الفصل 86 - ثمن
الفصل 86 – ثمن
..
فجأة، وقبل أن يصطدم جسده بالأرض، توقف لوجان. تجمد في الهواء لوهلة قصيرة، وكأن قوة خفية شدّته من السقوط في آخر لحظة.
ثم تقيأ الدم بعنف. اندفع الدم من فمه على شكل دفعات حارة، تناثرت في الهواء، بينما صدره يرتفع ويهبط بجنون.
لكن رغم ذلك، شخر. شخر بصوت خشن، يحمل شيئاً غريباً.
حماس.
جسده كان ينهار. أنفاسه كانت متقطعة، وعيناه بالكاد مفتوحتان. لكنه ما زال يقاتل.
ببطء، بدأ يهبط. هذه المرة لم يسقط، بل نزل بسيطرة، حتى لامست قدماه الأرض.
بمجرد أن ثبت، سحب نفساً عميقاً، طويلاً، كأنه يحاول سرقة ما تبقى من الهواء في العالم.
ثم رفع يده، ومن كفه انفجرت موجة جديدة من الضباب. أكثر كثافة، أثقل، أعمق لوناً.
اندفعت نحو السماء، نحو سيد الرتبة الثالثة. وصلت إليه، وفي اللحظة التي لامسته ازداد الضغط. الطاقة التي كانت تحيط بالسيد، ذلك الغلاف الذي شكّله من تراكمه، بدأ يضعف.
الضباب لم يكن مجرد طاقة. كان شيئاً يتسلل، يخترق، يأكل.
كل لحظة تمر، كان يستهلك المزيد. وفي الأسفل، كان لوجان يدفع الثمن. جسده بدأ يخذله. عضلاته ترتجف، ورؤيته تتشوش. ركبتاه انثنتا، وسقط عليهما.
لكن لم ينهَر. لم يسقط تماماً.
بقي واقفاً على ركبتيه. رأسه منخفض، وأنفاسه ثقيلة. لكنه ما زال يسيطر. ما زال يوجه الضباب، ما زال يدفعه نحو الأعلى، نحو هدفه.
في تلك اللحظة، لم تعد المعركة هجوماً ودفاعاً. تحولت إلى شيء أبسط، وأقسى.
من جهة، سيد يدفع بتراكمه. يضغط، يستهلك نفسه ليمنع جسده من التآكل. ومن الجهة الأخرى، مقاتل جسده ينهار بسبب قوة لم يُخلق لتحملها. ومع ذلك، يستمر.
مرّت اللحظات بطيئة، ثقيلة، مؤلمة. ومع كل ثانية، كان لوجان يضعف أكثر. جسده انحنى، وكتفاه هبطتا، ورأسه كاد يلامس الأرض.
لكن الضباب لم يتوقف، بل ازداد شراسة، كأن إرادته وحدها هي ما يبقيه حياً. لم يكن لوجان سيداً. لم يكن من النواب، لم يكن حتى قريباً من صفوف القمة.
كان تابعا. مجرد تابع بسيط. لكن في تلك اللحظة، إصراره فاق السماء. حتى في وسط الضباب، شخر سيد الرتبة الثالثة غضباً وضيقاً.
“ما هذا الجنون؟”
همس. صوته لم يعد ساخراً.
“إنه يتجه للموت بنفسه.”
توقف لحظة.
“…أي ولاء هذا؟”
عضّ على شفتيه. الضغط ازداد. دفع تراكمه أكثر، أكثر، أكثر. بدأ العرق يتساقط من جبينه، قطرة ثم أخرى. والشعور عاد. ذلك الشعور المزعج. حكة. خدر. يتسلل ببطء داخل جسده.
اشتدّ الصراع. لم يعد هناك اندفاعات، لا تقنيات متقنة، لا حركات سريعة. فقط تحمّل.
في السماء، داخل الضباب الكثيف، وقف سيد الرتبة الثالثة كتمثال يتآكل ببطء. الطاقة التي تغلف جسده بدأت تتآكل، طبقة بعد طبقة.
لم يكن الانهيار مفاجئاً، بل بطيئاً، قاسياً، ومؤكداً. وفي كل لحظة، كان يشعر بها. تراكمه ينقص. ليس دفعة واحدة، بل كأن شيئاً يمضغه من الداخل. يقتطع، يستهلك، بلا توقف.
شدّ أسنانه. دفع المزيد من التراكم. لكن كل ما يدفعه يُسحب، وكل ما يبنيه ينهار.
“تبا…”
خرجت الكلمة منه كزفرة غاضبة. وفي الأسفل، كان لوجان في حالة أسوأ بكثير. جسده منهار. ركبتاه بالكاد تحملانه. رأسه منخفض، وعيناه مغمضتان.
