الفصل 80 - الاختبار
الفصل 80 – الاختبار
…
أصوات عنيفة وشديدة دوّت باستمرار.. الساحات جميعها كانت مثارة بالقتال المحتدم..
أمام لويس.. وقفت الفتاة الصغيرة برتبتها الثالثة.. تبعث طاقة مركزة قوية..
اتجهت عيناها نحو الساحات البقية..
“يبدو أنهم بدأوا بالوصول.. هذا يعني” همست الفتاة. “أن جميع الأعوان هنا أقوى مما يستطيع أسياد الرتب الثانية التعامل معه.”
التفتت الفتاة نحو لويس..
“لا تبدين متفاجئة من قوتي؟” سألت سيدة الرتبة الثالثة الصغيرة.. سكتت لحظة ثم أضافت:
“هل رتبة سيدك هي الثالثة؟” بدت كلماتها استفهامية .
لم تحصل على إجابة. وقفت لويس بعيداً.. استعادت رتم تنفسها أخيراً..
“ضرباتها قوية.. قوية بحق.. ولكن” همست.. “أحتاج إلى توجيهها نحو ضرب قفازي لعدد من المرات فقط.. عندها ستسقط حتماً.”
وقفت لويس على بعد عشرين متراً.
عيناها ثابتتان على الفتاة الصغيرة في الجهة المقابلة، بينما عقلها يعمل بسرعة خلف ذلك الهدوء الظاهر.
كانت تشعر بوضوح بثقل قوتها الحالية.
لقد تجاوزت بالفعل ما يملكه معظم أسياد الرتبة الثانية.
لكن…
هل كانت قادرة على مواجهة سيد من الرتبة الثالثة؟
لم تكن متأكدة.
ارتفع اللهيب الأحمر حول قفازيها ببطء، خيوط الطاقة الحمراء تدور حول قبضتيها كدخان مشتعل.
خفضت رأسها قليلاً وهمست:
“مع سلاحي العتيق… قد تكون لدي فرصة ضد هذه السيدة من الرتبة الثالثة.”
رفعت نظرها مجدداً.
ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيها.
“رغم أن المهمة صعبة… إلا أن الفارق ليس كبيراً.”
في الجهة الأخرى…
لاحظت الفتاة الصغيرة تلك الابتسامة.
كانت ما تزال تمسك بيدها ذلك القضيب الوردي.
سلاح عتيق غريب الشكل… يشبه أنبوب ماء بسيط، أملس تماماً، بلا شفرة ولا طرف حاد.
بدت وكأنها تحمل لعبة… لا سلاحاً.
لكن لويس لم تستخف به.
وفجأة.
اندفعت.
خطواتها كانت سريعة وصامتة.
انطلقت كظلٍ يخترق الهواء.
غبار خفيف ارتفع خلفها وهي تندفع مباشرة نحو الفتاة.
ثم.
سددت ضربة.
قبضتها اليسرى، المغطاة بالقفاز الأسود المتوهج بالأحمر، اندفعت نحو صدر الفتاة.
في اللحظة نفسها.
رفعت الفتاة العمود الوردي بيد واحدة.
طاااخ!
ارتطمت القبضة بالقضيب.
القوة كانت كافية لدفع الفتاة عدة أمتار إلى الخلف.
لكن.
لم يظهر عليها أي تأثر حقيقي.
وقفت ببساطة.
كما لو أن ما حدث مجرد دفعة صغيرة.
لم تنتظر لويس.
اندفعت مجدداً.
ضربة ثانية.
ثم ثالثة.
قبضاتها كانت تتحرك بسرعة أكبر، تترك خطوطاً حمراء في الهواء.
لكن الفتاة…
كانت تضحك.
ضحكة خفيفة.
تدور بجسدها بخفة.
ترفع القضيب.
تصد الضربات واحدة تلو الأخرى.
وكأنها في نزهة مدرسية… لا في معركة.
ومع ذلك.
لم تهاجم.
فقط تدافع… وتلعب.
داخل لويس…
ارتسمت ابتسامة أخرى.
لكن خارجياً…
أظهرت ملامح عدم رضا.
ضاقت عيناها.
