الفصل 67 - رجل لا يضرب النساء
الفصل 67 – رجل لا يضرب النساء
.
“لقد أخبرتكِ” صرخت الفتاة بغنج وأضافت:
“ألا نشارك في هذه الحملة.. ماذا لو ظهر لنا خصم قوي؟”
“ما الذي سنفعله؟ نبقي أنفسنا في العاصمة للأبد؟ الجميع يحاول تطوير نفسه إلا نحن.” قالت الفتاة الأخرى..
كانتا كلتا الفتاتين ترتديان ثوبًا أبيض طويلًا..
إحداهما ذات شعر أشقر وجسد هزيل وملامح طفولية.. وطول لا يتجاوز المتر والنصف.
الثانية.. كانت شقراء كذلك، لكن ملامحها بدت حادة وجسدها كان أكثر قربًا لامرأة ناضجة من كونه لفتاة مراهقة..
أطلقت الفتاة الأكبر المكعب الأزرق.. وبدأت تمشط المساحة.. كانت من ذوي الرتبة الثانية.
أما الفتاة الأصغر فكانت من ذوي الرتبة الأولى..
المساحة التي هبطتا بها كانت أقرب لمنطقة ترابية مفتوحة.. تراب المنطقة كان يقرب للون الأحمر وبدا مناسبًا جدًا للزراعة..
أدركت الفتاتان سريعًا أنهما وجدتا أنفسهما في مساحة زراعية مسطحة.. وغير مأهولة بعد..
“هل نتحرك؟” سألت الصغيرة.
“كلا.” أجابت الأكبر سريعًا، “المهمة تقول أن نبقى لحماية المكعبات حتى يتفعل القيد..”
تنهدت قليلًا ثم أكملت.. “يبدو وضعًا مناسبًا لكِ يا جوليا.” برزت ابتسامة هادئة على شفتي الفتاة الورديتين.
لم تكد الفتاة الأصغر تجيب.. حتى هبت ريح من بعيد..
ظل أسود كبير.. كان يقترب بسرعة كبيرة..
استعدت الفتاتان..
وصل الظل..
بدأت خيوط الظل وكأنها تشكل حيوانا مفترسا.. ذئب بهاله قويه وانياب حاده
توقف الذئب عن الحركة. ودوى عواء هائل .. حينها بدأت ملامح الذئب تظهر ويختفي الظل من حوله .. أول ما برز كان قرنا بطول ثلاثة أمتار يتوسط عيني الذئب ..
فيما اكتسا جسده الذي يزيد عن خمسة أمتار بأكمله بجلد فضي يميل للسواد ويعتليه عدد من الطبقات الجلديه الاثخن والتي تسير من أعلى رأس الذئب حتى مقدمة ذيله ..
من أعلى الذئب، قفز بخفة رجل يرتدي زيًا أسود بالكامل.. مع قفازين فضيين..
“اللعنة.” شخر الرجل سريعًا، وتغيرت تعابير وجهه المهيبة إلى غضب داخلي..
“لم يجب أن أواجه النساء.” لعن مجددًا..
على بعد عشرين مترًا أمامه.. لم تتحرك الفتاتان.. ما زالت تعابيرهما تظهر القلق.. عينا الاثنتين سقطتا على الذئب الكبير..
التفتت الصغيرة جانبًا نحو زميلتها وهمست بخفوت: “هل هذا حقًا وحش كارثة؟”
لم يكن سؤالها ينتظر الجواب، بل كان أقرب لمفاجأة.. لأن الحقيقة كانت جلية.
فوق رأس الذئب برز اسم واضح للوحش:
{ وحش الكارثة الصغرى – ذئب ظل البرق }
بالنسبة لسيد من المرتبة الثانية، فإن مواجهة وحش كارثة صغرى أمر صعب..
مع الاستعدادات اللازمة والأسلحة المناسبة، يمكن للسيد تسهيل المعركة كثيرًا على نفسه..
لكن كلتا الفتاتين اصفرت وجوههما بمفاجأة..
لم تكونا مستعدتين لذلك..
وقف المقاتل أمامهن بزيه الأسود.. رفع كفه ثم تحول ذئب الكارثة إلى دماء حمراء اتجهت أسفل أقدامه واختفت..
“اسمي هو سومان.” قال المقاتل، “السؤال هو.. كيف سنحل الأمر؟”
بدا سؤالًا طبيعيًا مصحوبًا بابتسامة..
لكن الأختين صمتتا لوهلة مصحوبة بقلق متراكم..
“نحل ماذا؟” أجابت الفتاة الكبرى. حاولت الأخت الصغرى التكلم.. منعتها الكبرى بإمساك يدها.
“أنا.. لا أحب مواجهة النساء.. لكنكن غزاة.. إن قبلتن الاستسلام لن تكون هناك مشكلة.” قال سومان.
“هل أنت هو السيد هنا؟” خرجت الكلمات بصعوبة..
“هههه بالطبع لا.. أنا أضعف بكثير من أن أكون حتى نائبًا للسيد.” أجاب سومان بابتسامة.
