الفصل 117
الفصل 117
لم يتوقع ون هاي أن يكون هذا الأخ الأصغر شغوفاً بالتدقيق إلى هذا الحد؛ فتفاجأ للحظة، ثم ابتسم قائلاً: “أخي الأصغر شون، هل هناك خطب ما؟ هل أخطأنا في ترتيب الدرجات الروحية؟”
‘حتى لو أخطأت، فماذا عساي أن أفعل؟ هل أفضحك أمام الجميع؟’ تمتم لي شون في سره، بينما لم تظهر على وجهه سوى مسحة من الحرج والخجل المصطنع:
“ليس الأمر كذلك، لكن يا أخي الأكبر ون هاي، ألا يُفترض بتشكيل التقييد للدرجات الروحية أن يتكامل مع تشكيل المنصات السحابية؟ فإن لم يتوافق ترتيبنا مع ما يفعله الخبراء الخالدون، فكيف سنتصرف حينها؟”
أثنى عليه ون هاي برضا جلي: “أنت تدقق في الأمور حقاً يا أخي الأصغر شون.” ثم ألقى نظرة نحوه وأشار برأسه إشارة خفيفة نحو المنصات السحابية:
“انظر إلى هناك؛ لم يتحرك أيٌّ من الخبراء الخالدين بعد. إنهم ينتظرون أن ننتهي من ترتيب جانبنا أولاً، وبعدها سيعدلون تشكيلهم ليتطابق مع تشكيلنا؛ وبهذه الطريقة نتفادى أي تعارض.”
أدرك لي شون الأمر على الفور، وسارع بإلقاء مجاملة عابرة: “لهذا السبب إذن وضعت تشكيل الماء ثلاثي الطبقات يا أخي الأكبر؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة لتحقيق التوازن المثالي بين الهجوم والدفاع عند تفعيل تشكيل المنصات السحابية، بل ومضاعفة قوة ‘ريح بلا قيود’…”
رفع ون هاي حاجبيه دهشة، وتبدلت نظرته إلى لي شون بوضوح.
فصحيح أن كلمات لي شون بدت كمجاملة، لكنها كشفت بذكاء عن فهم عميق لفنون التشكيل؛ وتلك الملاحظة العابرة كانت كافية لتغيير رأي ون هاي فيه تماماً.
وقبل أن يرد ون هاي، قاطعهم صوت من الجانب يسأل: “وإن لم نستخدم ‘ريح بلا قيود’ هذه المرة، فماذا نفعل بدلاً منها؟”
التفت لي شون وون هاي في اللحظة ذاتها، وبمجرد أن تبينا صاحب الصوت، سارعا بالانحناء للتحية باحترام.
كان القادم هو الشيخ الداوي تشينغ شو، وهو وجه مألوف لـ لي شون وإن لم يلتقيا كثيراً منذ عودته إلى الجبل. لكن منذ تلك الحادثة على قمة تشووانغ قبل بضع سنوات، تغيرت معاملة تشينغ شو له تغيراً مفاجئاً؛ ولعله بدافع الشعور بالذنب، أصبح هذا الرجل المعروف ببروده وصرامته لطيفاً معه على غير عادته.
وبدا سؤال تشينغ شو وكأنه اختبار مقصود. وهمّ ون هاي بالرد، لكن تشينغ شو رمقه بنظرة آمرة جعلته يتراجع في صمت؛ ففطن ون هاي سريعاً إلى أن هذا امتحان للتلميذ الجديد، لكن ألم يكن السؤال صعباً ومعقداً أكثر من اللازم؟
وكما استوعب ون هاي ذلك، لم يغب الأمر عن فطنة لي شون. لكنه لم يتسرع بالإجابة، بل رسم ابتسامة عريضة وقال لتشينغ شو: “إن كنتم لا ترغبون في استخدام ‘ريح بلا قيود’، فهل يعني ذلك أنكم تريدون للعربة السحابية دفاعاً أمتن؟ أم قوة هجومية أكبر؟ أم أن الهدف هو زيادة سرعتها القصوى؟”
بدا أسلوبه وكأنه تاجر يفاوض على بضاعة، فلم يتمالك تشينغ شو نفسه من الابتسام، ثم قال: “الوضع في القطب الشمالي حرج وعاجل؛ وبطبيعة الحال، حاجتنا الأولى هي السرعة.”
