الفصل 264 - المجلد الخامس — الخاتمة الأولي
صلوا على النبي ✨
—
الخاتمة الأولى — ملك الجحيم وخادمه حامل الكتب
كان هناك مثل شائع في مملكة برودسكاي يقول: «سيف ملك الجحيم أفعى سامة، وفرشاته تنين مسموم. إذا رفع سيفه، سقط رأس. وإذا أنزل فرشاته، هوت تسعة أجيال إلى الجحيم».
بدأ هذا المثل بالانتشار بين كبار الموظفين المدنيين، ثم وصل إلى طبقة النبلاء، وسرعان ما شق طريقه إلى التجار، متنقلاً بسرعة تفوق سرعة رسول إمبراطوري يسلك طريق البريد. وكان أقل زخرفةً وتلميحاً من معظم الأمثال التي تتداولها النخبة. بل كان مباشراً إلى حد الابتذال، في الحقيقة.
لكنهم لم يكترثوا. فلم يكن المثل مجازياً من الأساس. صحيح أنهم ربما كانوا تافهين، جشعين، متآمرين، لا يوثق بهم، قساة، وغير ذلك من الصفات التي اتُّهموا بها عن استحقاق، لكنهم لم يكونوا أغبياء. ليس عندما تكون حياتهم على المحك.
«أيها النقيب هو، ما معنى هذا؟»
وقف أمير التجار أمام بوابة مجمّع عائلته، وخلفه صفوف المرتزقة الذين استأجرهم. كان قد دفع ثمن خوذات حديدية جيدة، ورماح فاخرة، وتروس طويلة تشبه الأبراج. كما دفع ثمن الأقواس النشّابة، وبأعداد كافية لتكون فعّالة. كان عدد الحراس يفوق عدد رجاله، لكن الطرفين كانا يعلمان أن أي مواجهة ستكون باهظة الثمن إلى حد يجعلها غير مجدية لكليهما.
ومع ذلك، كان التاجر كانغ يشعر في أعماقه بشعور مروّع بأنه يعرف سبب حدوث كل هذا. ومن النظرات القاسية في أعين المرتزقة، بدا أنهم يعرفون هم أيضاً.
«أيها التاجر كانغ، بأمر من البلاط الإمبراطوري، سلّم نفسك!»
«أحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك، أيها النقيب».
بلل التاجر كانغ شفتيه.
«كلا، لست بحاجة إلى شيء آخر. سلّم نفسك، وإلا فستُعتبر متمرداً. لا تجرّ عائلتك إلى الهلاك معك يا كانغ! استسلم!»
«أهكذا تردّون لي الجميل؟ أهكذا تردّون لي—»
«اصمت!» زمجر النقيب هو بصوت مدوٍّ. «انطِق بكلمة أخرى، ولن أكلّف نفسي عناء إحضارك حياً!»
«الموت بشرف أفضل! أيها الكلب عديم الوفاء! الموت واقفاً خير من ذلك!»
«أتريد أن ترى عائلتك بأكملها تموت معك، أيها الأحمق العجوز؟!»
«من دوني، ومن دون مالي، سيموتون على أي حال».
تجمدت ملامح النقيب هو.
«لقد حاولت. يا حراس عائلة كانغ، يمكنكم إلقاء أسلحتكم والرحيل بأرواحكم، ومعكم كل ما جمعتموه من أجور حتى اليوم، أو يمكن إعلانكم متمردين لتلقوا المصير نفسه الذي ستلقاه عشيرة كانغ. أنتم تعرفون من يجلس داخل العربة السوداء التي تحمل تنيناً خلفي. فلا ترتكبوا خطأً قاتلاً».
دوّى ضحك غريب بين الجنود المحتشدين. وبخطوات خفيفة، قفز رجل عجوز يرتدي أردية بنية إلى أعلى سور المجمّع، ثم هبط بخفة على كتف أحد المرتزقة، وبخطوة ثالثة وجد نفسه أمام النقيب هو.
«لقد سمعت كثيراً عن الاسم الشهير لملك الجحيم، هانشين. ولي أنا أيضاً شهرتي الخاصة. اخرج أيها الخصي! لن يفرّوا ما دام رين ذو الرحمات السبع موجوداً في ساحة المعركة!»
ساد الصمت لدقيقة كاملة.
اشتدت قبضة النقيب هو داخل قفازه المدرّع. كان الجنود خلفه يحملون الأقواس النشّابة والدروع الحديدية، والرماح الطويلة والسيوف الثقيلة. لكن استخدام هذه الأسلحة يتطلب الوصول إلى الخصم أولاً، وخبراء عالم الفنون القتالية كانوا سريعين. سريعِين إلى حد اللعنة.