وبدأت ضرباتها تبدو أكثر إصراراً.
بعد لحظات من التبادل.
توقفت لويس فجأة.
سحبت قبضتها إلى الخلف ببطء.
الطاقة الحمراء حول القفاز اشتعلت أكثر.
ثم.
سددت الضربة.
بوووووم!
رفعت الفتاة قضيبها فوراً لتصدها.
لكن هذه المرة.
كانت القوة مختلفة.
الضربة لم تتوقف عند القضيب.
اندفع السلاح الوردي للخلف بعنف…
وارتطم مباشرة بصدر الفتاة.
آآآه!
صرخة ألم حادة خرجت منها.
اندفع جسدها للخلف بعنف.
عشرات الأمتار.
الأرض تحت قدميها تشققت وهي تنزلق.
وفي موقع الضربة.
انتشرت دائرة صدمة ضخمة.
غبار كثيف ارتفع في الهواء بعرض عشرة أمتار.
كل آثار العشب على الأرض…
اختفت تحت قوة الضربة.
وسط الغبار…
سُمع صوت خافت.
“هذا…”
همست الفتاة.
رفعت رأسها ببطء نحو لويس.
ثم وقفت مجدداً.
يدها ما زالت تمسك القضيب.
تنفست بعمق.
“آه…”
قالت بصوت محموم قليلاً.
“يا لها من ضربة.”
ثم ابتسمت.
“لم أتوقع ذلك منك.”
أمالت رأسها قليلاً.
“هل كنت تخبئين ضربة بتلك القوة؟”
ثم هزت كتفيها.
“لا بأس.”
رفعت القضيب مجدداً.
“لنرَ… كيف ستصمدين.”
وفجأة.
بدأ القضيب الوردي يتمدد.
لم يكن مجرد تمدد بسيط.
بل استطالة مستمرة.
المتر الأول.
ثم الثاني.
ثم الخامس.
ثم…
عشرة أمتار.
وربما أكثر.
أصبح السلاح الآن أشبه بعمود ضخم.
طوله هائل.
حجمه مرعب مقارنة بجسد الفتاة الصغير.
سحبته إلى الخلف قليلاً.
ثم.
سددت الضربة.
اختفى العمود.
اختفى تماماً من أمامها.
اتسعت عينا لويس.
“هاااا!”
صرخت.
نظرت بسرعة يميناً…
ثم يساراً…
تحاول تحديد المسار.
لكن.
لم تر شيئاً.
وفجأة.
ظهر.
من الأعلى.
نظرت لويس للأعلى.
العمود الوردي كان يهبط من السماء.
لكن الآن…
لم يعد مجرد عمود.
كان بحجم ركيزة حجرية من أطلال مدينة قديمة.
ضخم.
ثقيل.
والهواء أمامه كان يندفع بعنف، كأن السماء نفسها تُسحق تحت وزنه.
الضغط القادم معه جعل الأرض ترتجف.
عينا لويس أضيقتا.
ثم.
بوووووووووم!
دوّى الاصطدام كالرعد.
لم يكن مجرد صوت ضربة…
بل انفجار ضغط اجتاح الأرض.
تشققت التربة في دائرة واسعة، وانفجر الغبار نحو السماء كعمود كثيف غطّى عشرات الأمتار.
الهواء نفسه بدا وكأنه تمزق للحظة.
ثم…
بدأ كل شيء يهدأ ببطء.
الغبار أخذ يتساقط تدريجياً، والاهتزازات في الأرض خفتت شيئاً فشيئاً.
وفي وسط تلك السحابة الترابية…
عاد القضيب الوردي إلى حجمه الصغير في يد الفتاة.
لوّحت به بخفة، كأن ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى ضربة عادية.
ومع انقشاع الغبار…
ظهر المشهد بوضوح.
كانت لويس راكعة على ركبة واحدة.
أنفاسها ثقيلة.
صدرها يرتفع ويهبط بعنف.
كادت تسقط… لكنها بالكاد كانت تمسك جسدها من الانهيار.
ارتجفت أصابعها قليلاً.
ثم.
ابتسمت.
ابتسامة بطيئة.
وقالت بصوت خافت:
“لقد… نجحت.”
