الفصل 106 - بداية جديده
الفصل 106 – بداية جديدة
.
كانت الرياح عالية..
لكنها كانت عليلة. فيما ارتفع قرص الشمس عاليًا لا يسمح بالنظر له. وكأنه خجل من أن يحسده أحدهم..
بدأ الجو طبيعيًا كما في الأرض.. ومعاكسًا تمامًا لما كان عليه في المساحة السرية..
الربيع الدائم.. ولى عهده. وحان عهد الجو المتغير ليلًا ونهارًا.
فوق أعلى أشجار الفطر. جلست القرفصاء..
“مر أكثر من شهر” همست بتثاؤب..
عيني.. ركزتا نظرهما نحو أحد الاتجاهات.. كان هنالك نهر كبير يسير فيه الماء بشكل سريع جدًا. وكان هنالك تيار هوائي يدفعه فبدا وكأن هنالك شلالًا أو اثنين يسرعان تدفقه العالي..
بعيدًا أمام مجرى النهر. اطل سور كبير.. لمدينة أو مملكة.. أو حتى ربما مجرد سور لا شيء قربه. فحتى مع نظري القوي.. لم أستطع تبيان ما أمامي..
وإن دل هذا على شيء.. سيدل على أن المسافة ليست قريبة أبدًا..
اما في الجوانب الأخرى من الغابة.. كان هنالك عدة شواهد أخرى لمدن.. أو ممالك..
أقرب واحدة. كانت قرية صغيرة. تملك سورًا صغيرًا.. تعيش على بعد مئات الأمتار من النهر المتسارع..
خرج من بوابة القرية الصغيرة.. شقيقان..
أحدهم لم يبلغ التاسعة بعد.. أما الآخر فكان بعمر الثالثة عشرة..
ارتدى الأخوان ملابس رثة.. فيما كانت أقدامهم مغطاة بالقش المصنوع كأحذية شبه بالية..
أمسك الأخ الكبير خشبة طويلة ذات نهاية حادة.. فيما أمسك الصغير مقلاع حجر..
“أتعتقد أن الحظ سيحالفنا اليوم كذلك؟” سأل الأخ الصغير.. فيما تتبع أخاه الأكبر..
“لا أعلم.. ربما.. راقب خلفك لا يجب أن يتبعنا أحد لتلك البقعة” قال الأخ الأكبر..
“ههه.. لا يتبعنا أحد.. اليوم سأصيد عشر هههه”
“اصمت.. صوتك عالٍ” وبخ الأخ الأكبر سريعًا..
“كلامك هذا سيجلب البلاء وسوء الحظ لنا”
استمر الأخوان بالمسير.. ثم اقتربا من النهر. سارا بمحاذاته.. ثم على بعد مئتي متر. توقف الأخوان فوق صخرة كبيرة..
تفحص الأخ الأكبر المكان.. ثم حرك قدمه فوق الصخرة للتأكد من الانزلاق..
“تراجع أكثر” أمر أخيه..
تراجع الأصغر. ثم بحث بعينيه كذلك..
“هناااك هنااااك” صرخ الأخ الأصغر..
“اصمت.. رأيتها”
من بعيد.. كانت هنالك سمكة تسير مع التيار بسرعة كبيرة. تقترب أكثر وأكثر من الأخوين. رفع الأخ الأكبر خشبته بطول ثلاثة أمتار..
انتظر أن تدخل السمكة حيز مساحته. رفع الأخ الأصغر مقلاعه. فجأة. غاصت السمكة في الماء واختفت..
“اللعنة.. لقد أحست بك” شخر الأخ الأكبر.. “أسماك السونا المدورة.. عندما تشعر بأي حركة.. فإنها تغوص مباشرة في الماء.. لمَ تحركت؟”
“لم أفعل” أجاب الأخ الأصغر..
“دائمًا هكذا.. لم أفعل ولم أفعل حتى تسببت لأمنا بالمرض..”
