الفصل 84 - معركة التراكم 2
الفصل 84 – معركة التراكم (2)
—
عينا سيد الرتبة الثالثة لم تبتعدا عن سومان ولو لجزء من الثانية.
كان واقفًا بثبات، لكن ذلك الثبات لم يكن هدوءًا، بل كان تركيزًا خانقًا، تركيز رجلٍ اعتاد أن يحلل كل شيء قبل أن يتحرك.
لم يكن يرى أمامه مجرد خصم، بل كان يرى منظومة معقدة من المعطيات، قوة، سرعة، استهلاك، ونمط غير مفهوم يعبث بكل ما اعتاد عليه.
داخل عقله، انطلقت الحسابات بلا توقف.
حركة سومان ما تزال سريعة، رغم أن تراكمه يتناقص بشكل واضح. هذا وحده كفيل بإثارة الشك. من المفترض أن يتباطأ، أن تظهر عليه علامات الإرهاق بشكل أكبر، لكن ما يراه السيد أمامه لا يتطابق تمامًا مع القواعد التي يعرفها.
قوته كذلك… كانت مرتفعة. أعلى من أي سيد رتبة ثانية واجهه سابقًا. ومع ذلك، هناك فجوة واضحة. ليست قوة سيد رتبة ثالثة مكتملة.
بناءً على كل ذلك، وصل إلى استنتاج شبه مؤكد.
تراكم سومان الحالي… أقل من ثلاثين بالمئة.
في اللحظة التي استقرت فيها هذه الفكرة داخل عقله—
ظهرت السنارة.
لم يكن هناك صوت، لا تموج في الهواء، لا أثر للطاقة. فقط ظهور مفاجئ، كأنها خرجت من نقطة لا يمكن تحديدها، واستقرت مباشرة في جسده.
تشنجت عضلاته للحظة.
ثم— انخفض التراكم.
عشرة بالمئة اختفت دفعة واحدة.
“تبا…”
خرجت الكلمة بهدوء، لكنها كانت مشبعة بالغضب المكبوت. ومع ذلك، لم يتحرك بتهور، ولم يسمح لانفعاله أن يفسد حساباته.
بل على العكس، ازداد تركيزه.
بدأ يبحث عن النمط.
لا يمكن أن يكون الأمر عشوائيًا بالكامل. هذا النوع من القدرات، مهما بدا فوضويًا، يخضع لقانون ما، لإيقاع معين، لشرط محدد.
بدأ يحسب الزمن بين كل ظهور واختفاء. راقب المسافات. راقب توقيت الإصابة. أعاد ترتيب أفكاره، ثم انتظر.
وعندما ظهرت السنارة مجددًا—
تحرك.
تحرك بدقة، بتوقيت محسوب، بسرعة كافية لتفادي أي هجوم تقليدي.
لكن النتيجة كانت نفسها.
الإصابة.
تقلصت عيناه.
كرر المحاولة.
غيّر الاتجاه، ثم غيره مرة أخرى. جرب التراجع بدل التقدم، القفز بدل الانزلاق، المراوغة بدل المواجهة.
في كل مرة، كان يعتقد أنه اقترب من الحل.
وفي كل مرة—
كان يُصاب.
بدأ الانزعاج يتسلل إلى داخله.
ليس خوفًا، بل رفضًا لفكرة أن هناك شيئًا لا يستطيع تفسيره.
في محاولة أخرى، رفع يده، فانطلقت عشرات السكاكين من حوله. لم تكن حركة عشوائية، بل تشكيل مدروس. كل سكين استقر في زاوية تغطي فراغًا، حتى تشكل درع كامل لا يترك أي منفذ يمكن أن تتسلل منه السنارة.
وقف داخل ذلك الدرع، منتظرًا.
ثانية… ثانيتان…
ثم—
ظهرت السنارة.
لكنها لم تأتِ من الخارج.
لم تخترق الدرع من بعيد.
بل ظهرت من مسافة قريبة جدًا، داخل النطاق نفسه، وكأنها تجاوزت كل ما وضعه من دفاعات.
استقرت في جسده.
انخفض التراكم مجددًا.
سقطت السكاكين، واختفى الدرع كما لو لم يكن.
ساد الصمت.
عدة محاولات لاحقة لم تغيّر النتيجة.
