الفصل 104 - صفقة
( بداية المجلد الثاني )
.
الفصل 104 – صفقه
.
{ ديينغ… ديينغ… ديينغ…}
الصوت كان حادًا… متكررًا… كأنه يخترق الجمجمة لا الأذن.
ثم—
{ اللقب الخاص – العنيد – تم التفعيل }
صمت.
لحظة…
ثم—
نبض.
نبضة واحدة… ثقيلة… كأن قلبًا جديدًا بدأ بالخفقان.
ثم—
نبض.
أقوى.
أعمق.
ثم—
نبض…
انفجر الهواء في صدره.
جلس فجأة.
يلهث.
كأن رئتيه تذوقتا الهواء لأول مرة.
عيناه اتسعتا… حدقتا في الفراغ أمامه بلا فهم… بلا إدراك.
“هـ… ها…”
أنفاسه كانت متقطعة، جسده يرتجف بلا سيطرة.
نظر يمينًا—
أشجار.
لكن…
ليست أشجارًا.
سيقانها… بيضاء… عارية… ملساء كالعظام.
ومن الأعلى…
لم تكن أغصانًا…
بل كتل فطر ضخمة، متشابكة، ملتفة، كأنها تنمو فوق بعضها في صمت مقرف.
يسارًا—
نفس المشهد.
خلفه—
نفسه.
أمامه—
غابة كاملة… من شيء لا يشبه الحياة.
الظلام كان كثيفًا.
ليس ظلام ليل…
بل ظلام خانق.
كأن الضوء نفسه يرفض الدخول.
“أين…”
همس.
لكن صوته خرج مكسورًا… غريبًا… كأنه ليس صوته.
فجأة—
ألم حاد انفجر في رأسه.
“اااااه!”
سقط فورًا بصرخه مدويه.
اتجهت يداه وأمسكتا رأسه، أصابعه انغرست في شعره، جسده التف على نفسه.
الألم لم يكن عاديًا…
كأن عمودا حادا يُدفع داخل عقله.
ذكريات.
شظايا.
صور—
تتدفق.
تتشابك.
تتكسّر.
ثم—
بدأت تتشكل.
“مونالي…”
همس بغصه منقوعة بالألم.
صورة وجهها.
شعرها الفضي.
عيناها…
ثم—
اختفت.
“لويس…”
ابتسامة ساخرة.
قفاز أسود.
صوتها—
“تبا لك.”
ثم—
تحطمت الصورة.
“جو…”
واقف.
ثابت.
السيف العاجي…
ثم—
الدم.
ثم—
الفراغ.
“سومان… الزعيم…”
القرية.
الوجوه.
الأصوات.
الضحكات—
ثم—
الصمت.
ضربة أخرى.
أقسى.
“ااااااااه!”
صرخ.
جسده ارتعش بعنف.
ثم—
تدفقت الحقيقة.
دفعة واحدة.
بدون رحمة.
بدون تمهيد.
جميعهم…
ماتوا.
توقف.
سكن.
كأن الزمن نفسه انكسر.
عيناه اتسعتا…
لكن—
لم تعد ترى.
“لا…”
همس.
“لا… لا…”
صوته بدأ يرتجف.
“لا…”
تذكر.
المعركة.
الكيان.
القوة.
السحق.
واحدًا تلو الآخر…
سقطوا.
بلا رحمة.
بلا فرصة.
“لااااااااااا!”
صرخ.
الصوت خرج ممزقًا.
كأن قلبه هو من يصرخ… لا حنجرته.
دموعه انفجرت.
ساخنة.
ثقيلة.
تسقط بلا توقف.
“لماذا…؟”
همس.
ثم صرخ مجددا
“لماذا أنا…؟!”
يداه ضربتا الأرض.
التراب تناثر.
أنفاسه تسارعت.
“لماذا بقيت حيًا…؟!”
لا جواب.
الغابة…
بقيت صامتة.
باردة.
ميتة.
كأنها تراقبه فقط.
كأنها تعرف…
ولا تهتم.
انكمش.
جسدًا.
وقلبًا.
ضم ركبتيه إلى صدره.
دفن وجهه بينهما.
واختنق صوته بالبكاء.
لم يكن بكاء عاديًا…
كان نحيبًا.
شيء يُسحب من داخله…
قطعة قطعة.
“جو…”
همس بين شهقاته.
“لويس… مونالي…”
الأسماء خرجت كطعنة.
كل اسم…
ألم جديد.
كل ذكرى…
جرح مفتوح.
“كلكم…”
ارتجف صوته.
“تركتوني…؟”
لكن…
هو يعلم.
لم يتركوه.
هم…
قُتلوا.
