الفصل 79 - المسار المنفرد
الفصل 79 – المسار المنفرد
…
أصبح جسد سيد الرتبة الثانية العجوز ممتلئًا بالعضلات الصلبة كالجلمود الكونكريتي..
ضربة واحدة فقط.. كانت كفيلة بإلقاء زعيم مقاتلي الصخر بعيدًا..
وقف الزعيم.. ألم قوي توغل إلى أضلعه.
“السيطرة على الجسد ذاته” همس بغضب..
كان يعلم بخصوص وجود مثل تلك القدرة.. بل كان يتمنى أن يملكها. لكن وبدل ذلك.
يجد خصمه من يمتلك أمانيه..
الزعيم الهادئ المستقر.. أصبح فجأة غاضبًا..
أتباعه الثلاثين مقاتلًا صخريًا.. وقفوا ينتظرون أوامره.. لم يعهدوا منه تلك التفاصيل الجديدة.. الغضب لم يكن ظاهرًا في السابق..
“هل الخصم قوي جدًا؟” همس أحدهم.. متسائلًا لتفسير سبب غضب زعيمه. لكنه سرعان ما تدارك فكرته.
“ولكن.. سبق وواجهنا تلك الكوارث.. إنها بلا شك أشد قوة من هذا السيد”
سمع الآخرون. لم يمتلك أحد تفسيرًا.. وحده الزعيم كان يعلم سبب غضبه
فجأة..
اندفع السيد العجوز من الرتبة الثانية إلى الأمام.
كان جسده أشبه بكتلة هائلة من العضلات الفولاذية، كل خطوة منه تهز الأرض تحت قدميه، وكل حركة تحمل ثقلًا مرعبًا كأن تلًا يتحرك.
في الجهة المقابلة وقف زعيم مقاتلي الصخور بثبات.
لم يكن يحمل سلاحًا.
ولا خصمه كذلك.
لا سيوف…
لا رماح…
القبضات وحدها كانت هي الكلمة.
وصل السيد.
رفع قبضته.
كانت يده ضخمة، العروق فوقها بارزة كالحبال، والعضلات تحت الجلد تنتفخ بقوة.
ثم.
سدد الضربة.
اندفعت قبضته إلى الأمام كصخرة أُطلقت من مقلاع عملاق.
رفع الزعيم ذراعيه فورًا ووضعهما أمام صدره لصد الهجوم.
وفي اللحظة التالية.
بوووووم!
دوّى ارتطام عنيف.
اهتز الهواء حولهما، وتشققت الأرض تحت أقدامهما.
انزلق جسد الزعيم إلى الخلف بعنف…
عشرة أمتار…
خمسة عشر…
حتى توقف أخيرًا بعد نحو عشرين مترًا.
انخفض جسده قليلًا.
لكنه لم يسقط.
لم يصب بأذى واضح.
غير أن ذراعيه…
كانتا ترتجفان.
طنين ثقيل يهتز في عظامهما من شدة الضربة.
رفع الزعيم رأسه ببطء.
وعيناه تتجهان نحو خصمه.
لكن السيد لم يمنحه فرصة للراحة.
اندفع مجددًا.
قبضة أخرى.
ثم ثالثة.
وبدأ الاثنان يتبادلان الضربات.
قبضة مقابل قبضة.
كتف يصطدم بكتف.
ركبة تضرب الجسد.
صوت الارتطامات كان يتردد في الساحة كالرعد.
بووم!
بووم!
بووم!
مع كل ضربة كانت الأرض تهتز.
الحجارة تتشقق.
والهواء نفسه يتمزق من قوة الاصطدام.
وبينما استمرت المعركة…
أصبح الأمر واضحًا.
السيد كان يملك اليد العليا.
ضرباته كانت أثقل.
سرعته أدق.
قوته أكثر إحكامًا.
لكن—
زعيم مقاتلي الصخور لم يكن لقمة سائغة كذلك.
جسده الصخري تحمّل الضربات.
ومهارته القتالية أبقته واقفًا.
ضاقت عينا الزعيم قليلًا.
ثم قال بين ضربة وأخرى:
“هل أنت حقًا… سيد من الرتبة الثانية؟”
اندفعت قبضته نحو وجه العجوز.
تفاداها السيد بانحراف بسيط.
