الفصل 132 - شفرة ريح متغيرة
الفصل 132 – شفرة ريح متغيرة
…
رفعت بصري نحو السماء.. كانت صافية.. شمس جميلة تتوسط الفراغ الأزرق، وهواء ربيعي عليل يمر فوق الساحة العشبية بهدوء غريب.. ثم أنزلت نظري نحو الأرض.. العشب الأخضر امتد بلا نهاية تقريبًا، يتحرك مع الرياح كبحر هادئ.. لا جبال.. لا جدران.. لا عوائق.. فقط ساحة مفتوحة.. وكأن العالم نفسه قرر أن يمنح خصمي أفضل أرض ممكنة.
رفعت بصري مجددًا.. وجهته نحو خصمي.. سيد الدمى العشبية.. ما زال واقفًا بلا حركة.. لم يتكلم منذ بداية المواجهة.. حتى وجهه بدا خاليًا من أي تعبير، كأنه دمية أخرى وسط حقله الأخضر.
“حسنًا..” همست بخفة.. “لنرَ ما لديك أيها السيد الصامت.”
مددت يدي.. بدأت شفرات الريح بالخروج تباعًا.. واحدة.. ثم أخرى.. ثم عشرات.. حتى وصل العدد إلى مئة شفرة كاملة. دارت الشفرات حولي كإعصار صغير.. الهواء بدأ يصرخ تحت حدة دورانها.. ثم.. وجهتها نحوه.
سووووش..
اندفعت الشفرات بسرعة هائلة.. ومع كل متر تقطعه، كانت تدور أسرع.. ويزداد حجمها وحدة أطرافها.. لكن.. السيد لم يتحرك.. حتى عندما اقتربت الشفرات لمسافة عشرات الأمتار منه.. فجأة.. انفجرت الأرض.
عشرات المجسات العشبية اندفعت من باطنها بعنف.. تحركت كالسياط.. سريعة.. مرنة.. قاتلة.. وفي لحظة.. اصطدمت بشفرات الريح.
بووووووم..
دوى التصادم عاليًا.. اندفعت السياط العشبية كأنها تملك إرادة مستقلة.. ضربت الشفرات الواحدة تلو الأخرى بلا توقف.. وخلال ثوانٍ معدودة.. تم إسقاط المئة شفرة بالكامل. ثم.. عادت جميع السياط سريعًا إلى باطن الأرض.. واختفت.. كأن شيئًا لم يحدث أصلًا.
“هذه السياط العشبية..” همست.. لم تكن شفراتي الافتتاحية قوية.. لكنها لم تكن ضعيفة أيضًا.. ومع ذلك.. تم تدميرها بسهولة مطلقة.
رفعت يدي مجددًا.. هذه المرة.. خرجت مئتا شفرة.
سووووش..
اندفعت الموجة الجديدة بعنف أكبر.. وقبل أن تصل.. تفطرت الأرض مجددًا. خرجت السياط مرة أخرى.. لكن.. عيني أضيقتا.
“إنها مختلفة؟” تمتمت داخلي.. هذه المرة كانت السياط أرفع.. أسرع.. وأقل عددًا.. تحركت بدقة أكبر.. وكأنها صُممت خصيصًا لمواجهة هذا العدد بالذات. وفي لحظات.. تم إسقاط شفراتي مجددًا.
“هكذا إذًا..” قلت.. وابتسامة خفيفة ارتسمت على محياي.
ثم.. قفزت.. ثلاثون مترًا دفعة واحدة. استقر جسدي عاليًا في السماء.. أسفل قدمي.. كانت شفرات ريح صغيرة وكثيفة العدد تدور باستمرار، تمنحني تحليقًا ثابتًا. رفعت يدي.. أخرجت خمس شفرات فقط.. أرسلتها نحوه.. تم إسقاطها. ثم أرسلت عددًا مختلفًا.. تم إسقاطها. ثم أكثر.. ثم أقل.. ثم شفرات بسرعات وأحجام متباينة.. والنتيجة.. واحدة.