وهو…
بقي.
وذلك…
كان أسوأ.
رفع رأسه قليلًا.
عيناه حمراوان.
ممتلئتان بالدموع…
والفراغ.
“أنا…”
توقف.
لم يجد كلمة.
لا وصف.
لا معنى.
فقط…
همس.
“وحيد.”
الصوت تلاشى.
والظلام…
ابتلعه من جديد.
..
ومن أحد جوانب الغابة المظلمة…
بدأ الفراغ… يتكوّن.
لم يكن ظلامًا… ولا ضوءًا…
بل شيء بينهما… شيء يبتلع الاثنين معًا.
بقعة سوداء… أخذت تتمدد… تتكور…
كأن الواقع نفسه ينطوي حولها…
الأشجار القريبة… انحنت…
الأرض… تشققت بخفة…
والهواء… أصبح ثقيلاً… لزجًا… بالكاد يُتنفّس.
ثم—
تسرّبت طاقة.
طاقة مظلمة… كثيفة…
لا تُرى بوضوح… لكن تُشعر…
كأنها تمسك القلب… وتضغطه ببطء.
اقتربت… أكثر…
وأكثر…
شعور قبيح… مقزز…
زحف داخل صدري.
قشعريرة عنيفة اجتاحت جسدي،
شعرت كأن كل خلية فيّ تصرخ—
اهرب.
لكن—
لم أتحرك.
رفعت رأسي ببطء…
عينيّ ثقيلتان… فارغتان.
لم يعد يهم.
البقاء…
الموت…
كلاهما أصبحا متساويين.
جسدي كان يريد الهرب…
لكن إرادتي…
كانت… مكسورة.
كنت فقط…
أنتظر.
الموت.
ثم—
اتسعت دائرة الفراغ فجأة.
كأن شيئًا من الداخل… دفعها للخارج.
ومعها—
خرجت… أجنحة.
عريضة.
زرقاء… بلون المحيط العميق…
لامعة… لكنها ليست ضوءًا…
لم تكن مغطاة بريش…
بل سطح أملس… دائري…
كأنها حلقات من طاقة متجمدة… تدور ببطء.
ثم—
قدم.
خرجت.
سوداء… ضخمة…
بثلاثة أصابع طويلة…
تنتهي بمخالب حادة…
وفي نهايتها…
شكل مثلثي…
كأنه رأس رمح…
ثم—
قدم أخرى.
تبعَتها.
اصطدمت بالأرض…
دون صوت…
لكن الاهتزاز وصل إلى عظامي.
ثم—
بدأ الكائن… يعبر.
جزء… بعد جزء…
جسده… كان غريبًا…
غير متناسق…
كأنه شيء… لم يُخلق لهذا العالم.
شفتاه—
عريضتان… ممدودتان بشكل مريب…
كأن ابتسامة ما… محبوسة فيهما…
ابتسامة… لا تنتمي للحياة.
رأسه…
مغطى بقبعة كبيرة…
ظلها غطى عينيه…
فلم أرَ ما تحتهما…
لكن—
لم أكن بحاجة لرؤيتهما.
كنت… أشعر بهما.
بوضوح.
كان… ينظر إليّ.
كائن…
ليس بشريًا.
وليس وحشًا بالكامل.
شيء… بين الاثنين…
أو ربما… خارج الاثنين.
حجمه—
خمسة أضعاف أي إنسان رأيته.
جسده… يميل للأمام قليلاً…
كأنه… منحنٍ بثقل وجوده.
أنفاسه—
خرجت.
بخار أسود…
يحمل معه…
أنينًا.
صوتًا…
كأن عدة أصوات تختلط داخله.
صراخ…
همس…
ضحك مكتوم…
كلها… في نفس النفس.
ثم—
تحرك.
خطوة.
الأرض… استجابت.
خطوة أخرى.
الهواء… انكمش.
اقترب.
وأنا…
لم أتحرك.
لم أهرب.
لم أقاوم.
فقط…
جلست هناك.
أنظر إليه.
بعينين فارغتين.
كأنني…
استقبل ضيفًا.
وليس… موتي.
ضحكة مكتومة…
انفجرت من بين تلك الشفتين الواسعتين.
لم تكن مجرد ضحكة…
بل موجة…
ضربت عمق الغابة بعنف.
الأشجار ذات الفطر ارتجفت…
الهواء اختنق…
والظلام… ازداد سماكة.
ثم—
سكن كل شيء.
إلا صوته.
“يا لها… من مفاجأة…”
همس.
صوت ثقيل… قاتم…
كأنه يُسحب من أعماق بئر لا قاع له.
ثم ضحك مجددًا.
