الفصل 85 - الكل للفرد
الفصل 85 – الكل للفرد
…
وقف الجنود العشرة. صفٌ واحد. لكن- لم تكن ملامحهم متشابهة. بل كانت شيئاً واحداً فقط. الغضب. غضبٌ قاتم. ثقيل. صامت. ذلك النوع من الغضب الذي لا يصرخ. بل يقرر. الغضب الذي يجعل صاحبه مستعداً. للنزول إلى الجحيم. فقط ليصل.
في السماء- وقف سيد الرتبة الثالثة. عالياً. ثابتاً. كإشارة خطر لا تخطئها العين. شعره الثلجي كان يتطاير مع الرياح. وعيناه تنظران إليهم باهتمام واضح.
ثم- ابتسم. ابتسامة باردة. وقال بسرعة، كأن المشهد أمامه ممتع:
“إنها نظرات جميلة. تلك التي على وجوهكم.”
توقّف لحظة. ثم أضاف، بنبرة إعجاب حقيقي:
“لو كنت أملك طريقة لجعلكم أتباعاً لي. لما ترددت.”
اتسعت ابتسامته.
“أنتم. كتيبة مميزة.”
كان ذلك. مدحاً. مدحاً من سيد رتبة ثالثة. لمجموعة من المقاتلين الأدنى. لكن- لم يكن له أي أثر. بل العكس. اشتعلت العيون أكثر. ازداد الغضب. كأن كلماته كانت وقوداً.
“أتقلل منا أيها اللعين؟!”
صرخ أحدهم، وصوته مشحون بالاحتقار.
“أتباع لك؟!”
صرخ آخر، أكثر حدة:
“أنت لا تساوي. قيمة حشرة بالنسبة لنا!”
لكن. السيد لم يهتم. لم يتغير تعبيره. ما زال مبتسماً. هادئاً. كأن كل شيء يسير كما يريد.
وفجأة. تحرك الجنود. اقتربوا من بعضهم. تجمّعوا. ببطء. بحذر. بنية واضحة.
“يجب أن نفعلها.”
قال أحدهم بصوت منخفض.
“ألا يوجد حل آخر؟”
رد آخر، بنبرة مترددة.
“كلا. مهمتنا هي هذه.”
صمت قصير. ثم
“هل لدى أحد اعتراض؟”
لحظة. ثم
“كلا.”
لم يكن صوتاً عادياً. بل صوت داخلي. جميعهم أجابوا. في لحظة واحدة. تواصل عقلي. صامت. مغلق. لا يمكن اختراقه.
في السماء كان السيد يراقب. لم يسمع شيئاً. لكن عينيه ضاقتا. شعر بشيء. لم يفهمه. لكن أحسّ به.
في الأسفل تشكّل الجنود كدائرة. وفي المركز وقف لوجان. تنفس ببطء.
ثم فجأة. خيوط زرقاء خرجت من جسده. دقيقة. لكنّها كثيفة. اندفعت نحو رفاقه. ارتبطت بهم. واحداً. تلو الآخر.
“الكل. للفرد.”
همس لوجان.
وفي اللحظة التالية فُعِّلت القدرة. فجأة بدأ تراكم المقاتلين التسعة ينخفض. بشكل حاد. أجسادهم ارتجفت. سقط بعضهم على ركبهم. أصوات ألم مكبوتة خرجت. لم يصرخوا. لكن الألم كان واضحاً.
كان. يُسحب منهم. قوة. طاقة. شيء عميق. كل ذلك يندفع نحو لوجان.
وفي جسده بدأَت الطاقة تتكدس. تغلفه. تضغط عليه. عضّ على أسنانه. جسده. وصل حدوده. لكن
“ليس بعد!”
صرخ داخله.
وسحب المزيد. كل دفعة كانت كأنها نار تحترق داخله. ألم حاد. يمزق. يحرق. لكنّه لم يتوقف.
في الأسفل سقط الجنود. واحداً تلو الآخر. أجسادهم التوت. أنفاسهم ثقيلة. لكن أعينهم. ما زالت مشتعلة. نفس الغضب. نفس الإصرار.
ثم توقفت الخيوط. انقطعت. وسقط الجميع. فاقدي الوعي.
