الفصل 281 - الوعاء البشري فارغ
صلوا على النبي ✨
—
الفصل 281 — الوعاء البشري فارغ
«زيهاو، لقد قلتَ إنه لا وجود لأبديةٍ بالنسبة إليك من دوني. لا تفهمني خطأً، فهذا كلام رومانسي إلى أبعد حد، لكن بعيدًا عن الرومانسية، ماذا يعني ذلك عمليًا؟»
نظر تيان إلى الحديقة الوعرة المحيطة بجناح الضيوف. لم يجد وصفًا لها أفضل من «حديقة»، وربما «فسحة» أو حتى مجرد «أرض أُزيلت أعشابها». لقد كان حرص الأرض المقدسة على اقتلاع أي فكرة أو معنى شارد قد يتسلل إلى أجنحة الضيوف مثيرًا للإعجاب من فرط اكتماله. حتى المبنى نفسه لم يكن سوى نسخة من أحد مباني الدير. كان الأمر أشبه بالطفو في فراغ، حيث لا شيء يمكنك النظر إليه سوى نفسك.
بعد لحظات، تمتم تيان وقال: «لا أعرف».
ظلّت ليرين صامتة. وكان بوسعه تقريبًا أن يسمعها وهي تنقر بقدمها في ذهنها، وترفع يدها مطالبةً إياه بأن يوضح ما يقصده.
«أنا حقًا لا أعرف. كل ما في الأمر أنني أشعر بذلك. أدركت أن لديّ مشاعر تجاهك قبل أن نأكل ثمرة احتراق القلب بقليل، واعتبرتك أختي التي أشاركها الحياة والموت منذ أيام الأرض القاحلة».
ساد الصمت لدقيقة، بينما ظل الاثنان يسبحان في ذلك الفراغ.
سأل تيان: «هل تفكرين حقًا في الأمور التي ندرسها؟ أعني، هل تتأملينها بعمق فعلًا؟»
«أجل؟ ما نوع هذا السؤال؟»
«سؤال مهم». أخذ تيان يلوّح بيديه في الهواء، كأنه يحاول تشكيل شيء غير مرئي. «فكّري في الطريقة التي نتحدث بها عن الداو. الداو طريق وغاية في آنٍ واحد. إنه كل ما يحيط بنا، لكنه أيضًا جزء منا، والطريقة التي نعيش بها حياتنا. نقضي كل هذا الوقت في الركض هنا وهناك، وخوض المغامرات، وقتل قطاع الطرق، ومحاربة الهراطقة، ثم يُقال لنا إن كل ذلك مجرد إلهاء مؤسف، لكنه ضروري، عن الأمر الأهم حقًا: الجلوس دون فعل أي شيء».
«على الأقل في العالم الأرضي. وإلى أين تريد الوصول بهذا الكلام؟»
«الداو هو بدايتنا ونهايتنا، والخط الذي يصل بين النقطتين. بل إنه ليس خطًا، وإنما دائرة، تتكرر فيها كل حياة. الأمر يتعلق باتساع نطاقه الهائل يا ليرين. نحن جزء من كيان واحد موحّد يُسمى الداو؛ شيء موجود، ويحدث، في كل مكان، وفي كل لحظة، وإلى الأبد. شيء ضخم إلى درجة أننا لا نستطيع رؤيته. شيء عظيم إلى حد يجعلنا نشعر وكأننا نطفو في فراغ. لهذا نضطر إلى التفكير في العدم، لأن الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها تصور الكل هي استخدام نفيٍ مزدوج. الداو عدمٌ عميق إلى درجة أنه لا يسمح حتى بوجود العدم، وهذا ما يجعل كل شيء ضروريًا. نحن عاجزون عن رؤية الجمال الذي نُعد جزءًا منه، ولا نرى سوى ما نفتقر إليه. نرى أنفسنا كأننا ثقوب في فراغ الداو».
عاد الصمت ليحيط بهما للحظات، لكن تيان، على غير عادته، لم يستطع البقاء ساكنًا. نهض ومدّ إحدى يديه نحو السماء الزرقاء التي بدت بلا نهاية، محاولًا بلوغ القمر الباهت الذي ظل ظاهرًا رغم ضوء النهار.