التمعت عينا لي شون: “أمرك يا سيدي؛ فقط… لست خبيراً جداً بتفاصيل هذه العربة بعد. فهل تأذن لي بإلقاء نظرة فاحصة عليها أولاً؟”
ارتفع حاجبا تشينغ شو الطويلان قليلاً، وقال بهدوء: “أمامك مهلة بقدر احتراق عود بخور واحد؛ فإن كان مقترحك منطقياً، اعتمدنا طريقتك.”
لم يبدُ على لي شون أي توتر؛ فانحنى مجدداً، ثم ركب سيفه وانطلق محلقاً بين المنصات السحابية والدرجات الروحية.
راقب ون هاي حركة لي شون وهو يطير جيئة وذهاباً، واختلطت الأفكار في رأسه بحيرة؛ فالتفت إلى الشيخ وقال بدهشة: “أيها السيد، الأخ الأصغر شون موهوب بلا شك، لكن مدة تدريبه لا تزال قصيرة؛ ومسألة كهذه…”
هز تشينغ شو رأسه قائلاً: “هذا صحيح في الأحوال المعتادة؛ لكن في هذا العالم، يوجد من نسميهم بالعباقرة.”
أُلجم ون هاي وعجز عن الرد.
والواقع أثبت أن تشينغ شو لم يكن مخطئاً؛ فالعباقرة الحقيقيون موجودون بالفعل، وكان لي شون واحداً منهم، لا سيما في فنون التقييد والتشكيلات.
وقبل أن يحترق عود البخور بالكامل، كان الجميع على متن “عربة برج السحاب قابضة القمر” — باستثناء سيد الطائفة تشينغ مينغ الجالس في المركز — قد بدأوا في التحرك وتعديل مواقعهم.
ولم يعترض أيٌّ من الخبراء الخالدين الاثني عشر على الخطة التي اقترحها هذا التلميذ الصغير، بل اتبعوا كل توجيه بدقة متناهية؛ وهو ما يوضح مدى قوة الخطة وإحكامها.
حتى ون هاي اقتنع تماماً؛ فتلك الخطة لم تكن تشكيلاً تقليدياً معروفاً في الطائفة، بل ابتكاراً جديداً صاغه لي شون بمفرده في ذلك الوقت القصير.
وفي خطوط التقييد التي رسمها لي شون بأصابعه بعفوية، ومسارات التشي التي وصفها باسترخاء، رأى ون هاي ما هو أبعد من مجرد الفطنة؛ رأى إبداعاً حقيقياً وتفكيراً استراتيجياً محكماً. وفي عيون الخبراء، كان ما فعله تحفة تستحق الإعجاب.
وإن لم يكن ذلك كافياً لإقناع الجميع، فإن التطبيق العملي للتشكيل قطع كل شك؛ إذ استشعر الجميع عشرات الآلاف من آليات التشي وهي تتعاشق وتتحرك وتتكامل في تناغم مذهل رغم تعقيدها، ساحبة التشي البدائي للسماء والأرض من محيط مئات الأميال ليتحرك طوع بنانهم.
ذلك المشهد الباهر ألجم كل اعتراض وأسكت أي تشكيك متبقٍّ.
أما الشاب الذي صنع كل ذلك، فوقف جانباً بابتسامة هادئة، وخجله لا يزال يصبغ وجنتيه بحمرة خفيفة.
هز ون هاي رأسه وهو يراقبه، وشعر فجأة بضغط خفي يثقل كاهله؛ فجميع الخبراء الخالدين كانوا ينظرون إلى هذا الفتى باستحسان وتقدير، بمن فيهم سيد الطائفة القابع بصمت داخل الهودج.
فالجميع يدرك أنه لولا موافقة سيد الطائفة الضمنية، لما سمح تشينغ شو — المعروف بحذره وصرامته المفرطة — لتلميذ ناشئ بتولي مهمة محورية كهذه.
وبعد التعديلات الأخيرة، اختلف مظهر العربة السحابية اختلافاً ملحوظاً؛ فباستثناء الهودج المركزي، أُعيد ترتيب كل شيء: المنصات السحابية الثلاث والثلاثون، والدرجات الروحية المئة والثماني وُضعت في نقاط طاقية حاسمة، لتشكل شبكة مركزية تلتقي فيها آلاف مسارات التشي.(غرفة صغيرة مغلقة ومظللة توضع على ظهر الحيوانات وهنا توضح فوق منصات السحابية)
وفي قلب هذا البناء بأكمله، استقر هودج تشينغ مينغ.
