الفصل 123 - صفقه قد تتم
الفصل 123 – صفقة قد تتم
….
أغمضت عينيّ وابتسمت. كان المكان الذي أتواجد فيه مليئًا بالعيون الفاحصة. عند المقارنة مع مقر منظمة فوق المحيط، فإن المستوى هنا عالٍ جدًا.
ما زلت أتذكر تلك المرحلة من التدريب، ربما كانت المرحلة 51 أو 61. لم يكن هناك عدو، بل مجرد ممر من البخار. لأكثر من ثلاثة أشهر، كان عليّ في كل مرة أن أقمع طاقتي تمامًا كي أعبره. بلا أي خواص أو أدوات، كان الأمر جحيمًا حقيقيًا. بالكاد استطعت السيطرة على طاقتي لبضع دقائق تكفي للعبور. كان وجهي أشد فرحًا بألف مرة من فرحتي بهزيمة جميع الأعداء في المراحل السابقة، لمجرد أنني تمكنت من اجتياز ذلك الطريق الجحيمي.
بعد عشر جولات من التدريب نفسه، كان الأمر قد استهلك مني بالفعل أكثر من نصف سنة كاملة. ولكن بعد الانتهاء، اكتسبت السيطرة الكاملة على طاقتي، وأصبحت أملك المهارة اللازمة لقمعها دون الحاجة إلى أي خاصية أو أداة. لهذا السبب، كان التظاهر بأنني من الرتبة الثانية في مدينة الشروق أمرًا سهلًا جدًا، حتى مع وجود أدوات الإخفاء التي استخدمتها كإجراء احتياطي لا أكثر.
أما الآن، فلم أضطر إلى قمع أي شيء. تركت طاقتي تسرح وتمرح كما تريد. إن كان أحدهم يرغب في فحصي، فليتفضل.
لم يمر وقت طويل حتى انتهيت من تناول الطعام، ثم سمعت وقع خطوات أقدام ثقيلة وثابتة. اقترب ثلاثة أشخاص من خلفي تباعًا، حتى ظهرت ملامحهم أمامي. وقفت، فتقدم أحدهم، وكان يرتدي عباءة خضراء بالكامل، ومدّ يده بابتسامة. بادلته الابتسامة، ومددت يدي وصافحته.
عندما جلست أنا وهو، كان السيدان الآخران لا يزالان واقفين، رغم أن رتبتيهما مساويتان تمامًا لرتبته. نظر السيد نحوي، وكانت عيناه بيضاوين تمامًا، حتى إنني بالكاد استطعت رؤية بؤبؤيه.
“أعتذر عن الاستقبال غير المحبب”، همس السيد، “لكنّك تعرف، نحن مدينة في حالة حرب. حتى وإن بدا أنه لا توجد حرب أمام الأعين، فإنها موجودة. إن اقتراب سيد من الرتبة الرابعة أمر غريب، وسيدعو بالطبع إلى إعلان حالة النفير.”
“لا بأس، أنا أتفهم. الحقيقة أنني لا أهتم بحالة الحرب. أنا مجرد تاجر، وأريد تقديم خدماتي.” قلت ذلك، ثم ابتسمت بهدوء وأضفت: “إن دخلت المدينة دون إظهار رتبتي، فلن يكون العثور على الأشخاص الذين أستهدفهم للبيع أمرًا هيّنًا أبدًا.”
“إذًا أنت…” همس سيد العينين البيضاوين، ثم أمسك كأسًا من الشراب وارتشف منه. نظر إليّ وأضاف: “تستهدف تجمع الطوائف.”
“تجمع الطوائف؟” همست دون شعور، بصوت مسموع.
ضحك السيد الذي أمامي، ثم ارتشف شرابه.
“أي تجمع هذا؟” تمتمت في داخلي.
لم أكن أعلم بوجود تجمع من هذا النوع أصلًا. كلام السيد جعل الأمر يبدو وكأنه سر.
“هل هناك مشكلة في استهدافهم كزبائن محتملين؟” سألت.
“كلا، بالطبع لا”، أجاب السيد سريعًا، ثم أضاف بنبرة قاطعة: “ولكن التجارة التي ترغب في ممارستها هنا، يفضّل السادة الأعلى رتبة، ونحن كذلك، أن تتم من خلالنا. وبالطبع، سيكون الأمر أكثر سهولة بالنسبة إليك إن فعلت ذلك.”
ابتسمت، وضاقت عيناي بسخرية.
“سيكون الأمر أسهل إن قبلت، وأكثر صعوبة إن رفضت. كما العادة، العالم يسير على النحو نفسه. ولكن…” همست، ومددت يدي نحو كوب من الماء، ثم شربت وأضفت: “كما قلت، أنا تاجر. لا يهمني لمن أبيع، بل المهم أن أبيع بأعلى سعر ممكن. في حالتكم، لن يكون لديّ اعتراض، ولكن هناك أمورًا ستتغير بالطبع.”
“ما هي؟” سأل السيد.