لكن الضباب ما زال يتدفق، ما زال يندفع، ما زال يضغط.
مرت لحظات أخرى. ثوانٍ بدت كأنها دقائق.
ثم بدأ التغير.
في السماء، اهتز جسد السيد هذه المرة بوضوح.
“لا…”
همس. شعر بها بشكل صريح. تراكمه بدأ يفلت بسرعة أكبر. لم يعد الأمر مجرد استنزاف بطيء، بل انحدار.
في تلك اللحظة، تحركت يده بسرعة. أخرج شيئاً من جيبه. كيس صغير. فتحَه، ومن داخله ظهرت حبوب خضراء، صغيرة، لكنها مشعة بطاقة خافتة.
نظر إليها لوهلة. صمت، كأنه يزن القرار.
ثم أخذ ثلاث حبات دفعة واحدة، ووضعها في فمه. بلعها. في اللحظة التالية، تدفقت الطاقة داخله. هادئة، لكن واضحة.
خمسة بالمئة لكل حبة.
خمسة عشر بالمئة عادت.
ارتفع تراكمه قليلاً. استقر جسده، وتنفس بعمق. الكيس كان ممتلئاً. ومع ذلك، لم يأخذ المزيد.
توقف. لأنه يعلم. يعلم جيداً. حبوب تكديس التراكم سلاح ذو حدين. تعيد ما فقده. نعم.
لكن تضغط على كثافة التراكم. تضعفه، تجعل طاقته أخف، أقل وزناً، وأقل قيمة.
بالنسبة للسادة، ليست الكمية فقط، بل الثقل. ثقل الطاقة هو ما يحدد الفرق بين سيد وآخر. هو ما يحدد من يهيمن، ومن يُسحق.
ولهذا، كثير من السادة يرفضون هذه الحبوب، حتى في أحلك اللحظات. لأنهم يعلمون أن فقدان التراكم يجعلهم ضعفاء. لكن فقدان ثقله يجعلهم فريسة.
منذ آلاف السنين، بحث السادة. حاولوا. جربوا ملايين الطرق، ملايين الخواص. قليل منها نجح، مثل هذه الحبوب.
وقليل جداً نجح أكثر، لكنه بقي محتَكراً في يد الطوائف الكبرى والرتب العليا. أما هو، الشعر الثلجي، فقد كان يعرف كل هذا.
نقاط القوة. نقاط الضعف. التفاصيل كلها. ومع ذلك، أُجبر. تنهد ببطء. ثم رفع طاقته مجدداً. الغلاف حول جسده اشتد. أصبح أكثر صلابة، أكثر كثافة.
دفع التراكم بكل ما يملك. وفي اللحظة التالية، ارتدت موجة معاكسة. ضغط ضد لوجان.
اهتز جسد لوجان بعنف. ثم تقيأ الدم مجدداً. دفعة أقوى، أكثر عنفاً. انحنى جسده. ركبتاه ارتجفتا. عيناه ما زالتا مغمضتين، كأنه يقاتل دون أن يرى، دون أن يشعر.
فقط يستمر.
وبالكاد بقي واقفاً.
اندفع الألم في جسد لوجان كعاصفة لا ترحم، لكنه رغم ذلك شدّ على أسنانه حتى كادت تتحطم.
ترنّح، كاد يسقط، لكنه رفض. ببطء قاتل، دفع نفسه واقفًا من جديد. جسده لم يعد جسد مقاتل، بل خريطة عذاب حيّة. جروح تمزّقت فجأة عبر جلده، شيئًا غير مرئي يقطّعه من الداخل والخارج في آنٍ واحد.
شقوق طويلة، تمزقات عميقة، وخطوط رفيعة تنزف ببطء. وكأنه مرّ داخل إعصار من الشفرات ولم يخرج منه بالكامل.
قطرات الدم لم تعد تسيل، بل كانت تنحدر بثقل، مختلطة بشيء داكن، كثيف، غير طبيعي. في الأعلى، كان سيد الرتبة الثالثة يراقب. أنفاسه لم تعد مستقرة. العرق بدأ يتجمع على جبينه وينساب ببطء على وجهه.
وعيناه ضاقتا أكثر. لم يكن خائفًا، لكن ما يراه لم يكن مريحًا.
“هذا… ليس طبيعيًا…” همس داخله.
رغم أن خصمه يتفكك أمامه، إلا أن شعورًا خفيًا، باردًا، بدأ يتسلل إلى صدره.
فجأة، بدأ الضباب. لم يعد يخرج من الهواء، بل من الجروح نفسها. من داخل جسد لوجان. خيوط رمادية داكنة، تميل إلى السواد، تسللت من التمزقات، كأن جسده لم يعد يحتفظ بما فيه.