اتسعت الابتسامة أكثر.
تفاصيل ضحكة مجنونة بدأت ترتسم على وجهها.
ما قامت به…
كان مقامرة حقيقية بين الحياة والموت.
خلال مراحل تدريبها الطويلة…
كانت قد اكتسبت قدرة فريدة.
قدرة على تخزين طاقة الهجوم.
ثم لاحقاً…
قدرة أخرى.
تخزين طاقة الدفاع.
وبفضل هاتين الخاصيتين…
أصبحت لويس قادرة على تخزين قدر كبير من القوة داخل قفازيها… لاستخدامه في اللحظة المناسبة أثناء القتال.
قبل هبوط تلك الضربة العملاقة…
كانت تعرف شيئاً واحداً فقط.
إن استطاعت النجاة منها…
فإن قفازها الأصفر سيمتلئ بطاقة دفاع هائلة.
لكن…
كانت هناك مشكلة.
لم تكن تعرف قوة الضربة الحقيقية.
لم تكن تعرف إن كان دفاعها المخزن كافياً أم لا.
كانت مقامرة خطيرة جداً.
لو كانت طاقة دفاعها أقل من قوة هجوم خصمها.
لانكسر الدفاع.
ولتلقت الضربة كاملة.
ضربة كهذه…
كانت كافية لسحقها في لحظة.
لكن رغم ذلك…
لم تكن خائفة.
بل كانت واثقة.
وفي اللحظة التي هبط فيها العمود من السماء.
رفعت قفازها الأصفر.
وتصدت.
الاصطدام كان مرعباً.
الضغط كاد يمزق ذراعيها.
الأرض تحتها تحطمت.
والقوة الهائلة دفعتها إلى الركوع.
لكن.
لم تُسحق.
لم تمت.
نجت… بفارق ضئيل للغاية.
وكان ذلك…
الدليل الوحيد الذي احتاجته.
رفعت لويس رأسها ببطء.
عيناها اشتعلتا بحماسة خطيرة.
رفعت قفازها الأصفر قليلاً.
وهناك.
بدأت طاقة كثيفة تتجمع داخله.
دوامات من القوة بدأت تدور حول القفاز.
ضغط ثقيل انتشر في الهواء.
كانت تلك…
طاقة الضربة التي نجت منها.
ابتسمت لويس ابتسامة واسعة.
ثم همست:
“شكراً لكِ…”
رفعت نظرها نحو الفتاة الصغيرة.
“…على هذه الهدية.”
في الجهة المقابلة.
أمالت الفتاة رأسها قليلاً.
نظرت إلى القفاز المتوهج.
ثم اتسعت عيناها قليلاً.
للمرة الأولى…
اختفت ملامح اللعب من وجهها.
وقالت بهدوء:
“أوه…”
ثم ابتسمت.
“إذن هكذا تعمل قدرتك.”
لكن لويس.
كانت قد وقفت بالفعل.
رغم التعب.
رغم الألم.
خطت خطوة للأمام.
القفاز الأصفر يفيض بطاقة هائلة.
وقالت بصوت منخفض:
“الآن…”
ثم شدّت قبضتها.
“أنتِ سيدة رتبة ثالثة.. إذاً… دعينا نرى إن كنتِ تستطيعين تحمل ضربة رتبة ثالثة.”
ثم.
اندفعت.
“هلمي إلي!”
صرخت الفتاة الصغيرة، وابتسامة شيطانية ارتسمت على وجهها.
رفعت العمود الوردي.
وببطء…
بدأ يزداد حجماً.
امتد طوله، وتضخم قطره، حتى صار أشبه بعمود حجري ضخم يلمع بلون وردي باهت.
كانت تستعد لاستقبال الضربة.
في الجهة المقابلة…
استقرت ابتسامة خفية داخل لويس.
هذه…
كانت اللحظة التي انتظرتها.
لقد نجحت قبل قليل في تكديس طاقة دفاع هائلة.
والآن.
حان وقت تكديس طاقة هجوم بنفس الحجم.
اندفعت.
خطواتها كانت سريعة، حادة، تخترق الأرض كسهام سوداء.
وعندما اقتربت عدة أمتار.
قفزت.
