الفصل 134 - قوقعة البندق
الفصل 134 – قوقعة البندق
..
“هذه إذًا معارك الرتبة الرابعة؟!” صرخ أحد الجماهير بتعجب، فيما قال آخر: “إنهما وحشان بحق!”
“متى تنتهي طاقتهم؟” تساءل آخر.
“أعتقد أنها النهاية.. لقد استمرا في القتال طويلًا.”
“اصمت أيها الأحمق.. ألا ترى أنهما سريعان جدًا؟ كيف تنتهي قوتهما بسرعة وهما بهذه السرعة؟!”
كانت أصوات ونقاشات الجماهير حادة ومتوترة.. بعضهم كان يريد القتال.. والآخر كان يرد بذات الرغبة. لكن مراقبي المدرجات كانوا حاضرين لقمع أي شعلة قتال.
من جهة أخرى.. كانت مدرجات الرتب الرابعة والثالثة أكثر اتزانًا وتركيزًا. النقاشات كانت قليلة ومشتتة.. لم يكن لأي أحد أن يشارك معلومة مفيدة.. أو نقطة حاسمة.. لمنع أي استفادة لسيد آخر منها.
في أحد الأماكن.. كان يجلس سيد الثلج ذو العيون البيضاء.. عيناه تضيقان بتركيز.
فجأة.. جلس قربه ثلاثة سادة.
“سيد الثلج.. يا لها من صدفة أن نجلس سويًا.”
قال سيد البرق الأسود ثم جلس وجلس بقربه كل من عصفورة الغابة وسيد العيون القاتلة.
“السيد الذي لا يهتم بالقتالات.. لِمَ أنت هنا؟”
التفت سيد الثلج نحو سيد البرق الأسود.
ضحك سيد البرق وأجاب: “لا أحبها.. لا يعني أنني لا أحب مشاهدتها.”
“أنتِ كذلك لن تشاركي إذًا.. السيدة عصفورة الغابة.”
التفت سيد الثلج نحو السيدة الجميلة بابتسامتها البراقة.
“كلا، لن أفعل.”
قالت بابتسامة آسرة.
“دعكما من ذلك.. انظرا.”
شخر سيد العيون القاتلة.. عيناه كانتا تتجهان نحو الحلبة. لم تعد المعركة أمامهم معركة تبادل ضربات بعيدة.. سيد القناع العاجي اتجه من السماء نحو خصمه الثابت. سرعته كانت كبيرة.. وحركاته مصقولة.. تبادل مئات الضربات.. وأطاح بأكثر من ألف سوط قوي بسيفه المكوّن من الشفرات.
في المقابل.. حتى مئات السياط التي بالكاد تُرى من سرعتها.. لم تستطع إصابته.
“الكل صامت..” همس سيد البرق. “لا أحد يريد أن يقدم تفسيرًا.. لهذا سأقولها أنا.”
صمت لوهلة.. انتبه الثلاثة له. ثم أضاف: “هل تلك الرياح سلاح؟ أم خاصية؟”
“لا أعلم.”
أجابت الفتاة سريعًا، وما زالت مبتسمة.. فيما ركز كل من السيدين الآخرين بشكل أكبر.
همس سيد العيون القاتلة: “إن كان سلاحًا.. فكيف يملك كل تلك التشكيلات؟ حتى الأسلحة العريقة لا تملك أشكالًا بهذه الكثرة.”
“معك حق..” سارعت الفتاة بالقول. “لقد استخدم حتى اللحظة كم؟.. خمس أو ستة أشكال.”
“خمس؟ أعتقد أنها أربعة.”
قال سيد العيون.
“كلا.”
همس سيد الثلج ودخل النقاش أخيرًا.
“لقد استخدم شكل النجوم.. الدوائر الطبيعية.. المستطيلة.. شكل السيف.. وأيضًا.. تلك التي كانت تحمله في السماء.”
“معك حق.”
أجابت الفتاة.
“كلا.”
همس سيد البرق ضاحكًا.
“ماذا عن تلك المراوح؟ أليست شكلًا سادسًا؟”
حل الصمت للحظة.. أعين الجميع عادت نحو الحلبة.
