الفصل 72 - دخول جديد
الفصل 72 – دخول جديد
.
جلس الرجل على الأرض بصمتٍ ثقيل، وسط مساحة واسعة من التربة الحمراء.
كانت الأرض جافة، متشققة قليلًا، بلونٍ يميل إلى القرمزي…
كأنها شربت دماءً قديمة ولم تنسَ طعمها بعد.
لم تكن هناك محاصيل.
لا سنابل، ولا أشجار، ولا حتى أعشاب برية.
فقط أرضٌ عارية… تمتد حوله حتى يبتلعها الأفق.
مدّ ساقيه قليلًا، وغرس كفيه خلفه في التراب الخشن، ثم رفع رأسه ببطء نحو السماء.
لم يكن الصمت حقيقيًا.
من بعيد…
كانت أصوات المعارك تتردد.
دويٌّ مكتوم…
ارتطامات معدنية بعيدة…
صرخات تتكسر مع الريح ثم تختفي.
معارك تدور في أماكن متفرقة، خارج حدود هذه الأرض الزراعيه، لكنها قريبة بما يكفي ليشعر بها.
ومع ذلك… لم يتحرك.
فقط استمع.
في السماء، كان المشهد أشد غرابة.
ظهرت هناك أجسام هائلة…
أقرب إلى أطباق دائرية ضخمة، معلّقة في الهواء، ثابتة كأنها ثقوب فُتحت في السماء نفسها.
ومن جوف تلك الدوائر…
كانت تندفع رماح عملاقة.
رماح سوداء طويلة، تسقط نحو الأرض بسرعات مرعبة، تشق الهواء بصوتٍ حاد يشبه صراخ الرياح.
كل رمحٍ يسقط في مكانٍ بعيد…
ثم بعد لحظة، يصل صداه إلى هنا:
ارتجاجٌ مكتوم في الأرض…
ودويٌّ ثقيل يتدحرج عبر الأفق.
لكن ما كان يظلّل كل ذلك…
كان الغيمة.
فوق تلك الدوائر الطائرة، تمددت غيمة سوداء هائلة. ليست كسائر الغيوم. كانت كثيف. متراكمة… كأنها بحرٌ من الدخان تجمّع في الأعلى.
أطرافها تتحرك ببطء، كشيءٍ حيّ يتنفس.
كلما خرج رمح جديد من تلك الدوائر، كان وميضٌ باهت يلمع داخل الغيمة…
كأنها قلبٌ مظلم يضخّ الدمار إلى الأسفل.
أما الرجل…
فلم يهرب.
لم يصرخ.
لم يلتفت حتى.
جلس فقط فوق تلك التربة الحمراء، يستمع إلى العالم وهو يتكسّر من حوله…
وكأنه ينتظر شيئًا لم يصل بعد.
أمامـه…
وقفت الفتاتان.
كانتا متقاربتين، كل واحدة منهما تبحث عن بعض الأمان في ظل الأخرى.
القلق واضح في عيونهما… والخوف أكثر وضوحًا في المسافة التي تفصل بينهما وبين الرجل الجالس.
رفع الرجل رأسه ببطء.
نظر إليهما نظرة طويلة… باردة…
ثم قال بصوت هادئ:
“العالم الآخر.”
ساد صمت قصير.
ثم مال رأسه قليلًا، وسأل بنبرة فضول غريبة:
“كيف هو؟”
تبادلت الفتاتان النظرات مرة أخرى.
الفتاة الأطول أخذت نفسًا مترددًا وقالت:
“هو… طبيعي.”
ارتفع حاجب الرجل قليلًا.
“طبيعي؟”
أشارت بيد مرتجفة نحو السماء، حيث كانت الأقراص الدائرية تفتح أفواهها وتطلق رماحًا سوداء نحو الأرض.
“لا يوجد… هذا.”
تبع الرجل إشارتها بعينيه للحظة… ثم عاد بنظره إليها.
“إذن أخبريني.”
تقدم بجسده قليلًا إلى الأمام، وغرست عيناه فيهما.
“لا توجد وحوش؟”
هزت الفتاة رأسها بسرعة.
“لا.”
“لا قوى خارقة؟”
“لا.”
ترددت قليلًا ثم أضافت:
“الناس… عاديون. يعيشون حياتهم فقط.”
صمت الرجل ثانية.
صوت ارتطام رمحٍ بعيد هزّ الأرض قليلًا… لكن لم يلتفت أحد.
سأل ببطء:
“كيف تحمون أنفسكم؟”
بدت الحيرة على وجه الفتاة الأقصر.
“من ماذا؟”
ظل ينظر إليها لحظة… ثم أدار نظره نحو الأفق حيث تتصاعد أعمدة دخان بعيدة.
“من الأشياء التي تريد قتلكم.”
ابتلعت الفتاة ريقها.
“لا توجد… أشياء كهذه.”
اقتربت خطوة صغيرة دون أن تشعر.
“هناك جرائم… حروب أحيانًا… لكن—”
توقفت عندما لاحظت أن عيني الرجل ضاقتا قليلًا.
“لكن ليس مثل هذا العالم.”
قالت ذلك وهي تنظر حولها… إلى السماء السوداء… وإلى الأرض التي ترتجف كل بضع لحظات.
عاد الرجل يسأل:
“إذن… كيف يعيش الناس؟”
أجابت الفتاة الأطول:
“يعملون… يدرسون… يبنون مدنًا متطوره”
“مدن متطورن؟”
“نعم. ابنيه من الحديد والخرسانه تصل لعنان السماء”
” اشبه بابراج الطوائف ؟ ”
” نعم. ولكنها اصغر واكثر بكثير”
ظل الرجل صامتًا للحظة طويلة.