ارتفع جسدها في الهواء.
مدّت قفازها الأسود إلى الخلف.
قبضتها انشدت.
ثم.
بدأت الطاقة تتدفق.
خيوط من القوة اندفعت من القفاز كدوامات متلاحقة.
الهواء حول قبضتها أخذ يهتز.
وفي الجهة الأخرى…
ضيّقت الفتاة عينيها.
شعرت بثقل القوة المتجمعة.
ثم.
بووووووم!
سددت لويس الضربة.
دوّى الصوت مرة أخرى عبر الساحة.
لكن.
فجأة.
صرخت لويس:
“اللعنة عليك!”
في اللحظة نفسها…
اختفت الفتاة.
قفزت بعيداً بخفة، هبطت على مسافة بعيدة وهي تضحك.
“ههههه!”
صوت ضحكتها كان مليئاً بالسخرية.
“هل اعتقدتِ أنني حمقاء؟”
أشارت نحو قفاز لويس الأصفر.
“قفازك الأصفر… سحب قوة ضربتي.”
ثم أشارت إلى القفاز الأسود.
“والقفاز الأسود… يمتص قوة الهجوم.”
أمالت رأسها وهي تبتسم بغطرسة.
“إذن أنتِ تبحثين عن النمو التدريجي.”
ضحكت مجدداً.
“هههه…”
ثم قالت ببرود:
“أنا… الحل واضح بالنسبة لي.”
رفعت إصبعها نحو السماء.
“ضربة واحدة… شديدة القوة.”
ابتسمت.
“تمسح كل مخططك.”
ثم.
قفزت.
ارتفع جسدها عالياً حتى استقرت في السماء.
رفعت يدها.
وفجأة.
ظهرت نافذة زرقاء أمامها.
شاشة شفافة تطفو في الهواء.
لويس نظرت إليها بارتباك.
لكن…
لم تستطع رؤية ما فيها.
الشاشة لم تكن موجهة نحوها.
بدأت الفتاة تخرج أشياء من داخل النافذة.
أشياء صغيرة…
ثم اتضح شكلها.
كومة من الأوراق.
ألقتها للأسفل.
بدأت الأوراق تتطاير في الهواء، تدور ببطء وهي تهبط.
ثم.
سقطت قرب لويس.
اتسعت عيناها.
قفزت بعيداً فوراً.
ابتعدت عدة أمتار.
لكن…
في السماء.
ظهرت النافذة مجدداً.
ومن داخلها…
انطلق صوت إشعار بارد.
{ تم تحديد الهدف }
رفعت الفتاة حاجبها.
“تعتقدين أن النجاح يتطلب أن تصيبك الأوراق؟”
شخرت بسخرية.
ثم رفعت يديها عالياً نحو السماء.
وبين يديها.
استقر العمود الوردي.
لكن هذه المرة…
بدأ ينمو.
ببطء أولاً.
ثم بسرعة أكبر.
ازداد حجمه.
ازداد طوله.
ازداد… وازداد… وازداد.
حتى أصبح ضخماً لدرجة أن المقاتلين في المسافات البعيدة بدأوا يرونه بوضوح.
همست لويس:
“ما هذا ماذا بحقك…”
جسدها ارتجف دون إرادتها.
الهواء حول العمود الضخم بدأ يضطرب بعنف.
الضغط المنبعث منه كان ثقيلاً كجبل.
وفي لحظات.
صار بحجم ناطحة سحاب من عشرين طابقاً.
ظلّه وحده غطّى مساحة واسعة من الأرض.
ثم.
تحركت لويس.
خطوة.
ثم أخرى.
بدأت تتراجع محاولة الهرب.
لكن.
من السماء قالت الفتاة الصغيرة بهدوء بارد:
“لا فائدة.”
نظرت إليها بعينين لامعتين.
“لقد تم تحديدك مسبقاً.”
ثم ابتسمت ببطء.
“هذه الضربة…”
توقفت لحظة.
“…ستصيبك لا محالة.”
وفي تلك اللحظة.
بدأ العمود الوردي يسقط من السماء.
الهواء انفجر حوله.
والسماء نفسها بدت وكأنها تنهار فوق لويس.