الفصل 112
الفصل 112
مر الوقت سريعاً. كان لي شون ينزل كل يوم بقطعتين من حجر الطبقات التسع إلى أسفل الجبل، ومضى أكثر من شهر دون أن يشعر. وبحلول هذا الوقت، كان قد نقل معظم الأحجار المتراكمة في القمة، وأوشكت فترة عقوبته على الانتهاء. وخلال هذه الفترة، استغل نصيحة مينغ جي ليعيد بناء علاقاته مع كثير من تلاميذ الطائفة.
وكان الفضل الأكبر في سلاسة عودته يعود إلى براعته في اختيار القناع المناسب؛ إذ تقمص دور الشاب الهادئ الكتوم، المثقل بذنب خطأ قديم، وهو مظهر يثير في نفوس الآخرين العطف والرغبة في الحماية تلقائياً.
وكانت مينغ جي محقة؛ فمعظم من في الجبل لم ينظروا إليه بدونية بسبب ما جرى على قمة تياندو، بل على العكس، حاولوا مساعدته لتجاوز آثار تلك الحادثة.
وكان هذا نقيضاً تاماً لأسلوب طائفة روح التهام الظل، حيث يُركل الساقط وتُستغل عثرات الضعفاء بلا رحمة. هذا التناقض الصارخ هز حتى شخصاً سميك الجلد مثل لي شون، وجعل مشاعره مضطربة ومختلطة.
انتصف الليل. وبعد أن أودع القطعة التاسعة والسبعين من حجر الطبقات التسع في الخزينة السرية للطائفة، انطلق بسيفه مباشرة نحو قمة تشي غوان.
وكان هذا أيضاً دليلاً على رعاية الطائفة له؛ فتعاطفاً مع معاناته وفقده المبكر لمعلمه، سمحوا له بالإقامة في المنزل الذي كان يخص لين غي. وفي الوقت الراهن، لم يكن يُسمح لأحد من تلاميذ الجيل الثالث بالعيش فوق قمة تشي غوان سوى لي شون، ولين غي سابقاً، وتشي بي وزوجها.
كان الوقت أواخر الصيف، وقمة تشي غوان تعلو بقية القمم، فقلّت فيها الطيور والحشرات وسادها سكون مطبق. وبينما كان لي شون يشق ذلك الهدوء بسيفه، كبح ضوء نصله وهالته تلقائياً، لينساب في السماء كالظل.
ومع اقترابه من القمة وإبطائه للسرعة، انحدر خيط من ضوء سيف من الأعلى كقطعة حرير خاطفة؛ سريعاً وبلا أدنى صوت، كالبرق الخاطف في عتمة الليل، أضاء ثم اختفى في لمحة.
وعلى ضوء ذلك السيف، التقت عينا لي شون بالقادم، وتجمد كلاهما للحظة.
“الأخ الأكبر ون هاي.” تدارك لي شون نفسه أولاً، وتوقف في الهواء وضاماً كفيه بالتحية.
لم يكن القادم سوى الأخ الأكبر ون هاي، أشهر وأبرز تلاميذ الجيل الثالث في طائفة سيف مينغشين؛ تدريبه عميق وذهنه متقد، وهو الوحيد بين أبناء جيله الذي يملك الأهلية للمشاركة في التخطيط ورسم استراتيجيات الطائفة العليا.
ومن الطبيعي أن يتعامل لي شون مع شخص بمكانته بأقصى درجات الحذر.
“إنه أنت، أخي الأصغر شون.” رد ون هاي التحية بأدب.
كان وسيماً على نحو لافت، ولم يكن غريباً أن تقع تشي بي في حبه؛ لكن ملامحه كانت حادة وصارمة، وعيناه كنجمين باردين تشعان بعزيمة لا تلين.
وحين ابتسم، لانت تلك القسوة في وجهه قليلاً: “لقد بذلت جهداً كبيراً يا أخي الأصغر. الوقت متأخر ولن أعطلك؛ لنتجاذب أطراف الحديث في يوم آخر حين يتسع وقتنا.”
تحدث بأدب صادق دون أي تعالٍ قد يُتوقع من صاحب منزلته. ولاحظ لي شون العجلة في تصرفاته، بل ولمح ومضة اضطراب في عينيه؛ فاكتفى بالابتسام والإيماء، مراقباً ون هاي وهو يبتعد.
لكن ما كاد ون هاي يختفي حتى ارتفع ضوء سيف آخر في الأفق؛ بلون ذهبي باهت كُبح ضوؤه عمداً، غير أن ضعف تحكم صاحبه جعل النور يرتعش باضطراب.
كان لي شون يعرف صاحب ذلك السيف جيداً.