ثم رد بضربة قوية إلى بطنه.
ارتطم الجسد الصخري بقوة.
ابتسم السيد العجوز. ضحكة قصيرة خرجت من صدره. “هذا ليس سرًا.”
قال وهو يوجه ضربة أخرى نحو كتف الزعيم. “فقط… أنت لا تعرفه.”
ارتطم الجسدان مرة أخرى.
ثم تابع السيد كلامه وكأن المعركة مجرد حديث عابر.
“بالنسبة للسادة… لكل رتبة سقف قوة معين.”
بووم!
قبضة أخرى ارتطمت بدرع الزعيم العضلي.
“ولكل رتبة أيضًا… ثقل خاص لطاقة تلك الرتبة.”
رفع ذراعه وصد ضربة الزعيم.
ثم رد بلكمة إلى صدره.
“عندما يرتفع السيد في الرتبة… ترتفع طاقته.”
بووم!
“ويرتفع معها… ثقل تلك الطاقة.”
تراجع الزعيم خطوة.
لكن السيد تابع الحديث بلا توقف.
“لو كان سيد من الرتبة الأولى يملك قوة بنسبة ستين بالمئة…”
ضربة أخرى اندفعت.
ارتطم الجسدان.
“فإن السيد نفسه… لو أصبح من الرتبة الثانية بنفس مقدار القوة…”
التوى جسده.
ثم سدد لكمة جانبية.
“سيكون أقوى بأضعاف.”
تناثرت الحجارة تحت قدميهما.
“بل إن سيدًا من الرتبة الثانية بقوة ثلاثين بالمئة فقط…”
بووووم!
اصطدمت قبضتاهما معًا.
اهتز الهواء.
“سيكون أقوى من سيد من الرتبة الأولى بقوة مئة بالمئة.”
تنفس الزعيم ببطء.
لكمة أخرى ارتطمت بكتفه.
لكنه رد بلكمة قوية إلى فك السيد.
تراجع العجوز نصف خطوة.
ابتسم الزعيم.
“أنا أعرف هذه المعلومات بالفعل.”
قال وهو يشد قبضته.
“لهذا أنا متفاجئ.”
اندفع بلكمة جديدة.
“لأن قوتك الآن… لا تبدو كقوة رتبة ثانية.”
ثم أضاف:
“بل أعلى.”
ضحك السيد. ضحكة عميقة.
“معك حق.” قال وهو يرفع قبضته مرة أخرى.
“لكنني بالفعل… ما زلت في الرتبة الثانية.”
تبادل الاثنان ضربة أخرى.
“السر يكمن في أمرين.”
صد لكمة الزعيم.
ثم رد بضربة إلى صدره.
“الأول… أن القدرة على السيطرة على جسد السيد نفسه…”
ارتطمت قبضته بقوة.
“تجعل القوة تتضاعف.”
ثم أضاف:
“حتى لو كنت سيدًا من الرتبة الثانية بسقف قوة محدد…”
التف جسده.
ثم ضرب كتف الزعيم.
“فإن قدرتك على التحكم الكامل بجسدك… تجعل قوتك ترتفع أكثر.”
تنفس الزعيم ببطء.
لكن السيد تابع.
“أما الأمر الثاني…”
رفع قبضته.
“فهو عمر السيد ذاته.”
ارتطم الجسدان مجددًا.
ثم قال بهدوء:
“قبل عشر سنوات…”
ضحك قليلًا.
“كنت رجلًا متقاعدًا.”
تراجع خطوة.
ثم اندفع بلكمة أخرى.
“كنت أعيش أيامي بهدوء في منزلي الجبلي.”
بووم!
“أقوم ببعض الأعمال الصغيرة.”
ضربة أخرى.
“أربي الماعز… والدجاج… للمتعة.”
انحرف عن لكمة الزعيم.
“كنت أبحث عن مغامرة…”
ابتسم ابتسامة عجيبة.
“ولم أجدها…”
تبادلا ضربة أخرى.
ثم تابع:
“ثم فجأة…”
صمت لحظة.
“وقعت في النهر.”
“استسلمت للموت.”
“لكنني… انتقلت.”
“وجدت نفسي في عالم جديد.”
“نافذة أمامي… تشبه التلفاز.”
“تعطيني مهام… ومعلومات.”