السياط العشبية كانت تقطع كل شيء.. مهما تغير العدد.. مهما تغيرت القوة.. مهما تغير نمط الهجوم. أما السيد.. فلم يتحرك.. بقي واقفًا بصمته المزعج.. كأنه واثق تمامًا أنني لن أصل إليه.
بعد حين.. وبعد إرسال أكثر من ألف شفرة متفرقة.. تحقق اكتشافي الأول.
“سياطه تتحرك فقط عند وصول الشفرات لنقطة محددة..” قلت بهدوء. أضقت عيني أكثر.. “لكن الشيء الغريب..” نظرت نحو الأرض مجددًا.. “أن السياط تتغير حسب عدد الشفرات.. شدتها.. وسرعتها.”
صمت قليلًا.. ثم أكملت: “باستثناء أول مواجهة.. فإن كل هجوم بعد ذلك.. تمّت مواجهته بعدد دقيق من السياط.. لا زيادة.. لا نقصان.”
شعرت بشيء من الانزعاج. “أرسلت نحوه شفرات تتغير أحجامها وقوتها أثناء الطيران.. ومع ذلك.. فور وصولها لتلك النقطة الثابتة.. تكون سياطه جاهزة بالعدد المثالي تمامًا.”
التفت نحوه.. ما زال ثابتًا.
“حتى الآن.. خسارة التراكم عندي أعلى منه.. رغم أن كلانا يستخدم شيئًا بسيطًا فقط.”
ثم ابتسمت. “لكن.. إن كنت تعتقد أن هذا يكفي لإيقافي.. فأنت مخطئ.”
رفعت يدي عاليًا.. بدأت الشفرات تظهر مجددًا.. بالعشرات.. ثم بالمئات.. تدريجيًا.. اختفى ضوء الشمس تحت الحلبة.. الظلال تمددت.. وخيوط سوداء طويلة بدأت تظهر بين الشفرات.. حتى.. وصل العدد إلى أكثر من أربعمئة شفرة. ثم.. أنزلت يدي بعنف.. معلنًا بداية الهجوم الحقيقي.
سووووووش..
اندفعت موجة الأربعمئة شفرة دفعة واحدة.. الهواء تمزق.. العشب اقتلع من الأرض تحت ضغط الرياح.. وفي كل متر تتقدمه الشفرات.. كانت تزداد سرعة.. وحجمًا.. وشراسة.
أما السيد.. فما زال ثابتًا.. أما السياط.. فما زالت مختبئة تحت الأرض. اقتربت الشفرات أكثر.. حتى وصلت إلى النقطة التي حددتها بتحليلي.. النقطة X.
لحظة دخولها تلك المنطقة.. انفجرت الأرض بعنف. أكثر من مئة سوط عشبي اندفعوا دفعة واحدة. لكن.. في اللحظة التالية.. توقفت الشفرات.. تمامًا عند النقطة X.. لم تتقدم.. واستمرت بالدوران.. والتضخم.. والضغط.
السياط كذلك.. لم تهاجم. بقي الطرفان متقابلين.. كأنهما ينتظران أمرًا ما. مرت لحظات ثقيلة.. ثم.. فجأة.. اندفعت الشفرات.
بووووووم.. بووووووم.. بووووووووم..
انفجرت السماء والأرض بالصوت. هذه المرة.. لم يكن اشتباكًا بسيطًا. منذ البداية.. قد يكون هذا أول هجوم حقيقي بيننا.
السياط العشبية ضربت بعنف.. والشفرات استمرت بالدوران والتمزيق.. العشب اقتلع.. والأرض تشققت.. والهواء نفسه بدا كأنه يُطحن بين القوتين.
في الخارج.. اتجهت أعين الجميع نحو المعركة التي بدأت تشتعل أخيرًا. أما أنا.. فكنت أراقب فقط.. أراقب.. وأحلل.
