الفصل 103 - الاحمق الذي ظن انه قادر
الفصل 103 – الاحمق الذي اعتقد انه قادر
.
“أخيرًا…”
لم تكد قدماي تلامسان الأرض حتى اندفعت مونالي نحوي…
احتضنتني بقوة.
“سيدي…” همست.
كان رأسها مستقرًا فوق كتفي. لم أرَ وجهها…
لكن صوتها كان مبحوحًا.
“هل تبكين؟” سألت بهدوء.
“ولِمَ لا أبكي…؟ سيدي انتصر على الغزو الكبير… بالطبع سأبكي لسلامته.”
“يا له من شعور جميل…”
همستُ، ووضعت يدي فوق رأسها، أربّت عليها بخفة.
دون وعي…
تسللت إلى ذهني ذكرى أول مرة التقينا فيها.
كانت صلبة… قاسية بشكلٍ لافت.
أما الآن…
فهي -في نظري- أصلب من ذلك بكثير.
بدأ الجميع يقتربون واحدًا تلو الآخر.
الفرح… كان يملأ العيون.
وحتى الآن…
لم أستوعب ما حدث.
كيف… تمكّنا من هزيمة هذا العدد من السادة؟
“أمر عظيم… عظيم بحق.” تمتمت.
“ماذا؟” همست مونالي.
“لا شيء.” ابتسمت. “قد يعتقد الجميع أنك تحبينني.”
ضحكت.
كانت لا تزال ملتصقة بي… أقرب لأن تكون منطرحة في أحضاني.
“وماذا إن اعتقدوا؟ هؤلاء الحمقى لا يهمون.” قالت بخجلٍ ساخر، ثم التفتت جانبًا.
“من هم الحمقى؟”
دخلت لويس، قاطعت الحديث، وكانت أول الواصلين… تبعها البقية.
“سيدي… أنت بخير؟” سأل جو.
“أنا بخير. معركتك كانت مذهلة… جعلت جسدي يرتجف وأنا أراك تقاتل. أحسنت.”
ابتسم جو.
“شكرًا لك سيدي… لكن معركتك كانت أشد. قوتك أصبحت مرعبة.”
“ألم ترَ معركتي؟ أم كنت تراقب أحدًا من بعيد؟” التفتت لويس نحو مونالي. وكأنها تقصدها.
“هل هي… غيورة؟” همست داخلي، وابتسمت دون وعي.
“بالطبع رأيت معركتك. كانت رائعة. كيف تمكنتِ من تحليل خصمك بذلك الشكل؟ أمر مذهل حقًا.”
مددت يدي نحوها.
“هل تريدين أن أربّت على رأسك؟”
“لا.”
انفجر الجميع بالضحك.
كانت لحظة هادئة… دافئة…
نادرة.
رفعت بصري نحو الشبكة.
” الوقت… هل كان يوشك على الانتهاء.؟ ” همست.
ما الذي سيحدث بعدها؟
لا أعلم…
لكن بموت السيد… ربما انتهى كل شيء.
“هل تسمعني؟” همست داخلي.
لا أحد يعرف أكثر من… وحش الخداع.
انتظرت.
لا رد.
“أين اختفى…؟ هل يستريح؟”
لم يكن هنالك رد.
ارتعش جسدي لوهلة .. برد بسيط أصاب جسدي .. التفت نحو السماء ..
” الربيع ” قلت .. نظر الآخرين نحوي .. اضفت ” حل محله الشتاء ؟ ”
كانت الغيوم تتراكم .. همسات البرد تتجمع والشمس تختفي تباعا ..
فجأتا ..
ضربتني مجددا قشعريرة باردة في ظهري.
الهواء… تغيّر بتسارع
الربيع الذي كان يملأ المكان… بدأ يبهت.
“غريب…”
ربما تلك البوابات جعلت الطبيعة تتغير هنا.. حسنًا لا بأس بشيء من البرود___
“سيدي!!”
ابتعدت مونالي عني فجأة..
وسقطت.
“مونالي؟!”
صرخت.
“آآه…!”
“آآآه” صرخة أخرى.. فمها لا يتحرك
“آآآآه”
التفتُّ.. لم تكن صرخة مونالي
كانت صرخة لويس..
ثم.. جو
“آآآآه”
ازداد الصراخ..
الجميع.. سقطوا فجأة..
التفتُّ يمينًا.. شمالًا.. لا اعلم ما الذي يجري .. عقلي غرق في عدم اليقين ..
البرد.. ضرب ظهري مجددًا..
“ما الذي يجري؟”
كان الجميع ملقى يصرخ..
لا أحد فيهم يتحرك.. فقط صرخات.. قاتمة..
حواسي جميعها.. استنفرت
لم يكن هنالك أي شيء.
لا عدو…
لا طاقة…
لا أثر…
فقط..
الصرخات… والبرد.