هناك.. كان سيد القناع العاجي يهبط بسرعة خاطفة.. سيف الريح الطويل يدور بيده.. ويقسم السياط العشبية الواحدة تلو الأخرى.. فيما كانت الرياح تدور حوله كإعصار حي.
“لا.. الأمر ليس مجرد تعدد أشكال.”
همس سيد الثلج أخيرًا.
أضاق الثلاثة أعينهم نحوه.. ثم أكمل: “تلك الرياح.. تتفاعل مع المعركة.”
“ماذا تعني؟”
سأل سيد العيون القاتلة.
رفع سيد الثلج يده ببطء.. وأشار نحو الحلبة. كانت هنالك أعداد جديدة من الشفرات.
“انظروا جيدًا.. كل شكل يستخدمه.. يولّد وظيفة مختلفة.”
“المراوح للضغط والتحكم بالمجال.. السيف للاختراق.. الدوائر للدوران والتدمير.. النجوم لتغيير المسارات.”
توقف للحظة.. ثم همس: “إنه لا يملك سلاحًا فقط.. بل أسلوب قتال كامل مبني على الرياح.”
اتسعت ابتسامة سيد البرق الأسود.
“مرعب.”
قالها ببساطة.
أما عصفورة الغابة.. فقد بدأت تنظر للحلبة باهتمام مختلف.
“هذا السيد..” همست. “ليس من النوع الذي يظهر فجأة ثم يختفي.”
في الحلبة.. دوى انفجار جديد.
بووووووم!
تراجعت عشرات السياط.. فيما اندفع سيد القناع العاجي مباشرة نحو خصمه. ولأول مرة منذ بداية المعركة.. بدأ سيد الدمى العشبية يتراجع للخلف.
“أيعقل؟” همس سيد العيون القاتلة. “إنه يملك أكثر من سلاح؟”
“مستحيل.” أجاب سيد الثلج. “ولكن..”
خفض صوته.. ثم أضاف: “ربما.. سلاح وخاصية كلاهما من الرياح؟”
“هكذا إذًا..” همست عصفورة الغابة.
“مرعب.” أجاب سيد البرق مجددًا بابتسامة. “سلاح وخاصية من ذات النوع.. إنه محظوظ.”
نظر نحو الحلبة.
سيد الدمى العشبية.. تراجع عدة خطوات. الضغط أصبح أشد وطأة عليه. سياطه القوية كانت تقطع كل الشفرات المستقلة.. وفي أسوأ الأحوال.. كانت المواجهة تنتهي بتدمير السوط والشفرة معًا.
لكن مشكلته الحقيقية.. كانت في هبوط السيد الآخر. ذلك السيف الذي يحمله.. لم يستطع أي سوط أن يقف في وجهه. ومع دعم الرياح له وسرعته الكبيرة.. كانت السياط تتساقط بوتيرة أكبر بكثير مما تفعل الشفرات.
بعد العديد من الجولات.. كان سيد الدمى بلا حماية من أي سوط.
رفس سيد القناع الأرض.. واندفع كالسهم.. يمسك بيمينه سلاحه القوي. وزمجرة الشفرات التي كوّنت السيف كانت هائلة.
سووووووش!
اخترق الهواء بعنف.
في المدرجات.. اتسعت أعين السادة.
“إنه ينهي المباراة.”
همست عصفورة الغابة.
سيد الدمى العشبية.. لم يتحرك. وقف مكانه.. وعيناه الهادئتان تتابعان خصمه القادم.
خمسون مترًا.
ثلاثون.
عشرة.
وفي اللحظة التي أصبح فيها السيف على بعد أمتار قليلة من عنقه.. فجأة.. ابتسم سيد الدمى العشبية.
“هاه؟”
همس سيد البرق الأسود.
ثم..
بووووووووم!
فجأة.. تشققت الأرض تحت سيد الدمى العشبية. ليس انفجارًا عاديًا.. بل.. انشقاق هائل. التراب والعشب تطايرا بعنف.. وفي اللحظة التالية.. خرج من باطن الأرض شيء ضخم.
قوقعة عشبية هائلة.. أشبه ببندقة عملاقة مغلقة. التفّت حول سيد الدمى العشبية بالكامل.. وأحاطت به من كل الجهات.