مرت عدة لحظات.. ثم بدأ الاصطدام يهدأ تدريجيًا. انقشع الغبار.. وتوقف هدير الرياح. وفي النهاية.. انتصرت السياط مجددًا. لكن.. ما تبقى منها.. كان أقل من عشرين سوطًا فقط.
“الاكتشاف الثاني..” همست.. ثم ابتسمت بخفة.
سريعًا.. أخرجت ستمئة شفرة أخرى. ظهرت حولي كإعصار أسود هائل.. ملأت السماء بالكامل.. حتى ضوء الشمس بدأ يختفي خلفها. بعض الشفرات كانت صغيرة وحادة.. وأخرى ضخمة وثقيلة.. بعضها يدور ببطء.. وأخرى تهتز بعنف كأنها على وشك الانفجار.
لكن.. كلها اندفعت نحو السيد في وقت واحد.
سووووووش..
تمزق الهواء تحت ضغط العدد الهائل.. العشب على الأرض اقتلع.. والرياح الجارفة بدأت تضرب أطراف الساحة بعنف. أما السيد.. فما زال ثابتًا.. لم يتحرك.. حتى جفونه لم ترتعش.
اقتربت الشفرات.. واقتربت.. حتى وصلت للنقطة X. وفور وصولها.. توقفت.. مرة أخرى.
وفي اللحظة التالية.. بدأت الشفرات بالدوران بشكل أعنف.. أسرع.. أقسى.. وأشد ضغطًا. حجمها أخذ يتضخم تدريجيًا.. حتى أصبحت كل شفرة بحجم متر دائري كامل.. تدور بعنف مرعب.. والهواء حولها بدأ يلتوي كدوامات حقيقية.
أما الأرض أسفلها.. فقد بدأت تتشقق وحدها تحت الضغط. ثم.. اندفعت مجددًا.
بووووووووم..
دوى الانفجار عاليًا.. هذه المرة.. كان أعنف بكثير من السابق. الأرض اهتزت بالكامل.. والهواء انفجر كموجة صدمة اجتاحت الساحة. أما أصوات الرياح الناتجة من دوران الشفرات.. فقد تحولت إلى طنين مرعب.. حاد.. متواصل.. كأنه صراخ مئات الشفرات معًا.
في المقابل.. انفجرت الأرض مجددًا. السياط العشبية اندفعت بعنف أكبر من السابق.. أكثر سمكًا.. وأكثر شراسة.. تحركت كأنها ثعابين هائجة.. واصطدمت مباشرة بالإعصار الدوّار.
بووووووم.. بووووووم.. بووووووم..
السماء نفسها بدأت تضطرب. السياط تضرب.. والشفرات تمزق.. قطع العشب والأتربة تناثرت بكل اتجاه.. حتى الرؤية بدأت تضيع وسط العاصفة المتكونة.
لكن هذه المرة.. لم يكن الأمر كسابقه. السياط بدأت تتمزق.. وشفراتي كذلك.. كل طرف كان يسحق الآخر تدريجيًا.
بعد حين.. بدأت المواجهة تهدأ. الصوت انخفض.. العاصفة ضعفت.. والهواء عاد يتحرك بصورة طبيعية شيئًا فشيئًا. وفي النهاية.. انقشع الغبار.
بقيت عدة شفرات فقط تدور ببطء قبل أن تتحطم وتسقط. أما السياط العشبية.. فلم يبقَ منها سوى بضع خيوط ممزقة تتحرك فوق الأرض قبل أن تعود إلى باطنها.
رفعت بصري نحو السيد. ما زال واقفًا. لكن.. لأول مرة.. اهتزت عباءته قليلًا. ولأول مرة أيضًا.. رأيت قدمه اليمنى غارسة أعمق داخل الأرض.
ابتسمت. “كما توقعت..” همست بهدوء. “عدد السياط ليس ثابتًا..” أضقت عيني.. والتحليل داخل رأسي بدأ يكتمل قطعة بعد أخرى. “بل يتم إنتاجها حسب مقدار الخطر الذي تشعر به المنطقة المحيطة به.”