«لقد وُلدتُ في مكب النفايات بالبلدة الغربية، وكنت في السادسة من عمري، خائفًا من كل شيء. خائفًا من أن يُعثر عليّ وأنا مكشوف في العراء. خائفًا من أن تنهار فوقي الأشياء التي كنت ألوذ بها. خائفًا من أن يجعلني الطعام الذي أتناوله مريضًا، وخائفًا من أن أبقى جائعًا. خائفًا من أن أقضي حياتي وحيدًا إلى الأبد، وخائفًا من أن تعثر عليّ تلك الحيوانات القاسية التي تُسمى البشر».
التفت نحو ليرين من فوق كتفه، وابتسم ابتسامة أشرقت كالقمر عند ظهوره.
«أصبحت الآن أشجع بكثير، وأقوى بكثير. لكنني ما زلت عاجزًا عن مواجهة ذلك الفراغ الهائل بمفردي. أحتاج إلى شخص يستطيع الطيران إلى جانبي، حتى أتمكن أنا أيضًا من الطيران».
كانت ليرين تدفن وجهها بين كفيها، وقد استطاع رؤية الاحمرار الذي غمر وجهها من حول أصابعها.
سألها تيان: «وماذا عنكِ؟»
ساد صمت قصير بدت فيه مذهولة، ثم جاء صوتها مكتومًا من بين أصابعها: «ماذا؟»
«أعني، ماذا عنكِ؟ أنتِ لا تميلين إلى التصريحات العاطفية الكبيرة، لكنك وافقتِ على أن نكون رفيقي داو. ودون أن أبدو مغرورًا أكثر من اللازم، عندما أعود بذاكرتي إلى الماضي، أستطيع أن أرى أنكِ كنتِ تشعرين بشيء تجاهي منذ سنوات، قبل أن نتحدث عن الأمر أصلًا…»
«لم تكن سنوات!» صاحت ليرين، ورفعت رأسها بعينين واسعتين، ثم تأوهت ودفنت وجهها بين كفيها مجددًا. «لا يمكنك أن تسألني شيئًا كهذا هكذا!»
«بل يمكنني. أنتِ سألتِني، فلماذا لا أفعل المثل؟»
«لأنك لا تمانع في التعري، وهذا يرعبني!»
«أنتِ حقًا…»
«عاطفيًا وجسديًا أيضًا! أنت شخص حرفي أكثر من اللازم!»
اكتفى تيان بالابتسام وانتظر. فلم تكن ليرين وحدها من يستطيع استخدام الصمت المتعمد للضغط على الآخر.
«تبًا لك! الأمر حدث على مراحل. وثقت بك بحياتي، وكان من السهل قضاء الوقت معك. ثم… ثم أصبحت وسيمًا. وهذا جعلني أشعر بأشياء متضاربة، ودعني أخبرك أنني أشعر بالرغبات أيضًا، وقد راودتني منذ سنوات طويلة! وبعد ذلك…»
كان واضحًا أن ليرين تتخبط، وتحاول بصعوبة العثور على كلمات تخرجها من حرجها القاتل. رفعت يديها في الهواء، ثم حدّقت فيه بامتعاض.
«أنا فقط أشعر بذلك، اتفقنا؟ لا أفكر في الأمور بالطريقة التي تفكر بها أنت، ولست بارعة في تجميل الكلام. حتى أنا لا أفهم تمامًا كل المشاعر التي كنت أشعر بها تجاهك. تاريخنا معًا معقد للغاية، ومع ذلك فهو يشبه قصة مبتذلة مألوفة بشكل غريب. لم أتمكن من صياغة مشاعري بالكلمات إلا عندما وضعتني في موقف محرج وأجبرتني على مواجهتها، ولم أجد سوى استعارة كلماتك: رفيقا الداو».
تقدمت نحوه بخطوات حازمة، ثم عرضت عليه السوار الذي ترتديه.
«لا أعرف المعنى الحقيقي لهذا المصطلح. والآن بعد أن تحدثت عنه، أدركت أن مفهوم رفيقي الداو مخيف إلى حد ما. لا أملك حتى الكلمات التي تصف ما يعنيه لي أن نكون رفيقي داو». نقرت على السوار بإصبعها. «هذا السوار يعبّر عن الأمر نيابةً عني. هذا بالضبط ما أعنيه. نحن الاثنان معًا على النهر. لا أملك كلمات خاصة بي لوصف ذلك، لذا عليّ أن أستعير كلماتك مرة أخرى».
تحولت نظرتها الحادة إلى ابتسامة.
«الداو الذي يمكن التعبير عنه بالكلمات ليس الداو الحقيقي. فكيف لي أن أصف ما تعنيه لي؟»
أشارت إلى الشمس التي ظلت معلقة في السماء.