لكن هذه المرة—
كان الصوت أثقل…
أبطأ…
أقرب إلى أنين مختنق…
امتزج مع الرائحة الغريبة التي تملأ الغابة…
رائحة رطبة… فاسدة…
كأن شيئًا ميتًا… ما زال يتنفس.
لسبب ما…
تجمدت.
هذا الصوت…
معروف.
لكنه…
ليس كذلك.
كأنني سمعته…
في حلم…
أو… في موت سابق.
“ذلك السيد الماكر…”
قالها ببطء.
“كيف… أفلتّ من قبضته؟”
ارتجف جسدي.
الكلمات…
كانت تضرب شيئًا عميقًا داخلي.
ثم—
ضربة.
صداع.
أقسى من قبل.
“اااااه!”
صرخت.
يداي أمسكتا رأسي…
الذكريات… اهتزت…
صور… أصوات… ظلال—
ثم…
توقفت.
عيناي اتسعتا.
“…وحش الخداع؟”
همست.
الصمت… انكسر.
“هههههه…”
ضحك.
هذه المرة…
لم يكن يخفي شيئًا.
كانت ضحكة ممتدة…
مجنونة…
كأنها تعرف كل شيء… وتسخر منه.
“هل… عرفتني أخيرًا… أيها البيضة؟”
تجمدت ملامحي.
“البيضة…”
هذه الكلمة—
هذه اللعنة—
لم يقلها أحد… إلا—
ارتجفت شفتاي.
لأول مرة…
رفعت رأسي بالكامل.
لأول مرة…
نظرت إليه… حقًا.
ليس كظل…
ولا كخطر…
بل… كشيء موجود.
الكائن…
كان هناك.
بكامل هيئته.
بكامل بشاعته.
وبكامل… وعيه.
ولأول مرة…
سمعت صوته…
بوضوح.
بدون حواجز.
بدون تشويش.
بدون تلك المسافة التي كانت تفصلني عنه دائمًا.
“يجب أن أشكرك…”
قالها.
بهدوء.
ببطء.
خطوة.
اقترب أكثر.
الأرض تحت قدمه… تشققت بصمت.
“لقد… حررتني.”
سقطت الكلمات…
ثقيلة.
مفهومة.
ومرعبة.
قلبي…
توقف للحظة.
“حررتك…؟”
همست.
صوتي بالكاد خرج.
ضحك بخفة هذه المرة…
ثم انحنى قليلًا.
قبعته الكبيرة مالت…
وظله… انزاح قليلًا—
شيء…
تحتها…
تحرك.
لم أرَه بالكامل…
لكن—
رأيت ما يكفي.
عينان.
أو… شيء يشبه العينين.
فراغان… عميقان…
لكن داخلهما…
كان هناك…
وعي.
“آه…”
قال.
“يبدو أنك لا تتذكر… بالكامل.”
اقترب أكثر.
الهواء حولي… اختفى.
“تلك اللحظة…”
صوته أصبح أخفض.
“حين كُسر القيد…”
ثم—
رفع إصبعه.
مخلب أسود… طويل…
توقف… أمام جبيني.
“كنت أنت…”
همس.
“المفتاح.”
تجمدت.
عقلي… توقف.
“أنا…؟”
لم أكمل.
لم أستطع.
ضحك مجددًا—
لكن هذه المرة…
بهدوء.
مرعب.
“نعم…”
مال برأسه قليلًا.
“أنت.”
صمت.
ثم—
ابتسامته اتسعت.
ببطء.
بشكل… غير طبيعي.
“والآن…”
قالها.
“بعد أن حررتني…”
اقترب أكثر.
قريب… جدًا.
حتى شعرت بأنفاسه…
تلامس وجهي.
باردة.
ثقيلة.
“هل تعلم… ماذا يحدث… للمفاتيح…؟”
سكت.
لحظة.
ثم—
همس.
“…بعد فتح الباب؟”
سقط الصمت بيننا كجثةٍ باردة… لا روح فيها، ولا معنى.
حدقتُ فيه… في ذلك الكيان الذي لا يمكن وصفه، ولا يمكن تجاهله.
كانت أجنحته الزرقاء تتحرك ببطء، كأنها تموجات بحرٍ خانق، فيما ظله يغطي الأرض من حولي، يبتلع الضوء القليل المتبقي في تلك الغابة الملعونة.
كلماته… كانت كالسكاكين.
لم تكن تهديدًا.
كانت… حقيقة.
أطبقتُ على أسناني بقوة… حتى شعرت بطعم الدم في فمي.
” يمكنك ان تقتلني .. لم اعد اهتم ” قلت
” ههههه ” صدح الضحك عاليا ..