في النهاية، توقف.
أنزل يده ببطء، واختفت كل الأسلحة من حوله. لم يعد يحاول فهم الوحش.
وصل إلى نتيجة بسيطة، لكنها قاسية.
لا فائدة.
بدلًا من ذلك، غيّر أسلوبه بالكامل.
بدأ يركز على ما يمكنه التحكم به، لا على ما يعجز عن فهمه.
بدأ يوازن بين ما يملكه من تراكم وما يخسره.
العاملان الأساسيان كانا واضحين: الوحش الصغير، والسحب الحمراء.
رفع نظره نحو السماء. السحب ما تزال هناك، تضغط على سومان باستمرار، تسحب من طاقته ببطء ولكن بثبات.
إذا استمر الوضع بهذا الشكل، فإن النتيجة محسومة.
حتى مع ذلك الوحش، يمكنه الانتصار.
لكن في تلك اللحظة—
بدأت السحب تختفي.
واحدة تلو الأخرى.
ببطء، ولكن بثبات.
ابتسامة باردة ارتسمت على وجه سيد الرتبة الثالثة.
هو أيضًا يملك طرقه. لم يرغب بالانتظار حتى ينتهي تراكم سومان ببطء .
في لحظة واحدة، تخلى السيد عن كل دفاعاته.
اختفت السكاكين. اختفى أي شكل من أشكال الحماية.
وقف مكشوفًا تمامًا.
لكن النتيجة كانت فورية.
توقف استنزاف تراكمه.
كان ينتظر .. ان يهاجمه سومان .. ليسرع من الاستنزاف .. ولكن
في المقابل، كان سومان يترنح.
جسده لم يعد يحتمل. سقط على قدميه فجاتا، ووجهه أظلم بشكل غريب، كأن شيئًا داخله انكسر.
وفي تلك اللحظة.
وصلت الرسالة.
“جو… قد قُتل.”
أغلق سومان عينيه. لم يتحرك. لم يتكلم. لم يسمح لدمعة واحدة أن تسقط.
لكن الصمت الذي نزل عليه كان أثقل من أي صراخ.
سيد الرتبة الثالثة لم يفهم.
كل ما رآه هو خصم ينهار.
تراكمه اقترب من عشرة بالمئة. هذا واضح.
لكن السبب… لم يكن واضحًا له.
لم يكن يرى الفقد.
لم يكن يرى الانكسار.
فقط الأرقام.
تحركت أصابع سومان ببطء. ارتجفت قليلًا، ثم شد على نفسه ووقف.
“إنه شجاع…”
قالها السيد، ثم ضحك.
ضحكة مليئة بالازدراء.
بدأ يتحدث، وكأنه يشرح حقيقة مطلقة.
” ههههه شجاعة من يصل اليه الموت. الحمقى يعتقدون ان ادعاء الشجاعه والتماسك عند حلول الموت المحقق شيء مبهر .. في الحقيقه ان عدم وجود حل اخر لهم هو ما يجعلهم يوهمون انفسهم بان ذلك تصرف شجاع لا مثيل له ”
لكن كلماته.
انقطعت.
“اصمت.”
صوت سومان لم يكن عاليًا.
لكنه كان قاطعًا.
ثقيلاً.
مخيفًا.
“الثرثارون… حمقى.”
في اللحظة التالية.
سقط سيد الرتبة الثالثة.
لم يرَ الضربة.
لم يشعر بها قبل أن تحدث.
فقط.
انفجار داخلي.
دماء اندفعت من فمه بعنف.
أعضاؤه الداخلية تعرضت لضرر هائل في لحظة واحدة.
“ما… الذي… يحدث…؟”
حاول النهوض، لكن جسده لم يستجب.
ثم أدرك شيئًا أسوأ.
“تراكمي…؟!”
اختفى.
تحرك سومان نحوه ببطء.
كل خطوة كانت كأنها تضغط على صدره.
“ستندمون على قتله.”
قالها بصوت مظلم، خالٍ من التردد. لم يفهم السيد. لكن ذلك لم يعد مهمًا.
مد سومان يده، ظهر رمح ثنائي الشعب.
“أتظن أن الوحش الصغير يعطيني تراكمك؟”
اقترب أكثر.
“إنه وحش التبادل.”