“أنتم مدينة، وحكومة كاملة، ولستم سيدًا أو مقاتلًا منفردًا. لهذا سأحاول الاستفادة من الصفقة قدر الإمكان.”
“شروطك المعقولة ستُلبّى بحسن نية، بما لا يدع مجالًا للشك”، قال السيد، وقد علت محياه علامات الحماس.
“في البداية…” همست.
مددت يدي اليسرى.
“سأمنحكم…”
أخرجت من العدم صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
“خمس هدايا كعربون حسن نية.”
بمجرد أن ألقيته على الأرض بجانبي، ازداد حجمه حتى تجاوز المترين طولًا، وبلغ ارتفاعه مترًا.
وبمجرد أن أصدرت الأمر ذهنيًا، برزت خمس جرار خشبية من جانب الصندوق، ثم تحركت من تلقاء نفسها وانفتحت.
“هذه؟” سأل سيد الرتبة الرابعة ذو العينين البيضاوين.
“نعم”، قلت. “خمسة أسلحة عتيقة. والآن، أنتظر منكم شيئًا في المقابل، كعربون حسن نية.”
كانت عينا السيدين الآخرين تتجهان نحو الأسلحة، تتفحصانها وتقرآن أوصافها. أما السيد الذي أمامي، فكان يُظهر علامات الفرح والحماس والطموح كلها في آن واحد.
“ما الذي يأمر به السيد التاجر؟” قال.
“خاصية معينة…” همست، ثم صمتُّ قليلًا لأترك للكلمات وقتًا كي تخرج بثقلها. “خاصية قوة ذهنية.”
“هذه…” همس السيد ذو العينين البيضاوين. “ماذا لو لم تكن موجودة؟”
“لا بأس إن لم تكن موجودة. في النهاية، إنها مجرد بادرة حسن نية لا أكثر.” قلت ذلك، ثم شربت الماء وأضفت: “ولكنني أفضل أن نكمل نقاشنا في وقت لاحق، حتى تتأكدوا من الإجابة.”
ابتسمت.
نظر السيد نحوي وابتسم بدوره، ثم وقف، فنهضت معه.
بعد حين، غادرت مقرهم متجهًا إلى أحد فنادق الضيافة.
استلقيت فوق السرير، ثم نظرت إلى السقف الأبيض الذي زُيّن بعدد من النقوش الملكية.
“هذا خطر”، همست في داخلي.
لم أتوقع وجود هذا العدد من أصحاب الرتبة الرابعة. باستثناء سيد الرمال، كان هناك ما لا يقل عن خمسة آخرين شاهدوا معركتنا. ثم في القاعدة، كان هناك ثلاثة آخرون.
في يوم واحد، واجهت ما يصل إلى عشرة سادة من أصحاب الرتبة الرابعة.
أعتقد أن الأسلحة العتيقة الخمسة ستجعل المعنيين يفكرون كثيرًا قبل أن يفكروا في استهدافي، على الأقل حتى يعرفوا سر امتلاكي لها.
كنت أتوقع وجود سادة من الرتبة الرابعة في المدينة، ولكن…
هذا العدد؟
كيف أخطأت في حساباتي؟
لقد قارنت المدينتين ببعضهما. قضيت أكثر من شهر في مدينة الشروق، ولم ألتقِ قط بأي سيد من الرتبة الرابعة.
هل لهذا الأمر علاقة بتقييد رتبتي إلى الرتبة الثانية؟
ربما كان هذا هو السبب. ولكن…
{دييينغ.. دييينغ.. دييينغ}
{رسالة من مجهول}
هاه…
{السيد المحترم، أرجو أن تشرفنا في حفل التقاء السادة.}
{تم استلام تذكرة}
ما هذا؟!
رسالة من مجهول؟ مجددًا؟
اللعنة على الخواص التي لا أعرفها!
بمجرد أن رأوني أقاتل، ها هم يتواصلون معي بسهولة.
ولكن…
من قال إنها من أحد السادة المجهولين؟
ربما كانت من أحد سادة المدينة الذين التقيت بهم؟ ولكن لماذا يرسلونها كرسالة من مجهول؟
لا أعتقد أن من مصلحتهم أن ألتقي بسادة آخرين.
هذا يعني أن هناك سيدًا كان يشاهد معركتي عن كثب.
الأمور تتعقد. يجب أن أكون حذرًا.
…
كان القرص المعدني ينير السماء، والهواء العليل يضفي على منتصف الليل أجواءً هادئة. أما شوارع المدينة، فما زالت تنبض بالحياة، وأصوات الأحياء الشعبية تصدح بالحيوية، في حين كانت المناطق المترفة أكثر هدوءًا، وقد خيّم الصمت على بعضها.
في مدينة الغروب، كان بالإمكان رؤية معالم المدينة من أعلى نقطة فيها، برج الصواعق، الذي يرتفع مئة متر في السماء. ومن فوق البرج، يستطيع الناظر رؤية أكثر من عشرين قصرًا في المدينة، لكن كان هناك قصر واحد فقط أبيض اللون، يفوق البقية حجمًا.
