الفصل 78 - استدعاء مزدوج
الفصل 78 – استدعاء مزدوج
…
اتجهت نظرات الأختين نحو بعضهما البعض.. فاجأهن العمل الشهم الذي قام به سومان..
“لم أنقذنا” همست الصغرى بصوت بالكاد سمعته أختها.. ردت بعدم المعرفة..
كيف لها أن تعرف.. قبل لحظات كان ينظر لهن بكل قسوة وتهديد في حال تحركت إحداهن..
أما الآن فهو يحملهما لمكان آمن بعيد عن خناجر سيد يفترض أن يكون حليفًا..
ولكن..
سرعان ما هدأت الأخت الكبرى.. على عكس شقيقتها.. كانت أكبر عمرًا وأكثر نضجًا وببعض التفكير وانطباع ناتج من تجارب سنين طوال..
فهمت أن هنالك خطبًا ما..
“تلك الخناجر” قربت فمها قرب شقيقتها
“لم تكن عشوائية.. إنه يحاول تنحيتنا. ربما اتفاق الطوائف الثلاث قد سقط.. وربما”
صمتت للحظة.. ثم أضافت
“وربما.. هنالك خيانة خفية.”
“ماذا؟”
“لا ترفعي صوتك.. أيتها الحمقاء” قرصت الاخت الكبرى شقيقتها وجعلتها تصمت .
من أمامهم وقف سومان.. مد يده وأخرج الخنجر من قدمه.. ثم أخرج من العدم قنينة شفافة صغيرة..
داخلها استقر سائل أصفر ثقيل كالزيت..
أسقط سومان بضع قطرات فوق الجرح.. توقف فجأة.. لم يعالج لكنه أوقف النزيف..
ظنت الفتيات أنهن بعيدات عن مسمعه.. بالكاد كانت كل واحدة منهن تستمع للأخرى.. لكن سومان كان بعيدًا ليستمع..
هذا ما ظننه..
لكنه سبق ووضع حشراته على جسدهن.. كل همسة تخرج من إحداهن.. كانت تنتقل له بكل وضوح..
“هكذا إذًا” همس داخله “هنالك تحالف من ثلاث طوائف للإطاحة بالمساحة.. الأمر خطير.. ست بوابات انتقال.. بالحكم على ما حدث هنا فإن هنالك الكثير من السادة ذوي الرتبة الأولى والثانية.. وربما عدد من ذوي الرتبة الثالثة”
التفت نحو السيد.. قال
“أنت تبدو قويًا.. ربما مرتبة ثالثة كما أعتقد”..
“نعم” أجاب الرجل.. ثم هبط للأسفل..
عيناه اتجهت نحو الأختين..
“يا للعار. تم تدليلكن كثيرًا حتى أصبحتن عاجزات أمام مجرد تابع. الموت أفضل من خسائر موارد الطائفة على الضعاف أمثالكم”
لم تجب الفتاتان.. وقع عليهما صمت قاتم. لم يحتج سومان سوى نظرة حتى يعرف كمية الخوف الذي أحاط بهن..
عادت أنظار السيد نحو سومان.. قام بتحليله من أعلاه لأسفله.. ضحك وقال
“استسلم.. ربما سأمنحك موتًا سريعًا”
كان زيه الأبيض ذو الخيوط الذهبية عريضًا..
لكن جسد السيد ذاته.. بدا من خلف الرداء طبيعيًا.. ليس ضعيفًا ولا سمينًا..
وعندما حرك ذراعه فجأة.. بدا وكأن موجة هواء عاتية أصابت الرداء ودفعته للخلف..
ليتبين أن السيد بالفعل ذو جسد طبيعي لا يتلاءم وحجم الرداء..
عشرات الخناجر الصغيرة بدأت تظهر.. تطوف في السماء وتزداد عددًا..
عندما توقفت الريح أخيرًا..
أحاط السيد ما لا يقل عن ألف خنجر..
“لا يبدو أنك مستعد للاستسلام.. عيناك تقول ذلك.. إذًا” شخر السيد..
“دعنا ننهي المعركة سريعًا..”
لم يتحرك سومان.. قام برفع يمينه..
تحولت أصابعه فجأة للون الأحمر.. دم قاتم أحاط بها واندفع للأسفل..
وصل للأرض سريعًا.. قامت الأرض بامتصاصه
ثم عاد الدم للخروج مجددًا. لم تستمر العملية كلها سوى لحظات بسيطة..
لم يترك سيد الرتبة الثالثة المجال لسومان.
انشقّ الهواء فجأة…
ومن أعالي السماء اندفعت مئات الخناجر دفعة واحدة.
كانت تلمع تحت الضوء كأسراب من الفضة القاتلة، تهوي بسرعة مرعبة، تتقاطع مساراتها وتلتف حول بعضها بطريقة فوضوية لا يمكن التنبؤ بها.
لم تكن مجرد خناجر تسقط.