بدأ يشرح، ليس بدافع الشرح، بل كإعلان حكم.
“استدعاؤه يستهلك مني أربعين بالمئة. لكن عند نجاح أول هجوم، يعيد تلك الكمية إلي.”
رفع السيد رأسه بصعوبة، الألم ينهش جسده.
اقترب سومان حتى وقف فوقه.
“لكن تلك الكمية لا تعود إلا بعد إنهاء الاستدعاء.”
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر برودة.
“وهناك خاصية أخرى… المخاطرة الحرجة.”
رفع الرمح.
“عندما يكون تراكمي عشرة بالمئة أو أقل، وعند إنهاء الاستدعاء، يتم اقتطاع نفس الكمية من الخصم.”
اتسعت عينا السيد.
في تلك اللحظة فقط.
فهم.
لكن بعد فوات الأوان.
“كنت تظن أنك تسيطر على كل شيء…”
قال سومان بهدوء.
“لكن الحقيقة… أنك كنت الضحية منذ البداية.”
شد قبضته على الرمح.
” جو .. لقد كان رجلًا طيبا..”
ثم اندفع الرمح بيده ..
اخترق قلب السيد.
صرخ ..
ولم تدم الصرخة طويلًا.
سحب سومان الرمح، ثم بضربة ثانية، طار الرأس بعيدًا.
ساد الصمت.
سقط سومان على ركبتيه، ثم جلس ببطء، كأن كل ما كان يمسكه داخله انهار دفعة واحدة.
وأخيرًا.
سمح لدموعه أن تنهمر.
بعنف.
بصدق.
بلا مقاومة.
—
في مكان آخر.
انشقت السماء.
ومن أعلاها.
هبط عمود هائل.
بحجم ناطحة سحاب.
لم يكن مجرد هجوم.
كان حكمًا.
حكمًا بالإبادة.
اندفع نحو الأرض بسرعة مرعبة، ضاغطًا الهواء تحته حتى تشوهت المساحة. الأرض نفسها بدأت ترتجف قبل أن يصل، وكأنها تستعد للانهيار.
في الأسفل.
وقفت لويس.
لم تتحرك.
عيناها اتسعتا ببطء، انعكس الضوء فيهما، ثم بدأ الظلام يزحف إلى داخلهما.
“ما… هذا… الجنون…؟”
همست، لكن كلماتها كانت متقطعة، كأنها بالكاد تخرج.
أنفاسها لم تكن منتظمة.
لأول مرة منذ زمن طويل.
شعرت بالخوف.
ليس خوف الهزيمة.
بل خوف النهاية.
نظرت إلى قفازيها.
ذلك السلاح الذي اعتمدت عليه دائمًا.
الذي منحها الثقة.
الذي أنقذها في مواقف لا تُحصى.
الآن.
بدا تافهًا.
صغيرًا.
بلا قيمة.
أمام ما يسقط من السماء.
فجأة.
دوى صوت داخل عقلها.
“القائد جو… قد قُتل.”
تجمدت. اتسعت عيناها أكثر. صرخت.
لكن صرختها لم تكن موجهة نحو العمود.
كانت موجهة نحو الخبر. كل شيء اختفى من حولها. لم تعد ترى السماء.
لم تعد ترى الهجوم. لم يبقَ سوى صورة واحدة.
جو.
كلماته.
سخريته.
تلك اللحظات التي لم تعترف فيها أبدًا بما تشعر به.
الاحترام العميق الصادق.
انهمرت دموعها.
حارة.
ثقيلة.
ثم.
عاد كل شيء دفعة واحدة
.
الصوت.
الضغط.
الضوء.
والموت.
فوقها مباشرة.
رفعت قفازيها.
في البداية ببطء…
ثم بسرعة.
كأنها تقف في وجه السماء نفسها.
ثم.
انفجار.
صوت لا يمكن وصفه.
الأرض تحطمت.
الصخور تبخرت.
الهواء تحول إلى موجات صادمة اجتاحت كل الاتجاهات.
المساحة بأكملها دُمّرت.
وفي الأسفل.
وسط الغبار والركام.
سقطت لويس.
جسدها ارتطم بالأرض بلا مقاومة.
قفازاها ما زالا مرفوعين قليلًا…
لكنها…
لم تعد تقف.