كان رين ذو الرحمات السبع معروفاً بمهارته في استخدام السكاكين الثقيلة والسموم. وإذا نجح في اختراق تشكيلهم، فقد يتمكن المرتزقة بالفعل من صدّهم. أما إذا سقطوا…
إذا سقطوا، أو تكبدوا خسائر فادحة حتى لو لم يسقطوا بالكامل، فستسقط بلدة القمح الأحمر، ومعها المقاطعة بأكملها.
انفتح باب العربة، وخرج منه فتى خادم.
كان أنيق الهيئة إلى أبعد حد، يرتدي ملابس طالب علم، ويتدلى من خصره كتاب ثقيل معلّق بحزام جلدي. وكان يحمل سيفاً ثميناً بكلتا يديه. وما إن خرج حتى اتخذ موضعاً إلى يمين باب العربة مباشرة، وانحنى، ثم قدّم مقبض السيف إلى الداخل بحركة مدروسة.
«أيها العجوز المختل رين، كان بإمكانك أن تعيش مدة أطول لو ابتعدت عن طريقي. بل ربما كنت ستعيش حتى نهاية عمرك، لو قبلت عفو الإمبراطور».
جاء الصوت من ظلام العربة حادّاً رفيع النبرة، وبارداً كرياح الشتاء.
بل أبرد من ذلك، في الحقيقة. فالصقيع لم يكن يبلغ حد التجمد قط في مملكة برودسكاي.
«عشر سنوات من الخدمة في قتال المتمردين والزنادقة وقطاع الطرق، وكل ذلك مقابل عفو لا أكثر؟ تبّاً!»
بصق العجوز على الأرض بازدراء، ثم سحب سكاكينه الثقيلة.
«أنت أعمى أيها الخصي. لقد فقد الإمبراطور تفويض السماء. والخلوديون الذين كانوا يحضرون مجالسه أغلقوا الجبل العظيم، والكوارث تجتاح البلاد، والوحوش والبهائم الشريرة تعيث فساداً في القرى، وها أنت هنا».
خرج رجل نحيل طويل القامة، شاحب تحت ضوء القمر، من مؤخرة العربة. كانت أردية العالم التي يرتديها نظيفة لا تشوبها شائبة، وتتدلى من خصره شارة حديدية، بينما استقر فوق رأسه قبّعته الصغيرة المصنوعة من قماش شفاف. كان لا يزال يرتدي أردية مراقب من الرتبة السادسة، ضمن القسم الأدنى، لكن لم يعتقد أحد أن تلك هي رتبته الحقيقية.
وحول خصره حزام أفعى ضخمة، يتوسطه مشبك مصنوع من يشم الماء السماوي لجبل وويي. ولم يكن مظهره يختلف عن مظهر دوق.
امتدت يد بيضاء نحيلة وأمسكت بالسيف، ثم سحبته من غمده بصوت خافت بالكاد يُسمع. كان يلمع بوميض خفيف، كما لو أن الفولاذ نفسه يحتوي على مياه جارية في داخله.
«ها أنا ذا. أهذا لأن حفيدتك ماتت في الربيع الماضي؟ هل تشعر بأنه لم يعد هناك شيء يربطك بهذا العالم؟»
تراجع رين كما لو أن صفعة أصابته.
«كيف…؟»
خيم الصمت بين الجيشين. أخذ المراقب هانشين يسير بين صفوف الجنود، وسيفه مسترخٍ في يده، دون أن تعبر عينيه أو قلبه ذرة اضطراب.
«نعم، اللعنة عليك. نعم! ما الذي يهمني إن احترق العالم؟ أي عائلة بقيت لديّ لأورطها معي؟ وما الذي يهمني من يجلس على عرش التنين؟ لم يبقَ لي سوى محفظتي، وسكاكيني، واسمي. وسأجلب المجد لهذه الثلاثة جميعاً الليلة!»
«الشهرة، بالتأكيد. أما المجد، فلا أظن ذلك».
تمتم هانشين.
«ارفع سكاكينك التي تتباهى بها يا رين، وإلا سقط رأسك مع خطوتي التالية».
«هيه!»
اندفع رين إلى الأمام، يتحرك على ارتفاع منخفض، بخطوات متعرجة يصعب التنبؤ بها، وأنفاس لا يمكن تمييزها عن ظل أفعى. وبالتواء من جسده، هوى بإحدى سكاكينه نحو قدم المراقب، بينما اندفعت الأخرى نحو معدته.