في الطوابق العليا من ذلك القصر الأبيض، كانت الأضواء لا تزال مضاءة.
جلس عدة أشخاص يتناقشون في أجواء غاب عنها الهدوء. لم تكن الغرفة التي يجلس فيها هؤلاء الأشخاص كبيرة أو براقة، بل كانت غرفة معيشة بسيطة، تتناقض تمامًا مع تصميم القصر الملكي من الخارج.
داخل الغرفة متوسطة الحجم، وُضعت مجموعة من الأرائك والكراسي، إلى جانب طاولة خشبية خلفها كرسي خشبي مزخرف. ولو رأيت ذلك الكرسي في السوق، لما اشتريته إن كنت تبحث عن التباهي بالغنى والمال.
“من أين جلبها؟” سأل أحد الشيوخ ذوي اللحية الكثيفة، ممسكًا بعكازه، فيما كان ظهره المنحني يميل إلى الأمام.
كان يجلس فوق إحدى الأرائك الجلدية الفضية.
“أتريد مني أن أسأله عن هذا حقًا؟ هل تريد إظهاري بمظهر الغبي؟” شخر سيد الرتبة الرابعة ذو العينين البيضاوين.
كان يجلس على الأريكة المقابلة له في الجهة الأخرى، ثم أضاف: “لا يمكن العبث معه. لم يكن سيدًا غبيًا، ولم يمنحنا إياها كعربون حسن نية كما قال.”
“ماذا إذًا؟” جاء الصوت هادئًا ووقورًا من صبي صغير يجلس على أحد الكراسي في الجانب.
“إنه يبحث عن خاصية لزيادة قوته الذهنية، وقدّم تلك الأسلحة كمقابل. إن لم نسلّمه تلك الخاصية، فقد يتراجع عن التجارة، كما قال.” أجاب سيد العينين البيضاوين.
“أو…” همس الصبي. “أعتقد أنه قدّم كل ما يملك، فقط ليجعلك تعتقد بهذا الرأي.”
“في هذه الحالة، كيف سنعرف الحقيقة؟” سأل الشيخ متسائلًا.
انطلقت ضحكة هادئة من الجانب الآخر للصبي. كان هناك رجل ضخم البنية، يمسك بيده كتابًا أصفر، وعيناه صفراوان كذلك.
اتجهت أنظار الجميع نحوه.
“يمكن حل هذه المعضلة ببساطة”، همس، ثم أضاف: “أعطه شيئًا آخر كعربون. وعندما تفعل، أخبره بأن الخاصية أصبحت له، لكنك تنتظر منه تثبيت عقد للتعامل وتقديم وجبات متعددة لضمان سير الأمور بسلاسة.”
“فكرة عظيمة!” صدح صوت الرجل العجوز.
“شيء آخر”، أضاف السيد الضخم. “أعطه شيئًا ثمينًا لا يزيد من إمكانياته، شيئًا أنت متأكد من أنه يملكه.”
“ما هو؟” تساءل سيد العينين البيضاوين.
“أعطه…” جاء صوت من بعيد، بالتزامن مع انفتاح باب القاعة.
التفت الجميع نحو الباب، ودخل صاحب الصوت.
وقف جميع السادة سريعًا، وقالوا بصوت واحد:
“سيدي، ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
“أتشو! أتشو! أتشو!”
خرجت العطسات تباعًا من فم السيد ذي الرداء الذهبي.
“اجلسوا. قلقكم على صحتي لا قيمة له، ولن يخفف المرض”، همس.
خطا بضع خطوات، ثم جلس فوق أحد الكراسي. عندها جلس الجميع تباعًا، وعدّلوا أوضاعهم ليواجهوا السيد.
“ما الذي تقترحه، سيدي؟” سأل السيد الضخم.
مسح السيد فمه بمنديل، ثم همس:
“أعطوه شيئًا للنقل…”
“ولكن، سيدي…” قال السيد الصغير.
“هذا الشيء الثمين… كيف؟” أضاف سيد العينين البيضاوين.
لم يُجب السيدان الآخران، واكتفيا بإظهار استغرابهما.
“هاهاهاها!” ضحك السيد. “لا تكونوا حمقى.”
عطس مجددًا، ثم مسح فمه وأضاف: “أيقدّم نفسه لنا كطبق من الذهب هكذا؟ إنه سيد من الرتبة الرابعة، ولن يكون أحمق إلى درجة أن يأتي إلينا من دون خطة احتياطية.”
مدّ السيد يده نحو الشراب، ثم قال:
“لا شك في أنه يملك وسيلة انتقال قوية وسريعة. لهذا السبب، أعطاكم
الأسلحة لينتظر جوابكم بشأن الخاصية الذهنية، ثم يهرب مستخدمًا وسيلة انتقاله.”
ضيّق عينيه، ثم ارتشف قليلًا من شرابه.
“يجب ألا يفلت من أيدينا. إنه…”
نظر نحو أتباعه، ثم همس:
“السلاح الذي سينجح المسعى.”