بل بدت وكأنها سرب نحلٍ هائج.
تتغير اتجاهاتها في الهواء، تنحرف فجأة، ثم تعود للاندفاع نحو الهدف ذاته.
كل خنجر منها كان يحمل قوة حادة وسرعة قاتلة.
وفي الأسفل…
وقف سومان.
لم يتحرك.
وفي اللحظة التالية.
وصلت الخناجر.
انهالت دفعة واحدة على موقعه.
تشاااخ! تشااخ! تشااخ!
انفجرت الأرض تحت وابل الضربات.
ارتطمت الشفرات بالصخور والتربة، فتناثرت الحجارة وارتفعت غيمة كثيفة من الغبار.
اختفى سومان تمامًا داخل العاصفة الترابية.
وقف السيد من الرتبة الثالثة، يراقب بصمت.
عيناه ضاقتا قليلًا.
كان يتوقع رؤية جسدٍ مثقوب… أو على الأقل صرخة ألم.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
مرت لحظات.
وبدأت الغيمة الغبارية تتلاشى ببطء.
خطوط الرؤية عادت تدريجيًا.
ثم…
اتسعت عينا السيد قليلًا.
أمامه.
وقفت صدفة هائلة.
قوقعة ضخمة مستديرة، سطحها خشن ومتعرج، وطبقاتها السميكة تشبه درعًا حجريًا عتيقًا.
كانت القوقعة ثابتة في الأرض كصخرة قديمة.
وكل الخناجر التي هبطت قبل لحظات…
كانت مغروسة حولها أو متناثرة عند أطرافها.
ببطء…
ظهر رأس الكائن من داخلها.
سلحفاة معمّرة.
جلدها سميك، وعيناها العتيقتان تلمعان ببطء هادئ، كأنها لا تكترث للعاصفة التي سقطت عليها قبل لحظات.
القوقعة التي تحميها…
كانت صلبة بشكل مرعب.
حدّق السيد من الرتبة الثالثة للحظة.
ثم رفع يده مجددًا.
حركته كانت حادة هذه المرة.
فوقه…
مئة سكين أخرى.
اندفعت.
اخترقت الهواء بسرعة قاتلة، وهبطت مباشرة نحو سومان.
لكن السلحفاة لم تتحرك.
بقيت ثابتة.
القوقعة فقط هي التي واجهت الهجوم.
تكاااخ! تكاااخ! تكاااخ!
ارتطمت السكاكين بسطحها الصلب.
انكسرت بعض الشفرات.
وانحرفت أخرى.
ثم تساقطت جميعها على الأرض.
لم تستطع اختراق القوقعة.
لم تستطع حتى خدشها بعمق.
لم تكن تلك السكاكين ندًّا لتلك القوقعة أبدًا.
خلف الدرع الطبيعي الهائل…
وقف سومان.
تنفس ببطء.
كانت عيناه تراقبان السماء بحذر.
لقد سبق أن أصابته أحد تلك الخناجر قبل لحظات.
جرح صغير… لكنه كان كافيًا ليفهم الخطر.
الهرب من هذا السرب كان مغامرة خطيرة.
مسارات الخناجر غير متوقعة.
وعددها كبير جدًا.
لكن مواجهة الهجوم…
باستعمال استدعاء ذي دفاع متين…
كان الخيار الذي يمنحه أعلى فرصة للبقاء.
ولهذا—
استدعى السلحفاة.
كائن دفاعي قديم… بطيء الحركة… لكنه يملك قوقعة يمكنها تحمّل ضربات تفوق ما تستطيع أغلب الدروع تحمله.
وقد فعل ذلك بسرعة.
لم يتردد.
لم ينتظر لحظة أطول مما يجب.
ولو تأخر قليلًا فقط…
لربما كان جسده الآن مغطى بالخناجر بدل أن يقف خلف هذا الدرع الحجري الصامت.
وقف السيد من الرتبة الثالثة، يحدّق بعينين مليئتين بالازدراء.
كانت مئات السكاكين تطفو حوله في الهواء، تدور ببطء كأسراب من طيور جارحة تنتظر الإشارة.
انحنت شفتاه بابتسامة متعالية.
“هل ستكتفي بالدفاع فقط؟”
انزلقت كلماته ببطء نحو سومان، محمّلة بسخرية واضحة.
ثم رفع يده.
في لحظة واحدة.
اندفع عدد أكبر من السكاكين.
انطلقت من حوله كعاصفة معدنية، تشق الهواء بسرعة هائلة وتتجه مباشرة نحو سومان.
لكن.
قبل أن تصل…
حدث شيء آخر.
فجأة…
ظهر ظل هائل خلف السيد.
اتسع الظل بسرعة فوق الأرض، كأن شيئًا ضخمًا قد خرج من العدم.
التفت السيد قليلًا.
عيناه ضاقتا.
خلفه..
وقف ذئب ضخم.