نظرت نحو النقطة X مجددًا. “لكن مهما كانت دقتها..” ارتفعت ابتسامتي أكثر. “فهي ما زالت تحتاج للحساب.”
مددت يدي مجددًا.. والرياح بدأت تتجمع حولي ببطء. “وأي شيء يحتاج للحساب..” خيوط الظل بدأت تظهر بين أصابعي. “يمكن خداعه.”
الشفرات بدأت تتكون عاليًا في السماء.. واحدة تلو الأخرى.. حتى بدا الفراغ فوق الحلبة وكأنه يمتلئ تدريجيًا بوحوش شفافة من الرياح. الهواء صار أثقل.. والرياح المحيطة بالساحة بدأت تدور باضطراب تحت ضغط الطاقة المتراكمة.
أما أنا.. فكنت أراقب بصمت. عيني لا تتركان السيد العشبي للحظة.
فجأة.. اكتملت أربعمئة شفرة. اصطفت خلف بعضها كأسراب قاتلة.. ثم.. بدأت بالدوران. في البداية ببطء.. ثم أسرع.. ثم أسرع.. حتى تحولت أصواتها إلى طنين حاد يهز الأذن.
لكن.. هذا لم يكن كل شيء. بدأت الشفرات بالاستطالة. تمددت تدريجيًا.. حتى فقدت شكلها الدائري المعتاد. وأصبحت.. أشبه بقطع خبز فرنسية طويلة وحادة.
أربعمئة شفرة.. لكن بشكل مختلف بالكامل. طويلة.. دوّارة.. ومشحونة بنفس القوة الهائلة من الضغط والدوران. الهواء حولها بدأ يتمزق وحده. حتى الفضاء القريب منها بدا مشوشًا من شدة الحركة.
لكنني لم أتوقف. “ليس بعد..” همست.
رفعت يدي الأخرى. وتكونت أربعمئة شفرة إضافية. هذه المرة.. لم أجعلها طويلة. بل.. بدأت بالتشكل على هيئة نجوم.
كل شفرة عبارة عن نجم بأربعة أطراف مثلثة.. وفي كل طرف.. كانت توجد مجموعة أصغر من الشفرات الدقيقة. الأطراف الأربعة لم تكن تدور باتجاه واحد.. بل كانت تتحرك بزوايا مختلفة.. تصطدم بالهواء.. وتولد مسارات ريح متعاكسة.
مجرد النظر إليها.. كان كافيًا لإشعار أي شخص بالدوار. كأنها ليست شفرات.. بل فخاخ هندسية مصممة للتمزيق.
وفي الأسفل.. ما زال السيد واقفًا. هادئًا.. صامتًا. لكن.. العشب حول قدميه بدأ يتحرك ببطء.. كأنه يستعد.
ابتسمت بخفة. ثم.. رفعت كلتا يدي. مرة أخرى.. أربعمئة شفرة جديدة بدأت تتكون. لكن هذه المرة.. كانت بالشكل الدائري التقليدي. إلا أنها.. أكبر.. أكبر بكثير.
كل شفرة كانت بحجم عربة تقريبًا.. تدور ببطء ثقيل.. لكن الضغط الخارج منها.. كان مرعبًا. حتى السماء فوقها بدأت تصدر اهتزازات خافتة.
تركتها للحظات.. تدور.. وتكبر أكثر.
ألف ومئتا شفرة.. بثلاثة أنماط مختلفة.. وثلاث طرق دوران مختلفة.. وثلاثة ضغوط مختلفة.
الهواء في الحلبة اختفى تقريبًا. مجرد التنفس أصبح صعبًا. العشب على الأرض انحنى بالكامل تحت الضغط. أما السياط العشبية المختبئة.. فقد بدأت تظهر أطرافها من الأرض دون أن تها
جم بعد.
عندها.. ابتسمت. ابتسامة واسعة هذه المرة. ورفعت بصري نحو السيد.
“لنرَ..” همست بخفة.. ثم اتسعت ابتسامتي أكثر. “كيف ستصد هذه.. هههه.”