الريح مرّت مرة أخرى فوق الأرض الحمراء.
وفي السماء… خرج رمحٌ آخر من أحد الأقراص الدائرية، واخترق السحاب الأسود قبل أن يهوي بعيدًا.
أخفض الرجل عينيه قليلًا… كأنه يفكر في شيء بعيد.
رفع نظره إليهما مرة أخرى.
هذه المرة… كان في عينيه شيء مختلف.
شيء جعل الفتاتين تتجمدان في مكانهما.
“غريب.”
همست الفتاة الأطول:
“ما الغريب؟”
نظر الرجل إلى السماء… ثم إلى الأفق المشتعل بالمعارك.
ثم قال بهدوء:
“عالمٌ بلا وحوش…”
توقف لحظة.
” المعارك تبدو قويه بالفعل هناك ” همس سومان.. صوته كان مسموعا اذا ما كان هنالك من يستمع .
” اجلسا . لا داع لكل هذا الخوف ان لم يكن لديكم نيه خبيثه ”
لم تجب الاختان ..
” هل انتم من نفس بلاد الزعيم ؟ ” سئل سومان
” من اي بلد هو زعيمك ؟ ” سئلت الاخت الكبرى .. صوتها كان وقورا .
حاول سومان استدراك ذكرياته .. ثم قال ” اعتقد ان اسمها الارض ”
” الأرض . ليست بلد بل كوكبا. انها اشبه لحد ما بهذا العالم من حيث التضاريس . داخل الارض يوجد عديد الدول . مثل الامبراطوريات والدول التي تتواجد في هذا العالم ”
” هكذا اذا ” همس سومان ..
” في الارض ” قالت الاخت الصغره . التفت سومان نحوها .. واضافت الفتاة
” لا نملك شيء مثل الوحوش الكبيره والكوارث والنظام لكننا نملك بشرا كالوحوش”
” اعتقد ان وحوش العالم الحالي. اهون من البشر ” عدل سومان جلسته .. ” على الاقل .. لا يوجد وحوش تبحث عن التمدد في اراضي غيرها بالدم ”
فجاتا …
رفع سومان عينيه ببطء. وترقب
كان ينظر إلى السماء فوقهم مباشرتا . من امام الخيطٌ ألاسود الذي خرجت منه الفتاتان…
بدأ ظل يخرج تواليا .. خطوه واخرى ..
خرج رجل.
انزلق جسده من الفتحة بهدوءٍ مهيب، يبعث طاقة كبيره .
كان يرتدي عباءة بيضاء طويلة، تتخللها خيوط ذهبية رفيعة تتلألأ مع الضوء الخافت.
حول جسده… هالة ثقيلة من القوة، غير مرئية تمامًا… لكنها محسوسة كضغطٍ يثقل الهواء. شعر بها سومان تخترق جسده ..
في اللحظة التي رآه فيها…
قفز سومان من مكانه.
لم يكن قفزًا عاديًا.
اندفع جسده كريحٍ مفاجئة، التربة الحمراء افجرت تحت قدميه وهو ينطلق نحو الفتاتين بسرعة تكاد تمحو صورته من المكان.
الفتاتان لم تفهما ما يحدث. كل ما رأته أعينهما. أن الرجل الذي كان جالسًا بهدوء قبل لحظة، أصبح أمامهما فجأة. كالوحش ..
وفي يده…
شيء يشبه قضيبًا حديديًا أسود.
رفعه بسرعة.
الفتاتان تجمدتا.
بدا وكأنه على وشك ضربهما.
لكن في اللحظة التالية—
تينغ!
دوّى صوت معدني حاد في الهواء.
القضيب الحديدي لم يهبط عليهما…
بل اصطدم بشيءٍ آخر.
خنجر.
خنجر صغير… بالكاد يمكن رؤيته من سرعته.
ثم.
تينغ! تينغ! تينغ!
ضرب سومان عدة خناجر متتابعة، تتطاير من حول الفتاتين كوميضٍ فضيّ مجنون.
لم تكونا قد رأتا حتى مصدرها.
لكنها كانت تأتي من السماء… بسرعة قاتلة.
أمسك سومان بالفتاتين معًا.
كما لو كانتا لا تزنـان شيئًا.
ثم قفز.
خنجر آخر مرّ من المكان الذي كان يقف فيه قبل لحظة… مخترقًا الهواء بصوتٍ مرعب.
هبط سومان… ثم انطلق مرة أخرى.
السرعة كانت عنيفة لدرجة أن التربة الحمراء تطايرت خلفه كسحابة.
تينغ!
ضرب خنجرًا آخر في الهواء.
لكن هذه المرة.
واحدٌ أفلت.
مرّ الخنجر قرب الأرض… ثم انحرف فجأة.
تشـق!
غرز في قدم سومان.
توقف جسده للحظة قصيرة…
لكن لم يبطئ حركته.
استمر بالجري.
قبضته تشد على الفتاتين بقوة، وهو يندفع عبر الأرض القاحلة.
خنجر آخر مرّ خلف ظهره.
ثم آخر عبر أمامه.
لكن بعد عدة قفزات سريعة…
توقف.
على بعد نحو ثلاثين مترًا من مكانهما الأول.
أنزل الفتاتين ب
رفق على الأرض.
كانتا تلهثان… عيونهما متسعة من الصدمة.
أما سومان…
فاستدار ببطء.
وقف باستقامة.
الخنجر ما يزال مغروزًا في قدمه… والدم ينساب قليلًا فوق التربة الحمراء.
رفع رأسه نحو السماء.
نحو الرجل ذي العباءة البيضاء… الخارج من الخيط الأسود.
ثم…
ابتسم.
ابتسامة هادئة… كأن ما حدث قبل لحظات لم يكن أكثر من لعبة صغيرة.