بقي لوجان وحده. وقف ببطء. رفع يده اليمنى. ثم اليسرى. حرّكهما. كأنه يختبر جسده الجديد. ابتسامة هادئة ظهرت.
لكن عينيه لم تكن هادئة. كانت عميقة. وقاتمة.
في السماء. تغير تعبير السيد. ركّز نظره. هذه المرة. بجدية.
“هجوم تضحية.”
همس. ثم أضاف:
“هذا النوع. لا يمكن التنبؤ بقوته.”
وفجأة. قفز لوجان. عشرة أمتار. عشرون. ثلاثون. حتى. توقف في الهواء. كأنه يقف على أرض غير مرئية.
لم يكن بعيداً عن السيد. لكن. حصان الكارثة كان بينهما. رفع لوجان يديه كلتاهما. ومن كفيه خرج بخار غريب. فضي. يميل للسواد. تتخلله خطوط. كالجذور. بدأ ينتشر. ببطء. ثم. يتسع. يتقدم نحو الهدف.
في تلك اللحظة. رفرف حصان الكارثة بجناحيه. رياح عاتية انفجرت. مزقت الهواء. تطاير البخار. اختفى. تلاشى.ضحك السيد.
“هل هذا هو هجومك-”
لكن. توقف. فجأة.
البخار. عاد. لكن ليس أمامه. بل. حول الحصان. من كل جهة. أحاط به. التصق به. فوق جناحيه. حول عنقه. تحت حوافره. كأنه. جزء منه.
اتسعت عينا السيد.
“ما هذا؟”
اندفع الحصان. حاول الابتعاد. لكن- البخار لم ينفصل. بقي معه. ملتصقاً.
ثم. صرخ الحصان. صرخة مشوهة. بدأ جسده يتلوى. يرتجف. رفرف بجناحيه بعنف. الرياح عادت. أقوى. لكن بلا فائدة.
بعد لحظات بدأ يهبط. ببطء في البداية. ثم. سريعاً.
بوووووم!
اصطدم بالأرض. ارتجت الساحة. الغبار انفجر. وفي وسطه. كان الحصان. لكن. لم يعد كما كان. جسده يتحلل. يتفتت. قطعة. بعد قطعة. أجنحته. ذبلت. تمزقت. صرخ. رفس. حاول النهوض. لكن لم يستطع.
رفع السيد يده. طاقة تجمعت حولها. استعد للهجوم. لكن. توقف. نظر. بصمت. حصان الكارثة. مات.
اختفى الضباب. تلاشى كما لو أنه لم يكن موجوداً قط.
وفي تلك اللحظة تغير وجه سيد الرتبة الثالثة لأول مرة. لم يعد هادئاً. لم يعد مبتسماً. بل سقط الغضب على ملامحه. غضب ثقيل. خانق. حقيقي.
“أيها اللعين.”
شخر بعنف، وصوته خرج مشوهاً من شدة الاحتقان.
عيناه تحركتا نحو الأرض. نحو المكان الذي سقط فيه. حصانه. وحش الكارثة. رفيقه. وسلاحه الأثمن.
ذلك الوحش الذي لم يكن مجرد قوه. بل استثمار عمر. موارد لا تُحصى. تضحيات لا تُعد.
سنوات من المخاطرة. والقتل. والصفقات القذرة.
كل ذلك. اختفى. في لحظة واحدة. دون أن يستطيع حتى. نقاذه.
ارتجفت يده. تقلصت عضلات وجهه. الغضب بدا كأنه سيخرق جسده من الداخل.
وللحظة. كاد يندفع. كاد يفقد السيطرة. لكن. تماسك. بصعوبة.
ثم فجأة. رفع لوجان يده مجدداً. عاد الضباب. خرج من كفيه ببطء. امتد وزحف في الهواء متجهاً نحو السيد.
لكن. السيد لم يتحرك. بقي واقفاً. ثابتاً. عينيه ضاقتا.
“هذا الضباب.”
همس.
أفكاره كانت متشابكة. الغضب كان يضغط عليه. لكن عقله- لم يتوقف.
تنفس ببطء. طويلاً.
ثم- هدأت ملامحه. عاد إلى نفسه.
هو ليس مجرد مقاتل. هو- الشعر الثلجي. أحد أعمدة طائفة السنونو. سيد رتبة ثالثة منذ خمس سنوات. قاتل خاض مئات المعارك. رجل- لا يعيش دون تحليل.