اتسعت أعين سيد القناع العاجي.. لكن سرعته.. لم تتوقف.
سووووووش!
اندفع سيف الرياح بكل قوته.. وزمجرة الشفرات التي كوّنته كانت تصرخ بعنف.
ثم..
بووووووووم!!
اصطدم السيف بالقوقعة البندقية. توقفت حركة سيد القناع بالكامل.. الصوت وحده كان كافيًا لجعل الحلبة تهتز. الرياح انفجرت.. والأرض تصدعت تحت قدميه.
لكن.. القوقعة لم تتحطم.. ولا حتى.. تشققت.
“ما هذه الصلابة؟”
همس أحد السادة بذهول.
أما سيد القناع.. فقد أضاق عينيه. شعر بارتداد هائل يصعد عبر ذراعه. ولم يكد يستوعب قوة تلك القوقعة.. حتى..
بووووووووووم!!
انفجرت الأرض مجددًا. هذه المرة.. من كل أنحاء الحلبة.
أكثر من ألفي سوط أخضر اندفعت دفعة واحدة. لم تكن رفيعة كسابقاتها.. بل.. سميكة.. طويلة.. ومليئة بعروق خشبية نابضة.
اتجهت كلها نحو سيد القناع العاجي.. وفي لحظة.. أحاطت به من كل الجهات. لكن.. لم تهاجم.. بل ترابطت مع بعضها كالجذور. تشابكت.. تداخلت.. ثم بدأت تلتف دائريًا حوله.. طبقة فوق أخرى.. حتى.. تكوّن سجن دائري هائل.
الجماهير.. السادة.. الجميع.. لم يعد يرى أي شيء. فقط.. كرة عشبية ضخمة مغلقة بالكامل.
الرياح في الخارج بدأت تهدأ.. أما في الداخل.. فكان الظلام يخيم. هواء ثقيل.. ورائحة عشبية خانقة.
وقف سيد القناع بثبات.. لم يتحرك.. عيناه تتجولان داخل السجن المغلق. خلفه.. جدار عشبي سميك.. وأمامه.. الجذور المتشابكة تتحرك ببطء.. وكأنها كائن حي يتنفس.
وفي الجهة المقابلة.. بقي سيد الدمى العشبية واقفًا.. محميًا داخل البندقة القوية. هادئًا.. صامتًا.. بينما انعكس صوته أخيرًا داخل الظلام:
“الآن.”
“لم يعد هناك مهرب.”
صدح صوت سيد الدمى بعنف في السجن العشبي.
.
.
“كما توقعت.”
همست.
“لم تكن تلك قوة سيد رتبة رابعة كاملة.. الآن.. بدأ يُظهر قوته..”
مددت يساري.. من العدم.. ظهر صندوق صغير. انفتح الصندوق فجأة.. ومن داخله قفز إلى الخارج قفص حديدي بطول مترين وعرض مترين.
صوت الزيز ملأ المساحة. فُتح القفص.. وعشرات آلاف حشرات الزيز اندفعت منه. ثم.. انبعث الضوء من ظهر كل حشرة.. أصفر.. هادئ.. كفوانيس صغيرة وسط الظلام.
اندفعت الحشرات نحو أطراف السجن الشجري. التصق العديد منها بالجذور.. والعديد الآخر طار في السماء كمصابيح متفرقة.
“لننر المساحة أولًا.”
همست.
“لا أحب أن أقاتل في الظلام.”
التفت يمينًا ويسارًا.
فجأة.. أصابني شعور بالدوار لوهلة.
“ما هذا؟”
شخرت.
أغمضت عيني.. ثم..
“أنت.”
أضقت عيني نحو القوقعة.
“تستعمل السجن لسحب تراكمي؟”
لم يكن هناك جواب.. فيما كان الاستنزاف قد بدأ بالفعل. بطيئًا.. ولكن بثبات.
عشرات الشفرات.. كوّنتها سريعًا.
سووووش!
اندفعت نحو جدار السجن.. لكن.. لم يكن هناك أي ضرر. بدا عصيًا بالفعل.
اندفعت بنفسي.. ضربت.. تشققت الجذور.. ثم.. اندفعت جذور أخرى بسرعة.. واندَمَجت مكانها.