“لم أفعل” كان صوت الصغير مبحوحًا.. بعض الدموع نزلت سريعًا..
بعد بعض الوقت..
“لا تتحرك” قال الأكبر.. لقد لمح سمكة أخرى..
بعد حين.. دخلت السمكة في حدود ضربته..
رفع الأخ يده.. بسرعة ومهارة.. ثم
سوووش..
سددت ضربته..
لم تكد السمكة أن تستشعر حركته.. حتى أصيبت..
قام الأخ بسحب الخشبة سريعًا..
“إنها كبيرة ورائعة” صدح صوت الأخ فرحًا..
بعد ثلاث ساعات..
حمل الأخوان خمس سمكات واندفعا للعدو مجددًا نحو القرية..
في اليوم التالي..
عاد الأخوان من الصيد.. بوجوه حزينة..
لم ينجحا بصيد أي سمكة..
طول الطريق كان الاثنان يكيلان الملامة على بعضهما..
كلما ظهرت سمكة كانت تختفي بمجرد اقترابها منهم.. في كل مرة.. يصرخ أحدهم بالآخر..
في اليوم التالي.. نجحا بصيد ثلاث سمكات..
اليوم الرابع لا شيء..
في اليوم الخامس.. نجحا في صيد 5..
في اليوم السادس.. وقف الأخوان يصيدان..
“ها هما مجددًا” همست.. عيني تتبعت السمكة.. التي تأتي نحوهما..
رفعت يدي.. أخرجت خيطًا من فن الشعلة.. قمت بقطعه.. ثم
أمرته بالاستدارة على بعضه وكأنه إبرة صغيرة جدًا.. ثم
سوووووش..
اندفعت الإبرة من بعيد..
نحو السمكة..
فجأة..
بووووم..
أصيبت السمكة..
اختفت..
“لقد تحركت” صرخ الأخ الأكبر..
ضحكت.. كان الأخوان يتحاربان.. على من تحرك وجعل السمكة تختفي..
التفتت بعيني للجانب..
كانت السمكة قربي بالفعل..
منذ أيام عدة..
قررت البحث في المدى الذي يمكنني فيه إطلاق كل من مراوحي المتغيرة وأيضًا..
صنع أشكال جديدة من فن الشعلة ذاته..
الأمر كان جيدًا.. وقدرتي على الإطلاق كبيرة بالفعل..
لكنها ما زالت بعيدة كل البعد عن الإتقان..
من جهة أخرى.. فإن اكتسابي للكهف.. جعلني أكسب قدرة نقل الأشياء البسيطة له..
على طول الأيام السابقة.. كانت الأسماك هي التجربة لقدرتي على الإصابة والنقل وفقد التحكم في وقت واحد..
بالطبع.. كان الأمر أيضًا اختبارًا لمعرفة هل سيعلم الآخرين بفعلي ذلك أثناء فعله..
لهذا كان هذان الأخوان خير طريق للتدرب..
بعد أكثر من أسبوع..
ما زال لا أحد بينهم قد لاحظ أبدًا أن هنالك من يصطاد السمك من بعيد..
في اليوم العاشر.. قررت أن موعد الصيد يجب أن يتوقف..
فقد حان الوقت.. للحركة..
ربما يجب أن أذهب للقرية.. أو ربما للمدينة..
كل واحدة منهما تحوي إيجابيات وسلبيات..
في اليوم التالي.. قررت بالفعل أن أذهب للتجسس على القرية..
كان هدفي واضحًا. معرفة طبيعة الحياة هناك.. اللبس والكلام والحصول على معلومات أكثر..
نمت بضع ساعات. ثم حل الصباح وتحركت..
بخفة نحو الجوانب.. ثم نحو أحد التلال. كانت القرية تحت تلك التله..
أول ما سمعته.. كانت أصوات الديكة.. صوت يعيد لي الذكريات..
ثم..
بدأت الحياة تدب بعد ساعة..
“قرية صغيرة بحق” همست..