ثم..
الظلام…
اختفى كل شيء.
لم أعد أرى.
فقط… أسمع.
فعّلت فن الشعلة.
لا فائدة.
ثم فجأة.
عاد الضوء.
لكن…
البرد… تضاعف.
الربيع قد ولّى..
فجأة دون سابق إنذار
“جسدي؟!”
صرخت.
لم يعد يستجيب.
شيء ما… يقترب.
لا أراه.
لكن.
كل خلية في داخلي… تصرخ.
“هو… هو… هو…”
صوت نباح.
التفتُّ.
“ما هذا؟…”
“هل أتخيل؟ من أين—”
رفعت بصري إلى السماء.
وتجمدت.
“…!”
انحبس نفسي.
“ما هذا ماذا بحقك…”
نزلت الدموع كالشريان بلا سيطرة
حتى المخاط رافقها أسفل ذقني
“ما الذي أراه” صرخ عقلي عبثًا
لم تكن بوابة.. لم يكن خيط أسود ينبثق..
خمس..
خمس مخالب.. سوداء كالليل.. هائلة كالجبال
أمسكت السماء..
ثم.. عصرتها..
كالغطاء..
مزقتها بعنف كأنها بطانية..
“ما هذا الجنون؟”
“آآآآه”
عقلي فقد جأشه..
جسدي.. يرتجف
كأن القطب الجنوبي قد هاجمني في ليلة حالكة السواد.
تحركت المخالب..
مزقت السماء..
ثم…
تلاشت..
تركت السماء ممزقة..
ثم..
“هو هو هو”
صاح النباح مجددًا..
“جعموص؟” همست..
“جعموص؟”
“أين كنت؟ ”
” لم؟ لم الآن أتذكرك؟”
لم اعد افهم شيئا ..
كم شهر مر .. لم ار فيها جعموص ؟
لقد نسيته .. نسيته تماما ؟ كيف حدث ذلك
قفز جعموص من بين السماء الممزقة.. ركض نحوي
كان يركض في السماء..
ينبح بصوت عال
ثم.. ارتمى تحت قدمي.. يحك فيهما
{ دييينغ.. دييينغ.. دييينغ }
{ المهمة فائقة السرية المؤقتة تحت التفعيل }
{ ضحِّ بالرتب للتخلص من السيطرة }
{ لديك خمسة أيام }
{ دييينغ.. دييينغ.. دييينغ }
{ انتهى وقت المهمة }
“ماذا؟؟”
“ما الذي يجري؟ ما هذه؟”
“هل.. هل تكرر أمر مهمة التنقيب؟ ولكن…”
في السماء..
موجة برد قوية أتت سريعًا..
من الشقوق الممزقة للسماء..
ظهر الظل بعيدًا كالدهر البعيد..
حتى بدأ يقترب.. وأصبح قاب قوسين..
حملت الريح الجسد الظلي..
حتى اقترب..
تحركت القدم اليمنى ودخلت من الفراغ الممزق نحو المساحة..
انفجر الصوت عنيفًا…
عشرات الآلاف من الحيوانات التي لا أعلم بوجودها في المساحة..
صرخت بعنف.. تصاعدت الأصوات وسقطت المساحة في الضوضاء القاتلة..
عبر الجسد الظلي للكيان
لم يكن وحشًا ولم يكن بشرًا..
لم يكن شيئًا أعرفه أو تخيلته..
لم استطع تحديد ماهيته ..
الهالة السوداء حوله…
كالدخان الأبدي.
كتلك السحب الدخانية التي تخرج من آبار النفط وتستمر بالاشتعال بلا هوادة..
اخفته تماما ..
دفع الكيان نفسه نحو المساحة..
بطيئًا وسريعًا.. هادئًا وصاخبًا..
لا أعرف
عقلي سقط في الجحيم
لم يعد يحسب
لم يعد يعي
فمي مفتوح.. على مصراعيه
حتى مع معرفتي بذلك
لم أغلقه
” لا تفعل.. ” قال عقلي
” ربما تسيء له ”
كانت جزيئات كياني كلها تصرخ.. طلبًا للمغفرة..
لأي خطيئة؟
ليس لأي واحدة.. بل لأنها وجدت بوجود هذا الكيان..
دخل الجسد بالكامل..
ازداد الضجيج عنيفًا..
رفع جانبه اليمين.. رفع الدخان الأسود
ثم..
لم يكد الوقت يمر لهمسة.. حتى
حل الظلام حول الجانب الأيمن بالكامل..
الصوت..
صمت..
لقد قطع الجانب الأيمن للمساحه بالكامل..
محاه.. جعله غبارا منسيًا..
“هل يوجد شيء كهذا حقًا؟” صرخت داخلي
رفع جانبه الأيسر..
حل الظلام.. حل الصمت
التفتُّ للخلف..