«الخلود يشبه الشمس التي تشرق علينا. وهج واحد ساطع يدوم إلى الأبد، ينير العالم ويمنحه الحياة والبهجة، ونعم، يسبب الألم أحيانًا، لكن الخير الذي يجلبه يفوق ذلك بكثير. حتى عندما تكون الشمس وحدها في السماء، فهي ليست وحيدة حقًا، لأن رفيقها موجود دائمًا. فلولا وجودهما معًا، لما كانت هناك حياة ولا نمو».
استنشق تيان عبير دفء الشمس المنبعث من حبات الأرز الناضجة، وشمّ رائحة ألواح الحجر في المعبد وهي تمتص حرارة الظهيرة، كما شعر بدفء ضوء الصباح المنبعث منها. وفجأة، اتسعت عيناه.
«هذا هو الخلود بالنسبة إليّ. الحبة الذهبية، نقطة واحدة متقدة من الأبدية، يحيط بها يين لا نهاية له. أن تكون خالدًا يعني أن تكون النور الذي يجلب السعادة، ويحرق الشر، وقد يُحجب أحيانًا، لكنه لا ينطفئ أبدًا!»
«أما بالنسبة إليّ، فالخلود هو السماء والقمر… الفراغ الذي يحدد ملامح الأرض، والضوء البارد الذي يداوي حرارة الشمس. يتغير باستمرار، لكنه يظل موجودًا دائمًا. إنه الراحة التي تتيح للنمو أن يحدث، والسكون الذي يمنح الحياة مجالًا، والصمت الذي يحتضن الأغنية. وداخل الظلام والسكون يوجد النور والحركة؛ القمر، الذي قد يكون أبيض أو أصفر أو ذهبيًا أو أحمر، لكنه يظل موجودًا دائمًا. وفي يوم من الأيام، تنظر إلى القمر وتدرك أنه لا يزال دائرة كاملة. إنه لم يتغير، وكل ما تغير هو الطريقة التي تراه بها. لقد ظل يسير عبر السماوات اللامتناهية، متنقلًا بين النور والظلام. وهو أيضًا يدوم لأنه ليس وحيدًا أبدًا».
شعر تيان بصدمة كهربائية تسري في جسده، وبومضة إدراك هزّت كيانه كله. بدا له الأمر واضحًا فجأة، وكأنه كان أمام عينيه طوال الوقت. ما الخلود؟ إنه النور الذي يشع في الفراغ. إنه ذلك الشيء الذي يبدو متغيرًا من الخارج، لكنه في الحقيقة لا يتغير أبدًا. إنه يتدفق بسلاسة في مساره الطبيعي، ممتلكًا كل ما يحتاج إليه، وجالبًا البركات إلى العالم.
وهكذا كان حاله هو أيضًا. ففي داخله كان ذلك النَفَس من تشي الخلود، وكانت تلك البذرة من الداو، ذلك الجزء المقدس المنتمي إلى كيان شاسع يفوق التصور. كان جسده المادي هو الفراغ الذي تهب فوقه أنفاس الداو، والنغمة التي يعزفها ذلك النَفَس هي ذاتها التي ظل يعزفها طوال حياته، لكنه لم يسمعها من قبل حتى هذه اللحظة. كان ذلك هو صوت الخلود. لقد كان هنا، ينتظره طوال الوقت، ولم يكن ينقصه سوى أن يصبح مستعدًا لسماعه.
كان هناك شيء يقيّده. شعر بسلاسل تغوص في جسده، وتمزق لحمه بينما كانت أنفاس الداو تتدفق إلى داخله. وكانت الرياح تهب فيه أيضًا. رياح باردة… باردة إلى حد مروّع. لم يسبق له أن شعر بمثل هذه البرودة من قبل. كانت تُبطئ أفكاره وتغمره باليأس.
وفي لحظة، تجمعت فوقهما سحب داكنة، أخذ لونها يزداد قتامة حتى تحولت إلى قرمزي آثم.
كانت ليرين بجواره، متوهجة كالنجم. بل كنجمتين؛ فقد استطاع رؤية الشموس المضيئة داخلها، وهي تنير جسدها من أعماقه. بدت جميلة. جميلة حقًا. ككائن سماوي يشع بهاءً مقدسًا، بملامح مثالية، ومع ذلك لا تشبه أحدًا سواها.