واجهه هانشين بتوقف مفاجئ واندفاعة طويلة. واستقرت قمة سيفه الثمين أمام النقطة الواقعة بين حاجبي رين.
كان هانشين أطول قامة، وسلاحه أطول مدى. قفز رين جانباً وتدحرج بعيداً، وعندما نهض، كانت إحدى يديه تمسك ببيضة دجاج بدلاً من السكين.
سحق البيضة وقذف محتواها في حركة واحدة، فانتشرت سحابة من مسحوق أزرق مائل إلى البياض، معلقة في الهواء كالدخان تحت ضوء القمر الساطع.
هذه المرة، كان هانشين هو من اضطر إلى المراوغة. انزلق جانباً بخطوات سلسة قبل أن يندفع إلى الأمام مجدداً.
رحّب رين بالاشتباك. أخذت شفراته تهوي بعنف، من اليسار إلى اليمين، ومن الأعلى إلى الأسفل، وتتقاطع في زوايا متباينة. بدا الأمر فوضى جنونية، كحركات هاوٍ أحمق يلوّح بسلاحه بلا هدف.
لكن النقيب هو والمرتزقة الأكثر خبرة فهموا ما يجري. كان رين يغلق زوايا الهجوم، ويجبر هانشين على اختيار مسارات ضرباته بعناية. وبهذا، كان يزيد احتمال ارتكاب المراقب خطأً قاتلاً، فيترك نفسه عرضة للسم أو لطعنة مباغتة.
لقد بالغ رين في التفكير.
«أيها الأحمق العجوز!»
انطلقت العبارة بلهجة ازدراء، وفجأة أصبح المراقب أمام رين، ثم تجاوزه.
رأى رين ذو الرحمات السبع، ذلك العجوز المختل الذي أزهق أرواحاً أكثر مما عبر بعض التلاميذ الأصغر سناً من جسور، جسده مقطوع الرأس وهو يهوي إلى الأرض.
وكان آخر ما رآه قبل أن يفقد حياته هو سيف هانشين وهو يخترق محجر عينه ويغوص في دماغه.
لم يفهم قط ما الذي حدث.
ألقى هانشين نظرة على المرتزقة والتاجر كانغ. وهرع الفتى الخادم إليه حاملاً قطعة قماش. جثا بجوار الخصي ونظّف نصل السيف بعناية، ثم أعاده إلى غمده.
أسرع أحد الجنود حاملاً طاولة صغيرة وكرسياً قابلاً للطي. نزع الفتى الكتاب الثقيل المعلّق بخصره ووضعه على الطاولة.
«أبي! أبي! أرجوك، انتظر لحظة يا أبي!»
اندفع شاب نحو والده، بدا في السادسة عشرة من عمره تقريباً. كان يرتدي الحرير، ويداه ناعمتين، ووجهه طيباً، ولم تكن في هيئته أدنى علامة على القسوة.
«يا فنغ، ما كان ينبغي أن تكون هنا!»
«إذا انهار العش، فأي بيضة ستنجو؟»
هزّ الشاب رأسه واحتضن والده.
«فنغ… يا بني…»
انزلق التاجر كانغ على صدر ابنه وسقط إلى الأرض. وكان خنجر رفيع بارزاً من ظهره.
ارتجف الشاب، لكن صوته ظل ثابتاً عندما التفت إلى أقرب مرتزق وقال:
«أعطني سيفك».
احتاج إلى ثلاث ضربات، وبعض النشر الفوضوي، حتى يفصل رأس أبيه عن جسده. لم يتقيأ. حمل الرأس بكلتا يديه، ومضى به نحو الطاولة الصغيرة.
كان هانشين قد جلس وفتح الكتاب أثناء فصل الرأس عن الجسد. أما الفتى الخادم، فكان يطحن الحبر إلى جواره، وقد رُتبت فُرش الكتابة الدقيقة المصنوعة من شعر الكلاب، وختمه جاهزاً ينتظر استخدامه.
كان ضوء القمر الساطع كافياً تماماً للكتابة. فقد كان هانشين يحفظ كل الكلمات عن ظهر قلب، وكتبها مرات لا تُحصى من قبل.
توقف فنغ على بعد ثلاث خطوات من الطاولة، ثم هوى على ركبتيه. انحنى إلى الأمام ووضع رأس أبيه على الأرض.