كانت عيناه تبحثان عن الصوت..
كان الضجيج..
من خلفي..
“اصمتوا” صرخت بحرقة
اقترب الكيان..
التفتُّ مجددًا..
عيناه..
سقطتا في عيني
لم يكن يملك عينين..
كان يملك.. صحراء
الصحراء كانت عينيه.. أم عينيه كانت هي الصحراء؟
“هو هو هو”
“جعموص؟” التفتُّ..
كان يقف أمامي.. ينبح.. نحو الكيان..
“اصم__”
“هوووو”
“آآآآآآه”
“جعموووص”
ارتطمت قدمه في وجهي..
البقية..
اختفت..
قام بسحقه .
“آآه” صرخات من الجانب كانت عنيفة وقوية..
التفتُّ..
المقاتلون العشرة.. قربهم ثلاثون جنديًا صخريًا
افترشوا الأرض.. يصرخون بألم.. الدم والدموع خرجت بلا توقف..
“اصمتوا” همست.. بالكاد خرج صوتي
ارتفع الدخان الأسود
“لااا_”
حل الصمت عندهم..
“آآآآآه” صرخت
إنه حلم.. نعم حلم
أجساد الجميع قُطعت.. تناثرت وثرمت معًا.
التفتُّ.. الدمع والمخاط والدم يغزو جل جسدي..
كان صراخ زعيم الصخور عاليًا.. بالكاد نظر لأتباعه وأجسادهم المقطعة..
“لا.. لا تصرخ”
ارتفع الدخان مجددًا..
اندفع ببطء.. نحو الزعيم
أحاط به..
“لاااا” بالكاد رفعت يدي
سووووش
لقد عصر الزعيم..
مزق جسده لألف قطعة..
“لم تفعل ذلك؟ توقف.. أرجوك”
صرخت.. “أرجوك توقف”
اتجه الدخان نحو سومان..
“سيدي” صرخ سومان.. كان يمسك رأسه ألمًا.. عيناه مغرورقتان في الدماء..
“سيد__”
“لاااا”
“أرجوك.. لاااا توقف.. سأمنحك كل شيء”
عيني اتبعت الدخان.. تترجاه دون أمل
استمر بالمسير..
“اهرب سيدي” صرخ جو.. قاوم الألم ووقف..
تحرك.. نحوي..
حتى أمسكه الدخان
“لا.. جووو”
سوووووش
“لاااا.. ما الذي تريده.. أنا آسف.. أرجوك.. اتركهم”
“سيدي..” ابتسمت لويس.. بالكاد وقفت.. بكل ما تملك.. ابتسمت.. “اللعنة عليك___”
“أرجوووك”
“لااا.. لااا”
آآه..
قاومت بعنف.. وقفت..
خطوة.. خطوة
مونالي..
تبعد خطوتين أو ثلاث
اللعنة عليك تحرك.. تحرك
مددت يدي..
مدت مونالي يدها..
عيناها كانتا تتجهان نحوي..
دمعة واحدة نزلت.. فقط واحدة
كان الدخان حولها
“لاا.. أرجوك خذني بدلها.. أرجو___” سقطت..
في يدي.. يدها.. فقط
“ما هذا الجحيم”
“هيا اقتلني.. اقتلني أيها اللعين”
توقف الدخان.. عاد للكيان
ارتفع مجددًا..
نحو الشبكة.. أحاط بها
فجأة..
ظهر مؤقت… كان يحوي عديد الساعات..
تسارعت الساعات وانخفض المؤقت..
10 ساعات
5
4
3
2
1
30 دقيقة
10 دقائق
دقيقة
توقف المؤقت..
الثواني عادت للتناقص بشكل طبيعي
ترك الدخان الشبكة..
قام بتسريع مفعول السرقة..
اتجه الدخان مجددًا نحوي..
“هل كان هذا هدفك.. سرقة كل شيء.. أيها اللعين.. لقد ترجيتك.. أن أعطيك كل شيء.. لقد قمت بقتل أعزائي..”
“أيها اللعين..”
جمعت قوتي.. أخرجت سيفي..
تحركت..
تحرك الدخان نحوي
خطوة مني
خطوة منه
“أيها اللعين.. هلمّ إلي”
أحاط الدخان بي..
اختفى السيف..
آآآآه..
شعور القطع..
زحف.. ببطء
آآآآه
يقطعني..
ألم قاتم.. فظيع.. أصابني
ولكن..
لأول مرة.. لا أهتم
لن أسمح له..
لن أسمح له بأن يرى خوفي..
فتحت عيني..
“اقطعني أيها الحقير”
“اه”
لا تصرخ.. أيها الجسد اللعين..
إنه الموت.. تقبّله كرجل
“هههههه.. هيا اقتل__”
.
.
نهاية المجلد الأول
(الأحمق الذي ظن أنه قادر)