قطب حاجبيه متردداً في تفاديه، لكن ضوء السيف اندفع نحوه مباشرة:
“شون! أخي الأصغر شون! أحتاج مساعدتك في أمر عاجل…”
لم يكن القادم سوى شان تشي، أكثر شخص يجده لي شون مزعجاً.
كان شان تشي مجرد خادم يرافقه في الماضي، لكنه صار الآن زميلاً في الطائفة. وبعد سنوات من مخالطة الكبار وتلقي التعاليم ليل نهار، تحسن تدريبه كثيراً؛ لكنه الآن كان شاحباً ومشتت النظرات، كمن ارتكب مصيبة كارثية.
ومنذ أن سبقه بالانضمام إلى الطائفة، ظل شان تشي يحمل شعوراً بالتفوق ويتحدث مع لي شون بفوقية الأخ الأكبر؛ ورؤيته الآن مرتعداً وفاقداً لصوابه كانت أمراً جديداً أثار فضول لي شون.
اندفع شان تشي وأمسك بذراع لي شون، صائحاً بلهفة: “أخي الأصغر شون، أنقذني!”
باغت الموقف لي شون فلم يجد وقتاً ليسأل، قبل أن يسترسل شان تشي بكلام متلاحق مذعور: “إذا سأل أحد عني لاحقاً، قل فقط إنني كنت معك طوال الليلة نتناقش حول أصول التدريب وقواعد الداو، حسناً؟”
حدق لي شون فيه بذهول، ثم ابتسم بقلة حيلة بعد صمت قصير: “ألا تدرك أنني نزلت للتو من قمة تشووانغ الليلة؟ ذهبت إلى الخزينة السرية وتحدثت مع السيد الخالد مينغ دي المناوب هناك، وقابلت الأخ الأكبر ون هاي قبل لحظات… وجهك شاحب كالموت، هل أنت مريض؟”
كان وجه شان تشي خالياً من الدماء تماماً؛ وحين سأله لي شون، تلعثم طويلاً وعجز عن إخراج كلمة واحدة، ثم صك أسنانه واستدار ليهرب.
لكن ما إن تحرك حتى أمسك لي شون بذراعه بحزم:
“أخي الأكبر شان تشي، إن كنت تثق بي، فأخبرني بما حدث. طالما أنك لم ترتكب جرماً لا يُغتفر، فقد أستطيع مساعدتك في تسوية الأمر.”
كانت كلماته تبدو مطمئنة وموزونة، لكن عينيه كانتا تراقبان كل تبدل في ملامح شان تشي بدقة.
ظهر الانزعاج على وجه شان تشي، ثم تردد، ولمعت بارقة أمل باهتة؛ لكن الغلبة كانت للذعر والارتباك، وكان واضحاً أن كلام لي شون لم يهدئ من روعه كثيراً.
يبدو أن ما ارتكبه هذه المرة ليس بالأمر الهين. دارت الأفكار في رأس لي شون، وربط الموقف بخروج ون هاي المستعجل قبل قليل، وفجأة لمعت الحقيقة في ذهنه وتغيرت ملامحه:
“لقد تعرضت للأخت الكبرى تشي بي، أليس كذلك؟”
لم يكن بحاجة لسماع إجابة؛ فوجه شان تشي الرمادي البائس كان كافياً لتأكيد كل شيء. وبدأت خطة تتبلور في عقل لي شون؛ فجذب ذراع شان تشي بقوة وقال بصوت خافت وحازم: “تعال معي.”
كان شان تشي منهاراً تماماً، ولم يملك القوة أو التماسك للمقاومة، فسحبه لي شون إلى مقر سكنه الصغير.
أغلق لي شون الباب خلفهما، وبدت ملامحه صارمة، لكنه تعمد إبقاء صوته منخفضاً ليوحي بأنه لا يزال مستعداً للمساعدة:
“تكلم، ماذا حدث بالضبط؟”
فهم شان تشي مقصده، لكن شفتيه كانتا بيضاوين كأنه على وشك الإغماء، وظل مطرقاً رأسه في صمت ثقيل.
لم يجد لي شون مفراً من التخمين، وقد عزم على استدراج الحقيقة، فافترض أسوأ الاحتمالات مباشرة:
“لا تقل لي… أنك تجرأت واعتديت على الأخت الكبرى تشي بي؟”
“لم أفعل!” قفز شان تشي في مكانه مرتعباً، وارتفع صوته حاداً. لكن حين رمقه لي شون بنظرة قاطعة، انكمش على الفور وتمتم ورأسه منكس: “أقسم أنني لم أفعل! أنا فقط… فقط… اختلست النظر…”
إذن هذا كل ما في الأمر!
اتضحت الصورة كاملة أمامه؛ استسلم هذا الفتى النصف ناضج لمشاعره المريضة وأوهامه تجاه تشي بي، فاستغل معرفته بجدولها ليتسلل إلى موضع استحمامها متلصصاً.