احتوت القرية أقل من عشرين منزلًا.. فيما أحاطها سياج ليس أكثر من مجرد أخشاب لا تبعد شيئًا حقًا..
عدد من الأطفال خرجوا للهو.. ثم نساء ورجال.. ثم كبار في العمر..
بعد المراقبة..
كان عدد السكان أقل من مئة شخص..
جلهم يخرجون خارج القرية.. حيث تواجدت عدة مساحات زراعية صغيرة..
فيما بعضهم.. كان يتجه لغابة قريبة.. يقطع الشجر..
البعض الآخر كان يحمل خشبًا ويحمله فوق إحدى العربات.. التي يجرها ثور..
كنت أخطط للذهاب إليها والبحث عن خريطة أو بعض الكتب أو شيء ما.. ولكن
بعد المراقبة ليوم كامل..
كان جليًا أن هؤلاء القرويين بالكاد يقفون على مفترق الحياة.. أي كتب يمكن أن تتوافر هنا..
انسحبت..
ثم..
حل الصباح التالي..
أخرجت من العدم زهرة صفراء صغيرة..
أكلتها..
فجأة.. اختفت طاقة رتبتي تمامًا.. لا أحد يعلم الآن أنني سيد..
“زهرة اللوز” همست..
كانت متواجدة في المتجر.. سعرها كان غاليًا.. كل واحدة بـ20 ألف دينار.. ولكن
قدرتها كانت هائلة.. إخفاء طاقة السيد ليوم كامل.. ليوم كامل تصبح وكأنك شخص عادي تمامًا..
“حتى إن كان سعرها 100 ألف.. سأشتريها..” همست..
كان احتياجي لها كبيرًا..
لن أجازف بالذهاب لمدينة لا أعرف شيئًا عنها بطاقة الرتبة الرابعة..
إنه مجرد تصرف أحمق.. لن أقوم به أبدًا. سرت بين الوديان.. ثم وصلت للنهر. اتبعته كمسار إرشادي..
تحركت ببطء وخفة. كان الجو مشمسًا مع بعض الريح. وبعد حين.. بدأ الجو يزداد حرارة. بعد خمس ساعات من المسير. كنت ما زلت لم أعبر حتى نصف المسافة..
“كما توقعت” قلت بصوت مسموع فلا احد كان قريب مني حقا لاحذر.. ثم استلقيت. المسافة للسور.. كانت بعيدة بالمقارنة بالرؤية.. حسب تحليلي..
فأنا على بعد يوم من المسير البطيء. إن قررت استعمال قدراتي والاندفاع.. سأصل بشكل أسرع بكثير..
حسنًا.. سيكون تصرفًا أحمق كذلك..
قبل أن أعلم أي عالم أنا به.. سيكون أي تصرف غير محسوب هو تصرف أهوج..
آااه.. تمتمت ثم استلقيت.. فوق أحد الصخور.. التي توسطت مساحة خضرية فوق تل..
مر أكثر من نصف يوم من المسير..
كان السور أمامي.. ربما على بعد سير لساعتين..
ولكن.. في هذه المرة..
كان المشهد أمامي واضحًا..
كانت المدينة كبيرة جدًا خلف السور.. وفي جانبها البعيد.. كان هنالك بحر بالفعل..
كان الوقت ليلًا.. ولم تكن معالم المدينة واضحة جدًا..
قررت أن أقضي الليلة هنا. بمجرد أن وضعت رأسي فوق العشب. غفوت..
فتحت عيني.. ببطء. كانت هنالك أقدام. قفزت سريعًا..
“آااه” همست..
كان مجرد أيل.. بمجرد رؤيتي أقفز.. قفز بدوره. بعدها.. لم أرَ سوى قوائمه الخلفية..
اخرجت شيئا للاكل ثم نزلت.. وبدأت المسير. استوت الأرض من أمام السور. ثم تحولت لمساحة خضراء كبيرة ممتدة..