” كلا ” همس ..
ثم أضاف ..
” بل اريد انتقامك ”
“الانتقام…؟” همستُ، بصوتٍ أجش، كأنني لم أستعمله منذ زمن.
ضحك.
ضحكة بطيئة… ثقيلة… خرجت من صدره كأنها تُسحب من قاع بئرٍ عميق.
“عنهم جميعًا…” قال، وهو يميل برأسه قليلًا.
“عن تلك الفتاة التي كانت تقف بجانبك دائمًا… بعنادها المزعج.”
ارتجف جسدي.
“مونالي…”
همس الاسم خرج من شفتي دون إرادة… كأن روحي نطقته، لا لساني.
“وعن تلك الأخرى…” تابع، بنبرةٍ ساخرة.
“التي كانت تبتسم لك وكأن العالم لم يكن يحترق من حولها.”
شدّ قلبي بعنف.
“لويس…”
“وذلك الأحمق الصلب…” أضاف، وهو يرفع إحدى مخالبه ببطء،
“الذي وقف حتى آخر نفس… كأنه يرفض أن يسقط.”
أغلقت عيني.
“جو…”
“وسومان… الزعيم… البقية…”
توقّف قليلًا… ثم اقترب خطوة.
خطوة واحدة فقط…
لكن الأرض اهتزت تحتها.
“جميعهم… ماتوا.”
فتحت عيني بعنف.
“اصمت…!” صرخت، لكن صوتي خرج مكسورًا… ضعيفًا…
كأن حتى غضبي… لم يعد يملك القوة.
اقترب أكثر.
حتى أصبحت أنفاسه… تضرب وجهي.
رائحة العفن… الدم… والشيء الذي لا يمكن وصفه.
“لم يمتوا فقط…” همس.
“لقد سُحقوا.”
ارتجفت يدي.
“أنت رأيت ذلك…” تابع، بنبرةٍ أهدأ… أخطر.
“رأيت كيف سقطوا… واحدًا تلو الآخر… وأنت—”
توقف.
ثم انحنى قليلًا… حتى أصبح وجهه قريبًا جدًا مني.
“—لم تستطع فعل شيء.”
سقطت الكلمات عليّ… كحكم إعدام.
انكمش صدري…
وشعرت بشيء داخلي… ينكسر.
ليس مرة واحدة…
بل مرارًا… بلا توقف.
“أنا…” تمتمت… لكن الكلمات خانتني.
ماذا أقول؟
أنه كان خطأي؟
أنني كنت ضعيفًا؟
أنني… نجوت؟
نجوت.
ذلك كان أسوأ شيء.
ضحك الوحش مجددًا… لكن هذه الم
رة، لم تكن سخرية فقط…
كانت… متعة.
“هذا ما يعجبني…” قال.
“هذا الانكسار… هذه الكراهية…”
رفع يده ببطء… وأشار إلى صدري.
“كلها… هنا.”
شعرت بشيءٍ يتحرك داخلي…
كأن ظلالًا بدأت تزحف في أعماقي.
“أنت لا تريد الموت…” همس.
“أنت فقط… تريد أن تهرب.”
ارتعشت حدقتاي.
“لكن الهروب انتهى…”
“الآن… لم يتبقَ لك سوى طريق واحد.”
صمت.
ثم—
“الانتقام.”
كلمة واحدة.
لكنها… كانت كافية.
شعرت بقلبي ينبض بعنف… لأول مرة منذ أن استيقظت.
ليس ألمًا…
بل… شيئًا آخر.
غضب.
بطيء… ثقيل… لكنه حقيقي.
رفعت رأسي قليلًا… نظرت إليه مباشرة.
لأول مرة… لم أشيح بنظري.
لاحظ ذلك.
ابتسم.
ابتسامة مشوهة… واسعة… مرعبة.
“ها قد بدأنا…” قال بهدوء.
“لن اساعدك… في لعبتك ” قلت، بصوتٍ منخفض… لكنه ثابت.
لم يغضب.
لم يسخر.
بل… ضحك.
“لن تفعل؟”
“أنت لا تحتاج مساعدتي…”
ثم أشار إلى داخلي.
“كل ما تحتاجه… موجود بالفعل.”
شعرت بتلك الظلال تتحرك مجددًا…
أعمق… أقرب… أخطر.
“ما الذي تريده مني…” سألت.
صمت لثوانٍ.
ثم—
“أريد أن أراك…”
“تعود.”
عبست.
“أعود ؟”
“نعم…”
“لكن ليس كما كنت.”
انحنى أكثر… حتى همس في أذني.
“أريدك أن تعود… ككارثة.”