تحركت أفكاره بسرعة.
“عندما هاجم الحصان. اختفى الضباب.”
عيناه تحركتا نحو لوجان.
“ثم ظهر. محيطاً به.”
توقف.
“هل كان الهجوم هو المحفز؟”
سكت لحظة.
“أم أن الضباب كان سيتحرك على أي حال؟”
ذلك التردد- جعله يتأخر. لم يقرر. لم يندفع. ولم يتراجع.
لكن- في لحظة. تحرك. اندفع. إلى الجانب أولاً. ثم- نحو لوجان مباشرة.
تجاهل الضباب. لم يهتم به. ركّز هدفه- لوجان.
لكن- فجأة. الضباب. تحرك. أحاط به. من كل اتجاه. التف حوله. كقيد غير مرئي.
“اللعنة عليك.”
همس السيد.
وفي تلك اللحظة- وصله صوت لوجان. خشن. قاتم. صلب.
“هل ظننت. أن الضباب يهاجم من يهاجمه؟”
توقف السيد. ولو لجزء من لحظة.
“أنت مخطئ.”
أكمل لوجان.
“الضباب. يهاجم من يهاجمني.”
“كاذب.”
رد السيد فوراً.
“الحصان هاجم الضباب.”
ابتسامة خفيفة ظهرت على وجه لوجان. رغم الدم الذي بدأ يظهر عند شفتيه.
“الريح.”
همس.
“اتجهت نحو الضباب.”
عيناه ثبتتا على السيد.
“وأنا كنت خلفه.”
توقف لحظة.
“كانت ريحاً عاتية. كانت ستصيبني. ولو بشكل بسيط.”
ثم- ابتسم أكثر.
“وهذا. كان كافياً.”
في تلك اللحظة- سقط السيد في الشك. وقع. تماماً كما أراد لوجان.
وفجأة- شعر بها. شيء بسيط. حكة. خدر خفيف. في جسده. لم يكن مؤلماً. لم يكن واضحاً. لكن- كان موجوداً. وهذا وحده. كان كافياً لإثارة القلق.
وسط الضباب- تحرك السيد مجدداً. نحو لوجان. قرار واضح تشكل داخله: إنهاء المصدر.
فجأة- وجد نفسه. بعيداً. ثلاثون متراً. توقف.
“ما الذي يجري؟!”
شخر بعنف. اندفع مجدداً. نحو لوجان.
لكن- مرة أخرى. حمله الضباب. أبعده. كما لو أن هناك يداً غير مرئية. ترفض اقترابه.
الحكة ازدادت. الخدر امتد. وببطء- بدأ يشعر بشيء آخر. تعب.
في الجهة الأخرى- كان لوجان. ليس بخير أيضاً. الدم بدأ يسيل من فمه. قطرات حمراء تسقط في الهواء. جسده يهتز. لكن- ما زال واقفاً.
نظر إليه السيد. ثم- ابتسم.
“يبدو.”
همس بهدوء بارد.
“أنك ستسقط قبلي.”
ثم- ركز طاقته. بعمق. بهدوء. بخبرة خمس سنوات.
في لحظة- تحرك تراكمه داخل جسده. ثم- خرج. لم يكن هجوماً. لم يكن درعاً. لم يكن تقنية. بل- تحكم خالص.
طاقة شفافة. أحاطت بجسده. غلاف رقيق. لكن- متماسك. مضغوط. مسيطر عليه بدقة.
هذه ليست حركة قتال. بل- مستوى أعلى من السيطرة. شيء لا يعرفه إلا من عاش داخل قوته. لسنوات.
بالنسبة للهجمات التي تدخل الجسد. السم. التآكل. الطاقة المتسللة- كان هذا. حائطاً.
وفجأة- اختفى الشعو
ر. الحكة. الخدر. التعب. كلها. تلاشت.
وقف بثبات. نظره عاد حاداً.
أما- على بعد ثلاثين متراً- كان لوجان. في حالة مختلفة تماماً. فمه ممتلئ بالدم. أنفاسه متقطعة. جسده. يكاد لا يحمله.
وقف للحظة. ثم- ترنح. مرة. ثم أخرى. ثم- فقد توازنه. وسقط. من السماء- نحو الأرض.