لم يكن القطع مستوياً، وكانت حافة العنق خشنة، فلم يستطع الرأس البقاء متوازناً، وانقلب على جانبه وتدحرج فوق التراب.
ثم اتبع الشاب خطى أبيه، وضغط رأسه هو الآخر في التراب.
«تعلن عشيرة كانغ استسلامها الكامل. إن حراسنا لا يدينون بالولاء إلا لمالنا، ولن يتمردوا».
ومن دون أن يرفع رأسه، أخرج كتابين رفيعين من داخل ردائه، وقدّمهما بكلتا يديه.
أسرع الخادم حامل الكتب إلى الأمام وتسلّمهما. ألقى هانشين نظرة على الغلافين، لكنه لم يمد يده إليهما.
كان أحدهما سجل العائلة، والآخر دفتر الحسابات الرئيسي.
«أنا الوريث الذكر الشرعي للعشيرة، ومن حقي التحدث باسمها. يتوسل جميع رجال عشيرتنا إلى المراقب أن يسمح لهم بالخدمة في الجيش على خطوط المواجهة ضد التمرد. نحن مستعدون لأن نكون خيولاً وثيراناً، وأن نخدم بأي طريقة نستطيعها. أما النساء، فلا يطلبن سوى السماح لهن بالطهي والتنظيف وغسل ملابس الجنود».
سرت رعشة في جسد الرجل.
«نرغب في التبرع بجميع كنوزنا وممتلكاتنا وأعمالنا التجارية وثرواتنا المتراكمة إلى البلاط، للمساعدة في تخفيف بعض أعباء الإمبراطور».
ساد الصمت.
صمت مؤلم.
لم تهب حتى نسمة واحدة تحرك الأشجار. ضغط فنغ رأسه في التراب بقوة أكبر، حتى تحولت ألوان حريره الفاخر إلى السواد تحت ضوء القمر، بعدما ابتلّ بالعرق.
تقدم النقيب هو خطوة إلى الأمام.
«لماذا لا تزالون تحملون أسلحتكم أمامي؟ ولماذا تقفون أمامي أصلاً؟!»
تساقطت أسلحة المرتزقة على الأرض بقرقعة مدوية. وارتطمت التروس الطويلة بالأرض، بينما وُضعت الأقواس النشّابة بعناية أكبر قليلاً.
أما الرماح، فكان لا بد من رصّها بحذر أشد؛ إذ لم يكن من اللائق أن يتعثر المرء برماح رفاقه ذات الأعمدة الخشبية بينما يسارع إلى الفرار.
لم يحرك فنغ عضلة واحدة.
وعندما أُخلي الفناء وعاد الصمت، تحدث هانشين أخيراً.
«لقد رأينا… سلوككم الذي تزعمون أنه من البرّ. وبموجب مرسوم ابن السماء، يجوز لمن يرغب في الخدمة بالجيش طلب العفو عن جميع الجرائم، باستثناء الخيانة والهرطقة وقتل الأطفال. وللأسف، لن يكون جميع أفراد عشيرة كانغ مؤهلين للعفو، وسيتعين عليهم دفع حياتهم ثمناً لجرائمهم. أما الباقون، فسيرافقون الحراس إلى معسكر جيش السلحفاة السوداء، ليخدموا وفقاً لما يُطلب منهم».
«أشكر المراقب الموقر على نظره في أمرنا ورحمته بنا!»
«خذوهم بعيداً».
«سيدي المراقب، هل نتخلص من الجثث؟ أم نترك الأمر لخدم عائلة كانغ؟» سأل النقيب هو.
«أي خدم لعائلة كانغ؟»
لم يظهر في صوت المراقب هانشين أدنى أثر للعاطفة.
«إذا كان هناك لحم على الأرض، فاتركوه للكلاب. فهي، على الأقل، تستطيع احتمال الخونة. وسيمنح ذلك متطوعينا الجدد شيئاً يتأملونه وهم في طريقهم إلى حياتهم الجديدة».
—
في داخل العربة، استند هانشين إلى المقاعد المبطنة وأطلق زفيراً بطيئاً. أخرج الخادم الصغير بعض الوجبات الخفيفة بعناية، ثم وضع إبريقاً على النار.
كان آخرون سيتولون التفاصيل الدقيقة: جمع الكنوز، وتأمين الممتلكات، والتأكد من تطابق سجلات العائلة مع سجلاتهم، وضمان ألا تفلت أي سمكة من الشبكة. كانت هذه أموراً مهمة، لكنها من المهام التي ينبغي تفويضها إلى الآخرين، وهذا ما حدث بالفعل.