لكن أنفاسه كانت عالية فلاحظت وجوده.
ولولا أنها كانت في وضع لا يسمح لها بمطاردته، وتحت وطأة الصدمة والخجل والغضب، لكان شان تشي الآن مقيداً يركع أمام شيوخ الطائفة.
‘إذن لهذا السبب كان ون هاي منطلقاً بتلك العجلة؟’ نظر لي شون إلى وجه شان تشي المذعور والعاجز، وكاد يبتسم بسخرية؛ لكنه أدرك أن هذا ليس وقت الضحك.
دارت الحسابات في عقله بسرعة وبرزت فكرة جديدة. ودون أن ينطق بحرف، زم شفتيه… وسدد صفعة مدوية إلى وجه شان تشي أطاحت به أرضاً على حين غرة.
ولم يتوقف عند ذلك؛ بل جذبه من ياقته بعنف ورفعه ليرطمه بالجدار:
“شان تشي!” دمدم بصوت غاضب من بين أسنانه: “أنت مثير للاشمئزاز حقاً!”
كان شان تشي غارقاً في الخوف والشعور بالذنب، وجاء غضب لي شون ليزيده رعباً على رعب؛ والمصيبة أنه لم يجد كلمة واحدة يدافع بها عن نفسه لأن لي شون كان محقاً تماماً.
تخبط بضعف، واغرورقت عيناه بالدموع: “شون! أخي الأصغر شون! يا سمو الأمير! بحق أيامنا الخوالي، لا تفعل بي هذا… أرجوك، اتركني، دعني أذهب فقط…”
أخذ لي شون نفساً طويلاً كأنه يكبح غيظاً عارماً، ثم أفلت قبضته أخيراً.
بدا شان تشي وكأنه نجا من حبل المشنقة، وهمّ بالابتعاد زاحفاً، لكن لي شون دفعه بيده نحو الجدار ثانية ليثبته مكانه.
زفر لي شون ببطء وقال بنبرة ثقيلة ومحذرة: “هل تفهم حجم الكارثة التي صنعتها بيدك؟ إنها زميلتك، وأختك الكبرى، ولها زوج… الأخ الأكبر ون هاي بالذات! ألديك أدنى فكرة عن الخط الأحمر الذي تجاوزته؟”
“أنا… لم أكن في وعيي! أقسم أنني فقدت صوابي للحظة!” تلعثم شان تشي، دون أن يدري أن لي شون كان يدمج في كلامه تقنية ذهنية خفيفة لتشتيت تفكيره. شعر برأسه يثقل وعقله يغرق في الفوضى، وبات عاجزاً عن التفكير السليم، لتتحول كلماته إلى هراء متقطع: “لم أعد أعرف ما حدث… كانت مجرد نزوة عابرة… لم أستطع تمالك نفسي… وحدث ما حدث…”
“نزوة عابرة واحدة كفيلة بتدميرك إلى الأبد!”
ضغط لي شون على أسنانه لتخرج كلماته حادة وباردة كالشفرة: “لو فُضح هذا الأمر، فأول من يقطع عنقك هو الأخ الأكبر ون هاي. أتظن أن سيد الطائفة أو الشيخ مينغ سونغ سيتغاضيان عن ذلك؟ سيحطمون تدريبك، ويمسحون ذاكرتك، ويلقون بك في عالم الفانين لتعود خادماً ذليلاً تُداس بالأقدام… هذا إن حالفك الحظ ونجوت بروحك!”
“لا أريد ذلك! مستحيل!” صرخ شان تشي بانهيار تام، وأخذ يتخبط بجنون حتى كاد يفلت من يد لي شون.
ومض بريق بارد في عيني لي شون، ودون أدنى تردد، سدد لكمة قوية إلى أسفل بطن شان تشي. تهاوى الأخير على الأرض منكمشاً كالروبيان، يلهث ويتقيأ من شدة الألم.
“استفق واضبط نفسك! تصرفاتك الهستيرية هذه ستلفت أنظار الجميع، أم أنك تريد للطائفة كلها أن تعرف ما فعلته؟”
انخفضت نبرة لي شون أكثر، ليوصل رسالة واضحة إلى عقل شان تشي: أنا الآن الوحيد الذي يقف في صفك.
وأتت الخدعة أكلها؛ فبدلاً من أن يغضب شان تشي، تشبث بـ لي شون كغريق يتعلق بقشة نجاة، متناسياً الضرب والإهانة بالكامل:
“أخي الأصغر شون… يا أميري الشاب، يجب أن تنقذني! أعلم أنك لست من يتخلى عن أصحابه. إن ساعدتني هذه المرة، أقسم أن أكون لك خادماً مطيعاً…”
“اصمت.”