كان يشعر بالسلاسل وهي تغوص في جسده، وتمتد إلى وجهه وعينيه وسائر جسده. لكن الألم كان يتركز في يده اليمنى. نظر إلى أسفل، وأجبر السلاسل على الالتواء معه. كان الألم يفوق الاحتمال. أخذت أفكار الاستسلام تتسلل إلى ذهنه بإلحاح. اليأس، والرغبة في الانتحار، واللامبالاة، كلها تسللت عبر لحمه، ومن خلال السلاسل التي كانت تحفر في عظامه، وتقيّد أوتاره، وتخترق أعصابه.
كانت شبكة من السلاسل تلتف حول يده اليمنى. كابوس حقيقي من السلاسل؛ سلاسل رفيعة كالشفرات الحادة، وأخرى مسننة أو شائكة أو معقوفة، تحرق كالنار أو الحمض، أو تلسع ببرودتها، وسلاسل تنهش وتمتص وتسحق وتخترق. كل شكل يمكن أن تتخذه السلاسل لإلحاق المعاناة والهزيمة به كان حاضرًا، وكلها كانت تقيده.
بدأت السلاسل تتقلص، أو لعل الأمر لم يكن سوى خداع بصري، بينما كانت تمتد لمسافة شاسعة في اتجاه لم يسبق له أن لاحظه. وعند نقطة التلاشي، على مسافة تكاد تكون لا نهائية من الجذوع الممزقة لأصابعه التي لم تنمُ مجددًا، ظهرت بوابتان مرعبتان، وكانت سلاسل التقييد تمر عبرهما مباشرة.
لم يستطع تمييز تفاصيل البوابتين. كانتا سوداويين، عتيقتين، صغيرتين إلى حد يكاد يجعلهما غير مرئيتين، وضخمتين بما يكفي لسحق جبل كامل، كل واحدة منهما على حدة. كانتا إلهيتين وجهنميتين في آنٍ واحد. هل يمكن أن يوجد شيطان سماوي أو إبليس مقدس؟ إن كان ذلك ممكنًا، فلا بد أن هاتين البوابتين من صنعهما، فقد كانتا تغلقان الطريق أمام أصابعه المفقودة.
كانتا السبب في عدم نمو أصابعه مجددًا. فمن المفترض أن تكون تقنية حلول الربيع قد أعادتها عشرات المرات حتى الآن. ومع كل تلك الأدوية القوية والكنوز الطبيعية، والمرات التي أعاد فيها بناء جسده، كان ينبغي أن تكون أصابعه قد تعافت بالكامل، لا أن يستعيد بعضها فقط. وهما أيضًا السبب وراء مجيء برق المحنة الزائف لمهاجمته. لقد حطم البوابتين اللتين وضعهما السامي المجنون عليه. وبالطبع، لم يكن ذلك الوغد الحقير ليفوّت فرصة إرسال البرق إليه.
كانت السلاسل تُضعفه. لا بد أنه كان يحطمها واحدة تلو الأخرى كلما سحق البوابات التي تقيده. كادت هذه السلاسل أن تقتله في مكب النفايات، وما زالت تشوه عقله وتلوّيه. والآن تحاول قطع طريق زراعته الروحية. كانت أنفاس الداو تملأ جسده وتحوّله، وتجعله ينتفخ بقوة هائلة. إما أن يتحطم جسده، أو أن تتركه الرياح عالقًا في العالم الأرضي.
كان صائد الفراغ قد أخبره أن هناك سماوات تعلو السماوات. كما رأى تيان أن القوة التي تمنح نقاط الاستحقاق تعارض برق المحنة. أما هذه السلاسل والبوابات، فهي من صنع السامي المجنون؛ أشياء زائفة لا تتوافق مع الداو الحقيقي. كانت تريد تحطيم إرادته، وحبسه، وتقييده.
ولم يكن تيان يومًا من محبي القيود.
اشتعل قلب تيان في داخله، وهدرت زراعته الروحية، بينما أخذت سوترا قمع الجحيم تتردد بقوة في دانتيانه. غمرت رائحة اللوتس والبخور الحديقة الصغيرة، بينما احتشدت طبيعته الجسدية بأكملها لاستقبال التشي الحقيقي المتدفق إليه. وتجاوبت مع صوت الداو، فيما ارتجفت تلك الومضة الضئيلة من تشي الخلود العميقة في داخله، كوتر نُقر عليه للتو. جمع كل ذرة من كيانه، وكل ما بناه في نفسه منذ استيقظ وسط القمامة، ثم صبّ قوته كلها في البوابتين.
«تَحَطَّما من أجلي!»
الترجمة: Adam
للمرة الثانية أخيراًاااااا🔥