كان هنالك طرق عدة تقطع المساحة الخضراء. الكثير من العربات التي يقودها حصان.. وحصانان وأربع والتي تدفع بالثور والبقرة..
مسافرون منفردون على الأقدام كذلك.. يحملون خلفهم حقائب..
كان الضجيج كبير بحق..
انها المره الاولى في هذا العالم .. ارى هذا العدد من الناس في مكان واحد.
عكست اتجاه سيري.. ابتعدت عن المساحة التي لا يتواجد فيها طريق..
اقتربت من الطريق.. ثم اندمجت في المسير. كنت أرتدي زيًا باليًا شبيهًا بالقرويين. عباءة رمادية مقصوصة الأطراف.. مع حذاء قش.. وأيضًا قبعة قش عريضة..
بالطبع لم يكن هذا إلا رداءً وهميًا.. قمت باتخاذه باستعمال إحدى خواص الأسلحة العادية..
كان السلاح مجرد خنجر بالٍ.. يملك قدرة تغيير شكل الرداء لأي رداء تراه..
قدرته كانت تخص المنظر الخارجي فقط.. لأنه يغير الشكل في أعين الجميع فقط.. أما الرداء الحقيقي..
فيبقى كما هو.. وفي حالتي..
كان عباءة سوداء مع خيوط حمراء.. تحتها كان قميصًا وبنطالًا أسودين.. ودون وجود أي قفازات..
اندمجت ضمن الحشد.. وسرنا سويًا.. نحو البوابة..
فجأة.. توقف الحشد..
مددت رأسي للجانب. كان هنالك تفتيش..
“أظهر بطاقتك قبل الوصول” صرخ أحدهم..
التفتت.. كان هنالك حارس يرتدي زيًا أحمر مدرعًا بالكامل.. يقف فوق السور العالي ويصرخ بتنظيم المرور..
قربه.. كان هنالك عدد لا يقل عن عشرين جنديًا..
في الأسفل يقف ضعفهم..
ارتفع السور لأكثر من عشرة أمتار.. توسطته بوابة سوداء مفتوحة على مصراعيها بعرض يتجاوز الخمسة أمتار..
“بطاقة؟” همست..
قربي.. بدأ المسافرون بإخراج بطاقة ذات لون أبيض..
كانت تحوي عدة نقوش..
“اللعنة” همست..
بدأ السير يقترب أكثر وأكثر..
كانت عيني تنظر بحذر.. يمينًا وشمالًا..
ثم..
حركت يدي.. قليلًا..
أخرجت خيطًا أحمر بالكاد يُرى..
سووووش..
أمسكت ببطاقة بيضاء..
ثم.. نظرت للأمام بلا حركة..
في الجانب.. كان هنالك شخصان يقفان..
أحدهم يملك سهمًا.. كانت بطاقته ما زالت في جيبه الخلفي..
وصلا قبلي إلى المرور..
مد صاحب السهم يده..
لم يجد البطاقة..
“أسرع” قال الحارس.. كان يمسك رمحًا طويلًا..
“انتظر” همس الرجل.. مد يده للجيب الآخر.. لا شيء..
“ما الذي يجري؟” قال الرجل الضخم قربه.. كان يحمل دبًا فوق متنه.. وبدا ضخمًا بحق..
“لا أجد بطاقتي” قال صاحب السهم..
“هل أضعتها؟” قال رفيقه..
“تنحيا
جانبًا كلاكما ريثما تجدون بطاقة العبور..” صرخ الحارس.. “أنتما تعطلان المرور”
“انتظر.. أنا مغامر.. ألا تعرفني.. إنني السهم السريع” صرخ المغامر..
“أرني بطاقة المغامرين خاصتك إذًا”
“نعم نعم..” سارع المغامر بإخراج بطاقته.. سمحوا له بالعبور..
وصلت أخيرًا..
“بطاقة عبورك” قال الحارس..
“تفضل” أعطيته البطاقة..
التفت نحوي.. “من أين أنت؟” قال.