وعود هذا الفتى بأن يصير له كالعبد في هذه اللحظة لا قيمة لها، بل قد تنقلب لاحقاً إلى حقد وتمرد يجر المتاعب؛ ولي شون لم يكن يبحث عن خادم أعمى، بل كان يريده أن يسير في المسار الذي يخطه له بدقة.
“انهض،” تبدلت نبرة لي شون فجأة من الغضب إلى الهدوء والود: “يا أخي الأكبر، نعرف بعضنا منذ زمن أطول من أي شخص آخر فوق هذا الجبل؛ إن لم أمد لك يدي، فمن سيفعل؟ لكن اسمعني جيداً: أي شخص يراك بهذه الحالة سيعرف فوراً أنك تخفي مصيبة. إن أردت طمس الأمر، فعليك أن تستجمع شتات نفسك الآن. تنفس معي بهدوء… واسترخِ… شهيق… زفير…”
تحول شان تشي في تلك اللحظة إلى دمية يسيرها لي شون؛ شهيق؟ فيستنشق الهواء، زفير؟ فيطلقه ببطء. وبعد بضع جولات، بدأ تنفسه ينتظم، لكن بريق عينيه بدأ يبهت ويزداد شروداً.
عندها فقط اقترب لي شون وهمس في أذنه بنعومة:
“أخي الأكبر شان، ألم نتفق الليلة على اللقاء هنا لنتناقش حول أصول التدريب؟ وألم تكن تنتظرني في الخارج لبعض الوقت؟ وألم ترني أيضاً وأنا أتحدث مع الأخ الأكبر ون هاي؟ أليس هذا ما حدث؟”
التمع بريق مفاجئ في عيني شان تشي: “نعم! صحيح، هذا ما حدث تماماً! جئت لأناقشك في تقنيات التدريب، وانتظرتك بالخارج، ورأيتك تتحدث مع الأخ الأكبر ون هاي!”
كرر العبارة ثلاث مرات متتالية، بصوت يعلو ويزداد حماساً في كل مرة، حتى انفجر بضحكة راحة في النهاية.
لم يوقفه لي شون، واكتفى بابتسامة خافتة ترتسم على وجهه.
وحين رأى أن التأثير الذهني قد استقر تماماً، ربت بخفة على كتف شان تشي: “حسناً إذن يا أخي الأكبر شان، فلنبدأ نقاشنا حول التدريب؛ الليل طويل، وعليك أن تظل متيقظاً.”
أومأ شان تشي برأسه بلهفة وامتنان جلي يملأ وجهه، وهو ينظر إلى لي شون كمنقذه الوحيد؛ دون أن يدرك أن الأخير كان يسخر منه في باطنه.
لقد غُرست بذرة “ضوء الشبح الهادي” في قلبه بنجاح، وستكون أيامه القادمة مثيرة للاهتمام حقاً.
وبحصوله على ورقة لعب خفية جديدة، كان لي شون في مزاج ممتاز، وقاد شان تشي إلى القاعة الرئيسية بابتسامة دافئة.
والحقيقة أنه لم يخطط لهذا الموقف مسبقاً، بل استغل الفرصة التي لاحت أمامه بحنكة. فحياته في طائفة سيف مينغشين كانت تسير بسلاسة، ولم يكن ينوي إثارة المشاكل عبثاً؛ لكن شان تشي ألقى بنفسه في شراكه، فمن يلوم غير نفسه؟
وأما عن قطعة الشطرنج هذه التي صنعها لتوه… فطالما أنه لا يزال حياً، فسيأتي وقت لاستخدامها بلا شك.
في صباح اليوم التالي، لم تظهر أي علامة للتوتر أو الفوضى في أرجاء الطائفة، ولم تكن هناك أي عاصفة تلوح في الأفق؛ ولم يتفاجأ لي شون بذلك على الإطلاق.
ففرار شان تشي المذعور بالأمس كان في الأغلب مجرد رعب مبالغ فيه من نسج خياله؛ فكل شيء حدث بسرعة، وعلى الأرجح أن تشي بي لم تميز ملامحه أصلاً في العتمة.
وفوق ذلك، فهذه مسألة شخصية وحساسة للغاية؛ فهل يُعقل أن يقف ون هاي أمام شيوخ الطائفة ليطالب بتحقيق رسمي قائلاً: “فلنبحث عمن اختلس نظرة إلى جسد زوجتي ليلة أمس”؟ هذا مستحيل الحدوث.
كان لي شون يعرف متى يتوارى عن الأنظار بحذر؛ لذا لزم غرفته على قمة تشي غوان طوال الصباح متظاهراً بالانعزال، وما إن مالت الشمس عن كبد السماء، حتى توجه بسيفه مباشرة نحو قمة تشووانغ.