا؛ فكيف له أن يفصل نفسه عن كل شيء؟ وأين يمكن أن توجد مساحة حتى لمجرد فكرة الانقسام؟
ومن ذلك الفراغ، وُلدت بذرة ذهبية واحدة. كان فيها شيء من القمر، لكن ما فيها من اللوتس كان أعظم، كما انبعثت منها نفحة من البخور. وفوق كل ذلك، كانت تيان نفسه. جزءًا واحدًا من اللانهائي، أضاءته لحظة من الصفاء المستحيل، المتجاوز لكل شيء.
لقد كان ذلك تجلّيًا.
عاد عقل تيان إلى جسده في اللحظة المناسبة تمامًا، ليرى ليرين محاطة بهالة من الضوء الذهبي، بينما هبطت الشمس إلى العالم الفاني حاملةً معها كل الخيرات. أخذ الفرح يطرق كيانه بعنف، وكذلك المجد والقوة والحياة. وداخله صرخة غضب عارمة على شرور العالم، تضرب كيانه بلا هوادة. كانت جميلة، جميلة، جميلة! قوية، جامحة، حرة، ومفعمة بالنار إلى حد لا يُصدق.
ثم انجذبت عيناه إلى الأعلى.
كانت السماء هي الأخرى تعج بالنيران. تحولت السحب السوداء إلى اللون الأرجواني المائل إلى الحمرة في بعض المواضع، بينما كانت تنانين شيطانية ملتفة تدور في أعماقها. أما آلهة حراس المعابد، التي كانت تقبض على أسلحة إلهية، فقد حدقت فيهما من الأعلى، وألسنتها الطويلة تتدلى بين أنيابها البارزة، فيما حملت الرياح صرخات المعذبين إلى الأبد.
«حين اخترقت السماء المحترقة المرتبة، علت الهتافات. وحين اخترق الأخ فو المرتبة، خرج الجميع لحراسته».
شعر تيان وكأن عينيه تدوران داخل محجريهما. كان فرط المؤثرات الحسية يفوق احتماله، حتى أخذ جسده ينتفض وتنقبض عضلاته، بينما ظل أثر التجلي يرن في عقله كجرس هائل، طاغيًا على كل فكرة أخرى.
فقد أحد تنانين البرق صبره على الانتظار، وانقض نحوهما. لم يدرك تيان حركته إلا حين ارتطم بصدفة سلحفاة متوهجة، مصنوعة من ضوء النجوم.
«كنت أتساءل عن طبيعة الحاجز. إنها سلحفاة. يبدو أن لي قدرًا مع الحيوانات المائية».
تساءل تيان للحظة عن هوية المتحدث، قبل أن يدرك أنه هو نفسه.
«ليست سلحفاة عادية، انظر! لها ذيل أفعى. إنها السلحفاة الأفعوانية نفسها التي رأيناها في كهوف التحولات الست… أو من النوع نفسه على الأقل».
بدا صوت ليرين مشتتًا بقدر ما كان تيان يشعر بالتشتت. وكان يتفهم حالتها تمامًا. فقد كانت هناك عشرات من تنانين البرق، ومئات من حراس المعابد الجهنميين، جميعهم يحدقون بهما من بين السحب. لم تكن هذه محنة، بل إبادة شاملة. لم يكن هناك أي قدر من نقاط الاستحقاق قادرًا على تعويض ذلك.
هبطت الساميين الشيطانية، وأخذت تطعن صدفة السلحفاة برماحها الطويلة وأسلحتها ذات النصل العريض، وتضربها بسيوفها، وتمطرها بالسهام من أقواس الحرب. واستخدم بعضها كنوزًا أكثر غرابة، مثل أوعية تفيض بلهيب أرجواني مسود، ينسكب على الدرع المتوهج كأنه ماء. بينما حمل آخرون مدقات، وكأنهم يحاولون سحق تيان وليرين وطحنهما حتى يمحوا وجودهما تمامًا.
صمدت صدفة السلحفاة أمام الهجوم، لكن لم يكن من طبيعة السلحفاة الأفعوانية أن تتلقى الضربات دون رد. فقد اندفع رأس الأفعى إلى الأعلى والخارج، يلتهم الساميين الشيطانية ويمزقها إلى سحب من اللهب المتلاشي أو شرارات من البرق. وفي المقابل، التفّت التنانين الشريرة حول جسد الأفعى الطويل، تنهشه وتعضه وتحاول التهامه، ساعيةً إلى تدمير الحاجز الذي يفصلها عن غايتها الوحيدة: القضاء عليهما.
كان المشهد يفوق التصور. حواجز تغطي السماء بأكملها، تقاتل تنانين شيطانية وآلهة يفوق حجمها الجبال العادية، وكل ذلك من أجل قتل شخصين. كان الأمر ضربًا من الجنون، فوضى مطلقة لا يمكن وصفها.
وفي نهاية المطاف، نجح شيء ما في اختراق الحاجز.
وبالمقارنة مع الفوضى السامية التي تعصف بالأعلى، لم يكن البرق الذي اخترق الحاجز سوى خيط ضئيل. كان خيطًا صغيرًا من البرق، أضعف بكثير من مخلب التنين الذي انقض على الأخ فو. لم يصرخ أو يزأر كما فعلت الساميين الشيطانية في الأعلى، ولم يعوِ مثل التنانين الجهنمية. لم يكن بحاجة إلى ذلك؛ فقد كان حتميًا. كان وعدًا بأن السماوات لا يمكن تحديها إلى الأبد، وأن النهاية ستظل واحدة مهما اشتدت مقاومة البشر.