خرجت ببطء، ثم بسرعة أكبر. تراكمت، تجمعت، حتى بدأت تتشكل غمامة. ليست كسابقاتها.
أكبر. أثقل. أعمق.
غمامة لا تتحرك، بل “تتواجد”. تغلف لوجان، تحيط به، تلتصق به كأنها امتداد لروحه المتآكلة. في تلك اللحظة، مدّ سيد الرتبة الثالثة يده بسرعة.
أخرج حبوب التراكم. عيناه ثبتتا على الغمامة. انتظر. لكن لم يحدث شيء. لم تندفع. لم تهاجم. بقيت هناك، صامتة، تتنفس ببطء.
جسد لوجان بدأ يتغير. لون غريب تسلل إلى جلده، لون بين الرمادي والأسود. ثم بدأت أصابعه. واحدة تلو الأخرى، تتحول. الجلد تشقق، تصلّب، ثم أصبح أشبه بخشب متعفن، متآكل من الداخل، هشّ، لكنه لم ينكسر.
“هل… فقد السيطرة؟” همس السيد، بصوت يحمل شكًا حقيقيًا. التحلل لم يتوقف، بل ازداد.
امتد من الأصابع إلى الكف، ثم إلى الذراع. صوت خافت بدأ يخرج من فم لوجان. أنين، ضعيف، متقطع.
لكنه لم يكن استسلامًا. بل كان احتفاظًا بآخر خيط من الوعي. ثم ابتسم.
ابتسامة مشوهة، مكسورة، لكنها حقيقية. وفي اللحظة التالية، تحركت الغمامة. ببطء، ثم أسرع. اندفعت نحو السماء، نحو السيد.
وصلت. أحاطت به. سكن كل شيء. انتظر السيد الإحساس ذاته. الحكة، الخدر، تآكل التراكم. لكن لا شيء.
“ماذا…؟”
ثم بدأت يده. كفه اليمنى تجمدت. ثم تآكلت.
لم يكن إحساسًا عامًا هذه المرة، بل دقيقًا، مباشرًا، مركزًا. اللحم تغيّر لونه، اسودّ، تشقّق.
رائحة كريهة ارتفعت فجأة، كأن الجسد نفسه بدأ يفسد حيًا. حاول تحريك أصابعه، لم تستجب.
“تبا لك—”
شخر بغضب، واندفعت طاقته نحو يده. تراكمه التف حولها، ضغط، حاول إيقاف الزحف. لكن لم يحدث شيء.
استمر التآكل ببطء، بثبات، كأنه قانون لا يمكن رفضه.
في الأسفل، لم يعد لوجان يبدو حيًا. جسده اسودّ، أجزاء منه أصبحت أقرب للجثة. جلده فقد حيويته بالكامل.
لكن كان واقفًا. أو شيء يقف بداخله. لم يكن الجسد من يتحرك، بل الإرادة. العزيمة. الحقد. القرار.
في الأعلى، وصل التآكل إلى كامل كف السيد. ثم بدأ يصعد إلى المعصم، إلى الساعد.
“لا—”
سحب كيس الحبوب. أخذ ثلاثًا دفعة واحدة. ابتلعها. في لحظة، تدفق التراكم داخله مجددًا. ارتفع. اشتد.
لكن التآكل لم يتوقف، بل استمر. كأن ما يحدث لا علاقة له بالتراكم. كأن القوانين تغيرت.
“مستحيل…”
دفع طاقته بالكامل نحو ذراعه. ركزها. ضغط بها. صرخ داخليًا. لكن لا شيء. التآكل صعد. اقترب من المرفق. ثم سكت.
لحظة.
نصف ثانية.
قرار.
رفع يده اليسرى.
نظر إلى ذراعه المتآكلة.
ثم.
سووووش!
صرخة خرجت منه بعنف.
“آآآآه!!”
قطعها. ذراعه سقطت. انفصلت بالكامل. تدحرجت في الهواء، ثم سقطت نحو الأرض.
في نفس اللحظة، توقف التآكل. الصمت عاد. الضباب بدأ يخف. في الأسفل، أغلق لوجان عينيه ببطء، كأن كل ما فيه انتهى. الغمامة التي خرجت منه تراجعت، انخفضت، تلاشت.
اختفت، كما لو أنها لم تكن. جسده لم يعد يتحرك. سقط. بلا صوت. بلا مقاومة. بلا حياة.
مات لوجان.
…
في
السماء، وقف سيد الرتبة الثالثة.
ذراع واحدة.
جسد متعرق.
أنفاس ثقيلة.
نظر إلى الأسفل، إلى الجثة السوداء.
وساد صمت ثقيل بين السماء والأرض.
لم يكن صمت نصر، بل صمت شيء كاد أن ينتهي بشكل مختلف تمامًا.