جسد هائل بطول ثلاثة أمتار، عضلاته مشدودة كأنها منحوتة من صخر، وفوق جبهته ارتفع قرن طويل ملتف يشبه رمحًا أبيض.
تردد صوت السيد بدهشة خفيفة.
“وحش كارثة…؟”
لكن المفاجأة لم تجعله يتراجع.
في اللحظة نفسها التي اندفعت فيها السكاكين نحو سومان…
تحرك السيد، جسده ينزلق إلى الأمام ليواجه الوحش مباشرة.
أما الذئب…
فقد توقف.
رفع رأسه ببطء نحو السماء.
القرن الطويل فوق جبهته بدأ يرتجف.
ثم.
صدر صوت هائل.
اهتزاز عميق كدوي جبل يتشقق.
بدأت شرارات زرقاء تتراقص حول القرن.
ثم اجتمع البرق والرعد حوله.
خيوط من الكهرباء تجمعت كأفاعٍ مضيئة، تدور حول القرن وتزداد شدة مع كل لحظة.
ثم…
عوى الذئب.
عواء طويل اهتزت له المساحة.
وفي اللحظة التالية.
انفجر برق هائل من القرن.
اندفع كرمح من الضوء الأزرق، مصحوبًا بدوي رعد عنيف، واتجه مباشرة نحو السيد من الرتبة الثالثة.
لكن.
في الجهة الأخرى.
كان سومان قد ابتعد قليلًا.
قوقعة السلحفاة الضخمة أمامه كانت قد تصدت بالفعل لموجة السكاكين الأولى.
وقف خلفها، يراقب ما يحدث.
عيناه اتسعتا بدهشة.
البرق الذي اندفع نحو السيد…
بدأ يتغير اتجاهه فجأة.
انحرف…
ثم صعد إلى الأعلى.
ابتسم السيد.
بل ضحك.
“البرق إذًا.”
فوقه…
كانت آلاف السكاكين الطافية في السماء تهتز.
ثم.
بدأت تمتص البرق.
خيوط الكهرباء التي أطلقها الذئب سُحبت نحوها، كأنها مغناطيسات معدنية جائعة.
كل سكين منها التهمت جزءًا من الشحنة.
وتجمعت الكهرباء حولها.
في الأسفل.
عوى الذئب مجددًا.
هذه المرة كان العواء أعنف.
القرن اهتز بقوة أكبر.
ثم اندفع برق أعظم.
أشد.
أكثر كثافة.
لكن النتيجة كانت نفسها.
الشحنة سُحبت مرة أخرى.
امتصتها السكاكين الطافية، وبدأت تتوهج بضوء أزرق شرس.
أسنان سومان انطبقت بقوة.
“هل يملك قدرة امتصاص للبرق…؟ تبًا.”
خرجت الكلمات من بين أسنانه بغضب.
ضحك السيد.
ضحكة مليئة بالشماتة.
“لقد منحتني هدية أيها الأحمق… ههههه.”
ثم.
حرك يده.
في لحظة واحدة اندفعت موجتان هائلتان من السكاكين.
اتجهت الأولى نحو سومان.
والثانية نحو الذئب.
لكن هذه المرة…
لم تكن مجرد سكاكين.
كل شفرة كانت مغلفة بالبرق.
تيارات كهربائية زرقاء تدور حولها، تزيد سرعتها وقوتها وتجعلها أخطر بكثير.
اتسعت عينا سومان.
“هذا خطر!”
صرخ.
ثم.
وصلت الضربة.
انفجرت الموجة فوقه.
دوى ارتطام عنيف هز الأرض.
البرق والسكاكين اصطدما بقوقعة السلحفاة دفعة واحدة.
وفي الجهة الأخرى.
كان الذئب يتحرك بسرعة هائلة.
قفز.
انحرف.
تفادى عددًا كبيرًا من السكاكين.
لكن العدد كان ضخمًا.
اخترقت عدة شفرات جسده.
ضربته في كتفيه وجانبيه.
لكن…
لم يظهر عليه تأثير كبير.
في النهاية.
كان ذئب كارثة.
جلده سميك وصلب.
والأهم…
أنه يملك خاص
ية البرق أيضًا.
لهذا كانت مقاومته طبيعية ضد هذه السكاكين المشحونة.
كانت مقوماته مضادة تقريبًا لهذا النوع من الهجوم.
على عكس سومان.
في الجهة الأخرى.
دوّى صراخ السلحفاة فجأة.
صرخة ألم ثقيلة خرجت من الكائن العجوز.
السكاكين نفسها لم تستطع اختراق قوقعتها.
لكن…
كل البرق الذي كانت تحمله…
انفجر فوقها.
مئات الصواعق ارتطمت بدرعها الحجري.
ارتجف جسدها الضخم.
ثم…
انهارت على الأرض.
القوقعة ما زالت سليمة…
لكن الكائن بداخلها أصيب بإصابة خطيرة جدًا.