الموت.
لم يكن هناك خلود، بل مجرد بشر فانين يعيشون أعمارًا أطول قليلًا. كانت السماوات تتعامل مع أرواح البشر كما لو كانت كلابًا من قش. لقد حان وقت احتراق تيان وليرين. لم تكن هناك حاجة لأن يركضا نحو النهاية؛ فالنهاية كانت قادمة إليهما بنفسها.
لم تكن ليرين يومًا ممن ينتظرون.
«تَعَالَ إذن، ومُتْ تحت رمحي!»
ظهر الرمح القديم مجددًا بين يديها. وبقفزة واحدة، ارتفعت لملاقاة البرق.
لم يستطع تيان منع نفسه. كان الجنون الساحق الذي يحيط بهما، والسماوات الحاقدة التي تسحقهما بلا رحمة، كفيلًا بتحطيم أي إنسان. ومع ذلك، لم ترمش ليرين حتى. ولم تتردد لثانية واحدة. شعر تيان بضحكة تتسلق حلقه، فلم يحاول كبحها. ضحك، ثم قفز خلفها.
اصطدم الخالدان الصاعدان ببرق المحنة الهابط، فدوّى اصطدامهما في الأرجاء. تحطم البرق على رمح ليرين، لكن ذلك لم يكن كافيًا لتدميره. وبدلًا من ذلك، انتشر في كل اتجاه. التفّت خيوط صغيرة منه حولهما، تحاول التسلل إلى داخلهما. راقب تيان البرق وهو يزحف فوق جسد ليرين، ويبدو عاجزًا عن اختراق جلدها البرونزي. بل إن الأمر بدا وكأنه يضيف إلى بشرتها مزيدًا من اللمعان والعمق. أما جسد تيان فلم يكن متينًا إلى هذا الحد.
تسلل البرق إلى جسده، فقابله بجوع شديد.
كان ضحك تيان عاليًا بما يكفي ليرتد صداه عن جناح الضيوف ويتناثر بين الأشجار. لقد كان برقًا جهنميًا، فاسدًا وشريرًا، وممتلئًا بإرادة الموت بدلًا من الحياة. ومع ذلك، ظل برقًا، والبرق ينتمي إلى عنصر الخشب. طاقة ملعونة وتشي الخشب؟ كاد فن زراعة جسده يخرخر من شدة الرضا. لم يتمنَّ سوى لو كان هناك المزيد منه.
بدا أن شيئًا ما في الأعلى قد سمع أمنيته.
«آه… هذا… برق أكثر بكثير مما توقعت. يبدو أن الأمر سيؤلم».
كان البرق قد تحول من خيط رفيع إلى أفعى ضخمة. أطلقت ليرين شخيرًا ساخرًا، واستعدت للقفز إلى الأعلى وطعنه مجددًا، لكن تيان وضع يده على كتفها وقال:
«معًا».
كان الألم جحيميًا. حرق وتآكل، وشرارات صغيرة من الألم تسري عبر الأعصاب وتجعل العضلات تتشنج. لكن الألم لم يدم سوى لحظات. أما الفوائد التي سيجلبها ذلك لزراعته الروحية وصقل جسده، فستبقى إلى الأبد.
التقت عيناه بعيني ليرين، فرأى فيهما جوعًا مماثلًا. ثم رفع الاثنان نظرهما إلى الأعلى.
وحين جمعت المحنة قوتها الأخيرة لتدفع تنين برق شاحبًا واهن المظهر عبر شق في الحاجز، كان تيان وليرين في غاية الحماس لاستقباله. وكان تيان سينكر إلى الأبد أنه كان يفرك يديه ترقبًا لما سيحدث.
مزقا تلك الأفعى المتضخمة إربًا.
«المكان، والسوترا، والكنوز، والأشخاص. لدينا العناصر الأربعة جميعها. ومع كل هذه الأسس التي راكمناها، كيف يمكن لمحنة برق أن تمسنا؟» هكذا فكر تيان.
كان عليه أن يتأمل أكثر في أمر الرؤيا التي شاهدها مع البوابات. لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا على الأقل: أصبح بإمكانه الآن أن يحتضن ليرين بكلتا يديه السليمتين.
تفرقت سحب المحنة، وعاد اللون الأزرق إلى السماء. وأشرقت الشمس والقمر عليهما، وكأنهما يمسحان عليهما بالبركة ويغدقان عليهما نعمهما.
«زهرة؟» تمتمت ليرين.
«ماذا؟»
«توجد زهرة فوق رأسك. تاج من اللوتس. أنت قديس».
«إذن، ماذا تكون المرأة التي تحيط رأسها هالة؟ أنتِ أحق مني بلقب القديسة».
ابتسم تيان ابتسامة عريضة.
أخذ الاثنان يتأمل كل منهما الآخر بإعجاب، ثم انغمسا في مشاحناتهما الودية المعتادة، بينما تردّد رنين أجراس المعابد البعيدة، وارتفعت أسراب الطيور إلى السماء.
الترجمة: Adam
أخيراً وبعد 280 فصل أنتقل بطلانا إلي العالم السماوي 🥳👑