وبعد فترة، فتح هانشين عينيه ونظر إلى الخادم.
«هل ترى أن فنغ أظهر البرّ الليلة؟ أعتقد بصراحة أن المسألة تحتمل كلا الرأيين. أول ما يتبادر إلى ذهني هو النفي، بالطبع، لكن يمكن تقديم حجة تؤيد ذلك أيضاً».
تأمل الخادم الأمر، ثم هزّ رأسه. ودفع ورقة نحو المراقب.
كان قائد فرقة الحرس السري التابعة لحرس البروكار يريد معرفة ما إذا كان ينبغي تدبير حادث يؤدي إلى مقتل فنغ.
«لا. سيساعد بقاء الوريث على قيد الحياة، وعيشه في ظروف جيدة بما يكفي، على إقناع الآخرين بالاستسلام. اكتفوا بتسجيل الأشخاص الذين يتحدث إليهم والأماكن التي يذهب إليها. كما نفعل دائماً. إن الحديث عن اقتلاعهم من جذورهم جميعاً لا يناسب هذا الوقت. لو كان الخوف وحده كافياً، لما تمردوا من الأساس. راقبوه فحسب، وإن دفع المتمردين إلى كشف أنفسهم، فسيكون ذلك أفضل. قائد الفرقة يعرف كيف يتعامل مع الأمر».
ضمّ الخادم قبضته إلى كفه وانحنى، ثم تحرك لإيصال تعليمات المراقب.
«يا هان الصغير… كيف يسير تقدمك في القراءة؟»
توقف الخادم الصغير فجأة، ثم أطرق برأسه.
«كنت أتوقع ذلك. قد لا تحمل اسم جين، لكن دماءهم تجري في عروقك. سيأتي يوم يحين فيه دورك لخدمة المملكة، سواء أكان ذلك بصفتك سيداً إقطاعياً أم موظفاً مدنياً أم في دور آخر. وفي جميع الأحوال، لا غنى عن التعليم وتهذيب النفس.
لقد تقدم والدك الموقر وعمك في السن بسرعة في زمن الفوضى هذا، والوريث الشرعي لعشيرة جين خرج الآن من خط الخلافة ليتفرغ لزراعة الخلود على الجبل. وهذا يعني أنك قد تكون الوحيد المتبقي، كما تعلم جيداً.
سواء أكنت أبكم أم لا، وسواء أكنت شرعياً أم لا، فقد تجد نفسك يوماً مسؤولاً عن مقاطعة بأكملها. لذا، اقرأ».
انحنى الخادم الصغير مرة أخرى. وقبل أن يتمكن من رفع رأسه، سأله هانشين:
«هل قال فنغ أي أكاذيب الليلة؟»
هزّ الخادم رأسه، والتقت عيناه بعيني هانشين.
لو امتلك المرء النوع الصحيح من العيون، تلك التي باركها تنين القدر الخاص بالأمة، لأمكنه في عتمة حدقتي الفتى أن يلمح وميضاً خافتاً لهيئة وحشية: خروف له قرن واحد يبرز من منتصف جبهته، وأنياب مرعبة تملأ فمه.
كان ذلك المنظر قد أفزع هانشين حتى كاد قلبه يتوقف عندما رآه للمرة الأولى، لكنه كان مديناً لعشيرة جين بالكثير، فلم يستطع أن يأمر بقتل الفتى على الفور.
وقد سرّه أنه لم يفعل.
لقد احتاج الأمر إلى قدر كبير من البحث، لكنه توصل أخيراً إلى الحقيقة. كان هناك سبب يجعل وحشاً قديماً مثل ستارسيف يسمح لعشيرة جين بالتقرب إلى هذا الحد من حفيده، وسبب يجعل هذه العائلة قادرة على الخدمة بشرف واستمرار منذ تأسيس المملكة.
ضحك هانشين ضحكة خافتة، مستمتعاً بسخرية القدر القاتمة، ولم تكن تلك المرة الأولى.
ملك الجحيم، الجالس قاضياً على خطاة المملكة، وإلى جانبه خادمه الصغير حامل الكتب.
فتى قد لا يكون مقدراً له الخلود، ولا يمتلك لساناً يستطيع الكلام، ولا يحمل اسم أبيه، ولا يحظى بحب أمه، لكنه قادر على تمييز الأكاذيب دون أن يخطئ.
وكان هانشين يؤمن إيماناً راسخاً بضرورة تعليم الجيل القادم.
الترجمة: Adam