كان تركيز التشي في تلك النقطة مهولاً لدرجة لا تُصدق؛ وتدفق التشي البدائي صار كثيفاً حتى كاد يُلمس باليد. وأخذ الهودج الأبيض يتوهج بنور خافت يميل للزرقة والخضار، وبات مجرد الاقتراب منه يشبه مواجهة أمواج بحر هائج لا يرحم.
‘يبدو أنني بالغت في الأمر قليلاً…’ تمتم لي شون في سره. وبعد مراجعة توافق المنصات والدرجات الروحية للمرة الأخيرة، التفت نحو الهودج؛ وما إن رأى التشي البدائي يغلي هناك حتى تصبب عرقاً من التوتر: ‘لولا أن هذه العربة صُنعت من مواد خارقة، لكان هذا الطوفان من التشي قد مزقها إرباً إرباً.’
ومع ذلك، أثبت السيد تشينغ مينغ أنه يستحق مكانته كزعيم للطائفة؛ إذ جلس بهدوء وسكينة تامة داخل مركبة تبدو كفوهة بركان على وشك الانفجار، دون أن يطرف له جفن، مما أثار إعجاب لي شون واحترامه.
ولأنه أدرك مكمن الخلل، لم يجرؤ لي شون على التهاون؛ فقد فات أوان إعادة ضبط التشكيل بأكمله، ولم يكن من الحكمة تبديد هذا التراكم الهائل من التشي. فسارع إلى رسم بضعة مسارات مؤقتة لتصريف الفائض وتوجيهه، صانعاً حاجزاً فرعياً مستقلاً يحيط بالمركز؛ وبوجود تشينغ مينغ المشرف من الداخل، ستتماسك قوة التشكيل دون أدنى خطر.
وما إن أتم لي شون خطوته الأخيرة، حتى انبعث صوت هادئ من داخل الهودج؛ كان صوت تشينغ مينغ، يتحدث بلطف غير متوقع: “لو استخدمت تقنية ‘اليد المرتجفة’ في رسم نمط التقييد الرابع عشر، لكان الأثر أفضل بكثير.”
تجمد لي شون في مكانه، ورفع عينيه محدقاً في نمط التقييد الذي يحفظه عن ظهر قلب، وغرق في التفكير لبرهة:
“‘اليد المرتجفة’؟ هنا في هذا الموضع؟” تمتم بذهول: “نعم… بإضافتها، ستتبدل حتى أدق تفاصيل النمط؛ وحين يتدفق التشي البدائي… سينضغط قليلاً قبل أن ينطلق، مما يمنحه قوة انفجارية تضاعف من بأسه؛ كيف غاب هذا عن بالي؟”
تحدث بشرود، وامتدت يده بحماس رغبة في تجربة الفكرة فوراً.
لكن ما إن لامست أصابعه حافة التشكيل، حتى سرت قشعريرة باردة في قلبه:
“لا… هذا غير صحيح! إن استخدمت ‘اليد المرتجفة’ دون موازنتها بشيء آخر، فستصبح نهاية التقييد شديدة الاضطراب؛ فكيف سيصمد التشكيل؟ مهلاً… هل عُدِّل الترتيب؟ مستحيل… مع تدفق التشي بهذا الشكل، كيف يحافظ البناء على تماسكه؟ هذا يعني… إن استُخدمت ‘اليد المرتجفة’ في هذا النمط، فالنمط الذي يليه يجب أن يتغير حتماً؛ لكن كيف يتغير؟”
كيف يتغير؟
أخذت هذه الفكرة الجديدة تعصر دماغه وتصيبه بصداع حاد.
طالما وثق لي شون بمهارته في فنون التقييد، ومنذ أن نجح في كسر تشكيل خائن طائفة الدورة الغامضة قبل عامين، تعززت ثقته بنفسه؛ فكان يرى أنه حتى لو واجه معضلات لم يحلها بعد، فإن قدرته على التحليل والتفكيك ستقوده إلى الجواب عاجلاً أم آجلاً.
لكن الآن، فتحت ملاحظة عابرة من تشينغ مينغ أمامه عالماً جديداً كلياً أصابه بالفزع والذهول.
فـ “اليد المرتجفة” ليست سوى تقنية يدوية بدائية، تُستخدم عادة في القتال المباشر للهجوم والدفاع عن النفس، ولا علاقة لها بصناعة التشكيلات ونقوش التقييد.
هذا على الأقل ما كان يظنه دائماً؛ فلم يخطر بباله قط دمجها في فنون الأختام. أما الآن، فقد اختلف الأمر تماماً.