“وفي كل مرة أنجز مهمة…”
بووم!
“كنت أشعر أن جسدي يصبح أفضل.”
اكمل السيد لكن صوته هدأ قليلًا.
“إلى أن وصلت… إلى ذروة الرتبة الثانية.”
ثم تنهد بألم
“وهنا اكتشفت الحقيقة.”
ارتطمت قبضتاهما مرة أخرى.
“عمري عندما انتقلت…”
“كان له تأثير كبير على جسدي وروحي.”
“كلاهما كان منهكًا من العالم السابق.”
سكت لحظة.
“الرتبة الثالثة…”
“كانت أكثر مما يستطيع جسدي تحمله.”
نظر إلى الزعيم مباشرة.
“حُكم علي أن أبقى في الرتبة الثانية… حتى أموت.”
ساد الصمت للحظة قصيرة.
لكن ابتسامة بطيئة ظهرت على وجهه.
“لكن… عندما يُغلق باب… يُفتح آخر.”
رفع قبضته.
“هذا العالم… عادل.”
ثم قال بصوت منخفض:
“القيد الذي فُرض علي… فتح قيدًا آخر.”
ضربة جديدة هزت الأرض.
“قوتي داخل الرتبة الثانية…”
“لن تتوقف عن النمو.”
اتسعت عينا الزعيم قليلًا.
وتابع السيد:
“نعم… طاقة الرتبة الثانية ستبقى كما هي.”
“لن تصبح أثقل مثل طاقة أصحاب الرتبة الثالثة.”
“لكن…”
شد قبضته.
“قوة الرتبة الثانية…”
“أصبحت مكشوفة أمامي.”
اندفع للأمام.
لكمة هائلة ارتطمت بجسد الزعيم.
بوووووم!
ثم قال بصوت هادئ:
“ولهذا… يا زعيم مقاتلي الصخور…”
“تشعر أنني أقوى من السادة الطبيعيين من الرتبة الثانية.”
ثم انحنى قليلًا.
وعيناه تلمعان.
“لأنني بالفعل…”
أقوى منهم.
تنفّس زعيم مقاتلي الصخور ببطء بعد تبادل الضربات العنيف.
كان صدره يرتفع ويهبط بقوة، بينما آثار القتال تغطي جسده الصخري.
رفع رأسه قليلًا ونظر إلى السيد العجوز.
ثم قال بصوت هادئ:
“الآن… فهمت أخيرًا.”
سكت لحظة.
ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
“لكن…”
رفع نظره نحو السماء قليلًا وكأنه يتذكر شيئًا قديمًا.
“كنت أتمنى… لو استطعت مواجهة سيد من الرتبة الثالثة.”
توقف للحظة قصيرة.
كأن الكلمات التالية تحمل وزنًا خاصًا.
ثم أكمل:
“لقد قيل لي…”
صمت.
أنفاسه خرجت ببطء.
“…أنني أصبحت قادرًا على منازلتهم.”
تراجع الزعيم عدة أمتار إلى الخلف.
جسده الذي كان منتفخًا بالعضلات بدأ يهدأ قليلًا… عاد شكله قريبًا من هيئته الطبيعية.
لكن في اللحظة التالية…
بدأ يتمتم.
صوت خافت… بالكاد يسمع.
“مسار القتال…”
توقف لحظة.
“…الجسد القائد.”
فجأة.
تغير جسده.
لون جلده تحول ببطء إلى برونزي لامع، كأن طبقة من المعدن السائل غطت جسده.
عضلاته الضخمة بدأت تخفّ.
لم يعد جسده بتلك الضخامة المرعبة.
أصبح أصغر قليلًا.
أكثر إحكامًا.
أكثر تركيزًا.
لكن.
الهالة التي انبعثت منه…
كانت أقوى بكثير.
ضغط ثقيل انتشر في الهواء.
الجنود في الخلف شعروا به فورًا.
رفع الزعيم رأسه ببطء.
وقال بصوت عميق:
“هذا هو…”
رفع قبضته قليلًا.
“…مساري الحالي المنفرد.”
ثم تابع:
“جسد القائد.”
عيناه استقرتا على السيد العجوز.
“هيئة تسمح لي بالوصول إلى مستوى أعلى.”
أخذ خطوة.
ثم أخرى.
الأرض تحت قدميه بالكاد أصدرت صوتًا.