“هل كانت هذه السياط ضعيفة أمام سيفي عن قصد؟”
همست.
تحركت عدة خطوات.
“هل كنت تستدرجني إلى هنا منذ البداية؟”
لا إجابة.
حسنًا.. إن لم يجب..
“بما أننا بمفردنا هنا.. بعيدًا عن أعين الجميع.. لا بأس من تجربة معينة.”
أغمضت عيني.. ومددت يدي.. ثم ظهرت مئات الشفرات. ارتبطت مع بعضها البعض.. حتى تحولت إلى سيف مشابه للذي بيدي.. لكن بحجم أكبر.
“لا تقلق.”
قلت.
“لن أهاجمك به.”
ثم.. أخرجت العشرات الأخرى. في بضع لحظات.. كان أمامي عشرة سيوف كبيرة.
ثم..
“حان وقت اختبار قوتي العقلية.”
همست داخلي.
أعطيت الإيعاز باندماج السيوف العشرة. تقاربت من بعضها.. ثم بدأت بالالتحام. صوت قوي وهائل.. صداه ملأ المساحة المغلقة.
شعور بالضيق بدأ يصيبني.
“هيااا!”
صرخت داخلي.
الصوت بدأ يزداد أكثر وأكثر. ااااه.. ألم بسيط بدأ يتصاعد.
مددت كلتا يدي نحو السيوف العشرة.. وضغطت بقوة.
فجأة.. اندمج اثنان منها. تكوّن سيف بالحجم نفسه.. لكن بلون فضي مختلف عن الأبيض الذي على البقية.
ألم أقوى تصاعد في رأسي.
“لن أسمح له بمنعي.”
همست.
سيفان آخران اندمجا. أصابعي بدأت تهتز.. اثنان من السيوف..
فجأة..
بوووووم!
انفجرا بعنف. العديد من الشظايا اندفعت نحوي.
ااااه!
قدمي.. لقد أُصيبت بجرح.
لكن.. عيناي بقيتا مركزتين نحو الأسلحة. لا يجب أن أفقد التوازن.. ولا التركيز.
فجأة.. اندمج سيفان آخران. بعد لحظات.. اندمج آخر اثنين.
ثم.. تنهدت.
دفعت هالة أكبر.. وبدأت السيوف الأربعة الفضية بالاندماج. ألم قوي أصابني في لحظة.. ثم.. دفعت طاقة أكبر.. استمريت بالدفع.
ثم.. اندمج سيفان. ظهر سيف جديد بالحجم نفسه.. لكن لونه فضي غامق.
ركزت طاقتي مجددًا نحو السيفين الآخرين. بعد حين.. اندمجا مكوّنين سيفًا فضيًا غامقًا جديدًا.
وقف أمامي سيفان.. طاقة قوية وشديدة تنبعث منهما. بالكاد كنت أرى أصل السيفين من الشفرات.
منذ أسابيع.. حاولت أن أدمج أشكالًا وأنواعًا مختلفة. قاتلت وحوش كوارث مختلفة.. وفي النهاية.. استطعت الخروج بهذه القوة الجديدة.
“رماح الفضة القاتلة.”
همست.
تحركت.. خطوة وأخرى نحو السيد.
“أمام هذه الرماح.”
قلت.. واستمررت بالتقدم.
“لم يصمد وحش كارثة كبرى.”
كنت على بعد عدة خطوات.
“لنرَ.. إن كانت قوقعتك أشد وطأة منه.”
همست.
رفعت يدي اليسرى.. ارتفع رمح فضي معها للأعلى. ثم رفعت اليمن
ى.. ارتفع الرمح الفضي الآخر.
أرجعت يدي للخلف.
فجأة.. شعّ الرمحان بهالة مركزة وقوية. الضوء الفضي انعكس على الجدران العشبية.. وجعل الظلام يبدو ككهف مليء بالبرق.
ابتسمت.
“الآن.”
همست.
ثم.. هبطت بعنف نحو القوقعة.
سووووووووش!!
اندفع الرمحان الفضيّان كنيزكين ساقطين من السماء.
وفي اللحظة التالية.. اصطدما بالقوقعة العشبية.
بووووووووووووووووووم!!!