لقد خطا إلى آفاق لم يطرق بابها من قبل.
فبالنسبة له، كان الغرض الأساسي من خطوط التقييد هو تنظيم مسار آليات التشي وتوجيهها بسلاسة، وقوة التشكيل تنبع من تناغم هذه المسارات مع بعضها.
أما الآن، فإن “اليد المرتجفة” تُحدث تبدلات خفية في بنية المسارات نفسها؛ وحين تنتقل هذه التغيرات عبر التشكيل كله، تتضاعف تنويعاته وتفريعاته لأكثر من مئة ضعف!
تلك التلميحات البسيطة التي ألقاها تشينغ مينغ رفعت الستار قليلاً لتمنحه نظرة خاطفة على هذا العالم المجهول؛ وكان ما رآه مبهراً، غير أن الأسرار العميقة ظلت غائمة وبعيدة عن إدراكه.
وذلك الإحساس بالوقوف على عتبة الباب دون القدرة على الدخول كان عذاباً حقيقياً، ولعله أقسى أنواع العذاب لمن يطلب المعرفة.
وبينما كاد الإحباط والضيق يفقدانه صوابه، عاد صوت تشينغ مينغ يرن من جديد:
“هذه هي ‘يد الدورة الغامضة البارعة’، التقنية الفريدة التي لا تضاهى لطائفة الدورة الغامضة؛ وبفضلها تربعوا على عرش فنون الأختام والتشكيلات لعشرات الآلاف من السنين.”
سكت لبرهة، ثم أضاف: “وأن تدرك براعة هذه التقنية وسرها… فهذا أمر يحسب لك.”
“‘يد الدورة الغامضة البارعة’…” كرر لي شون الاسم بصوت خافت، وقلبه يفيض بالانبهار والحسرة معاً.
فأي تقنية تحمل اسم طائفتها تكون حتماً درة التاج وأعظم أسرارها؛ ومن هذا وحده يمكن تخيل مدى إعجاز هذه المهارة.
وسافرت أفكاره إلى ما حدث قبل عامين على جبل تشيتشنغ، حين سلّم بيده ذلك الكتيب الذي يحوي مذكرات تلميذ طائفة الدورة الغامضة؛ وحين تذكر التقنيات العظيمة التي ربما كانت مدونة في تلك الصفحات، اعتصرت بطنه مرارة كمن ابتلع ذبابة!
وبطبيعة الحال، لم يكن لدى تشينغ مينغ أدنى فكرة عما يدور في خلد الفتى، فاستطرد قائلاً:
“وليست ‘يد الدورة الغامضة البارعة’ هي الفن الإعجازي الوحيد في هذا المضمار؛ فـ ‘قانون تحول النجوم’ الخاص بطائفة سيف النجوم، و’سوترا الكلمة الصامتة’ لطائفة الصمت، كلاهما تحفتان لا نظير لهما في مسار التشكيلات والأختام. لكن للأسف، أنت تنتمي لطائفة أخرى، ورغم موهبتك الفذة، لن يتسنى لك الاطلاع عليهما؛ وهذا حقاً مدعاة للأسى.”
رد لي شون بتواضع: “فن التشكيلات بحر لا ساحل له؛ ولا أجرؤ على الغرور، لكنني لا أستصغر نفسي أيضاً. لا يزال العمر أمامي، وبوجود معلم حكيم يرشدني، لا أرى سبباً يمنعني من إدراك أسراره العميقة يوماً ما.”
لم يجبه تشينغ مينغ فوراً؛ بل صمت قليلاً، ثم قال بتمهل: “هذا عزم طيب وموقف يُحمد لك؛ فحين كان معلمك في مثل سنك، لم يكن يملك هذا القدر من الثقة.”
وعندها فقط تذكر لي شون: تشينغ مينغ ليس معلم معلمه فحسب، بل هو معلمه الأكبر؛ وفي الطائفة بأسرها، لي شون هو الوحيد الذي يُعد سليل نسبه المباشر في هذا الفرع من التعاليم.
ولا عجب أن كلماته كانت تنضح بكل ذلك الدفء؛ فقد كان يخاطبه كجد يوجه حفيد تلميذه.
عجز لي شون عن وصف مشاعره في تلك اللحظة، لكنه أدرك ما يقتضيه الموقف منه؛
فأطرق برأسه، واحمرت عيناه بدموع متكلفة.
ومن داخل الهودج، أطلق تشينغ مينغ تنهيدة أسى رقيقة، ولم يزد بعدها حرفاً.