“كل قوتي…”
قبضته انغلقت ببطء.
“…يتم تركيزها في هذا الجسد.”
ثم.
اختفى.
لم يكن قفزًا.
لم يكن اندفاعًا يمكن تتبعه.
لقد اختفى ببساطة.
في الجهة الأخرى…
ضاقت عينا السيد العجوز.
نظر حوله بسرعة.
يمينًا…
يسارًا…
لكن.
لم يرَ شيئًا.
صمت لجزء من الثانية.
ثم فجأة.
صرخ.
ضربة مرعبة سقطت فوق ظهره من الخلف.
بوووووم!
دوى الصوت كتحطم صخرة ضخمة.
ارتجف جسده بالكامل.
وسُمِع صوت انكسار عظم واضح في الهواء.
جسد العضلات الفولاذية الذي كان يملكه…
انبعج في موضع الضربة.
ظهره انخفض إلى الداخل بشكل مخيف.
ومن خلفه.
وقف الزعيم.
صوته هذه المرة كان أثقل.
الهواء حوله كذلك.
قال بهدوء:
“كل ضربة…”
رفع قبضته قليلًا.
“…لم يعد فيها طاقة مهدورة.”
اقترب خطوة.
“كل ضربة مني…”
عيناه لمعَتا.
“…ستحمل كامل قوتها الكامنة.”
قفز السيد العجوز بعيدًا بسرعة، محاولًا خلق مسافة.
هبط على الأرض وهو يتنفس بعنف.
رفع رأسه.
لكن.
الزعيم كان أمامه مباشرة.
قال بهدوء بارد:
“لا مهرب… سيدي.”
ثم.
ضرب.
قبضته اخترقت المسافة.
ضربة عنيفة سقطت في بطن العجوز.
انفجر الهواء من فمه.
وخرجت كميات هائلة من الدماء.
ترنح جسده.
لكن الضربة التالية جاءت فورًا.
بووووم!
صرخة أخرى ارتفعت في الساحة.
همس الزعيم بصوت منخفض:
“ستون مرحلة… من التدريب الشاق.”
قبضته تحركت مجددًا.
“ثلاث سنوات طويلة.”
ضربة أخرى.
“بعيدًا…”
ضربة جديدة.
“…لم أرَ فيها عائلتي.”
جسد العجوز كان يترنح تحت الضربات.
ثم قال الزعيم بصوت بارد:
“لن أجعلها تطول أكثر.”
وفجأة.
انفجر وابل من الضربات الشيطانية.
لكمات.
ركلات.
ضربات كتف.
كل ضربة تسقط بدقة مرعبة.
صرخات العجوز تعالت مرة بعد مرة.
حاول الركض.
لحق به.
حاول الانحراف.
وجده أمامه.
حاول الدفاع.
اخترقت الضربات حراسته.
حاول الهجوم.
أوقفه قبل أن يكتمل.
في كل لحظة…
كان صوت عظم ينكسر.
وذراع تخلع من مفصلها.
وعضلات تتمزق تحت الضربات.
في الخلف…
الجنود كانوا يراقبون.
القلق ظهر في أعينهم.
ذلك كان زعيمهم.
لكن رغم ذلك…
كان الخوف واضحًا في وجوههم.
لم يشك أحد منهم للحظة.
أنه لو اندفع هذا التحول الجديد للقائد نحوهم…
لسُحقوا جميعًا في لحظات.
بعد وقت قصير…
خفتت الأصوات.
ثم…
اختفى صوت الضربات.
وسط الساحة…
سقط جسد السيد العجوز على الأرض.
لم يعد ذلك الجسد الفولاذي الضخم.
عاد إلى هيئته الطبيعية.
عجوز… بالكاد يتحرك.
فوقه.
وقف زعيم الصخور.
جسده البرونزي اللامع ما زال يبعث طاقة هائلة في الهواء.
نظر إلى العجوز الصامت.
أما السيد…
فقد أغلق عينيه ببطء.
لم يعد يقاوم.
استسلم.
للموت…
مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة الأخيرة…
مرت في ذهنه صورة بسيطة.
ماعزه الصغيرة…
ودجاجاته التي كان يطعمها كل صباح.
وتمنى.
لو استطاع…
العودة إليهم مرة أخرى.