“ولكنكما..” قال، ثم صمت لوهلة وأكمل:
“تبدوان أضعف من أن تكونا سيدين كذلك.”
بدا وكأن الفتاتين وصل توترهما أقصاه عند سماع ذلك.. ثم بدأت الأخت الكبرى بمحاولة تسيير الوضع.
“ربما.. نحن لسنا بقوة كافية.. ولكن هناك سادة كثر في المساحة أقوياء كفاية.. من الأفضل لكم الاستسلام.”
“نعم هذا صحيح.. استسلموا ولن نعذبكم!” صرخت الفتاة الصغيرة..
ألقت الأخت الكبرى نظرة حادة على شقيقتها.. جعلتها تصمت..
أضيقت عينا سومان.. اختفت الابتسامة التي ملأت محياه قبل لحظات، وظهر بدلها شيء من السخرية.
“من المفترض أن يكون هذا هو الكلام الذي يجبرني على التراجع، أليس كذلك؟ ههههه..” ضحك بصوت عالٍ، ثم توقف وأكمل قوله:
“للأسف فالأمر أصبح عكس ما تفكرن به.. الآن علي أن أهزمكن سريعًا وأتوجه لمساندة البقية.”
لم تجب الفتاتان.. بل تراجعتا سويًا عدة خطوات..
لوحت الفتاة الصغرى بيدها..
فجأة.. بدأ دخان أزرق يخرج تواليًا من يديها..
“اكتملت الشروط.” همست بابتسامة..
قربها وقفت الأخت الكبرى ورفعت ذقنها بسخرية..
“الرجال.. بسطاء جدًا.” ثم أطلقت العنان لطاقتها المكتومة..
من العدم.. ظهر سوط أسود بنهايتين..
“المروض.” همست، “سلاح مخصص تم إضافة عروق أفعى كارثة له ليصبح بقوة مضاعفة.”
لوحت بالسوط وضربت الهواء.. في الوقت الذي بدأ فيه الدخان الأزرق يغطي المساحة..
“السم الأزرق.. سلاح مخصص يملك خصائص سلاح عتيق!” صرخت الأخت الصغرى من خلف الضباب الأزرق..
“لكنه.. يحتاج لعدة شروط لتفعيله.”
لم يتحرك سومان.. وترك الضباب يغمره.. نظر يمينًا ويسارًا..
اختفت الأختان من أمامه.. وبدأ بصره يبصر أقل فأقل بسبب الضباب.. “لماذا تشرحن خصائص الأسلحة الخاصة بكن؟” سأل.
“تفعيل السم الأزرق..” همس صوت إحدى الأختين، “يحتاج إلى أن يعلم الخصم خواص السلاح.”
“يالها من خاصية.” همس سومان.. ما زال يقف بلا حراك.. عيناه تبحثان في جميع الاتجاهات..
لكن الصوت فقط من كان يصل له..
بعد حين.. لم يأتِ أي هجوم..
بدأ الشعور ببعض الألم يغزو جسده.. أغمض عينيه..
ثم تنفس مجددًا.. اختفى الألم..
ثم بدأ الوقت يمر..
فجأة..
سوووش..
حول قدميه.. التف السوط ذو الرأسين كالأفعى..
شعور بالخدر بدأ يغزو قدمه مجددًا..
“قدرة سوطي.. تسمح بسحب اللياقة من السيد وتسقطه في تعب جسدي متراكم.”
همست الأخت الكبرى..
بعد حين.. بدأ الخدر يزداد..
ولكن.. مجددًا..
عاد الخدر يختفي..
مرت الدقائق..
السم الأزرق الذي انتشر كالغبار بدأ يختفي..
ثم..
عاد الجو طبيعيًا..
وظهرت الفتاتان من أمام سومان.
“السم..” همس سومان، “هجوم استنزاف ممتاز.. ولكن..” ابتسم بخفة، فيما نظر نحو السوط الذي ما زال يلتف حول قدمه..
“ما الفائدة من هجوم يستنزف كمية معينة من شخص يملك ما يعوض تلك الكمية وأكثر؟ بذات الوقت” سخر سومان..
لم تجب الفتاتان.. كان الهجوم الفاشل يشع في تعابيرهما.. ورغم أن سومان لم يدافع ولم يهاجم بعد.. إلا أن طعم الخسارة بدأ يظهر في فم الفتاتين..
عندما نظرت الأخت الكبرى لعيني سومان.. كانت ترى فيه قوة العالم الخارجي.. فارق القوة الذي يمنعها من الخروج والمغامرة.
نظرت نحو شقيقتها الأصغر.. ثم تذكرت فجأة كل ما مرت به.. ودب فيها الخوف.
كان العالم واسعًا جدًا.. تطورات القوى متفرعة وتعطي كل باحث حق بحثه..
كان العالم الخارجي يشجع على الاستكشاف والمغامرة.. لكنه لم يكن عالمًا ورديًا..
وحوش وبشر وأنصاف بشر وجان ومخلوقات مختلفة.. كل الكائنات كانت تتصارع في العالم للحصول على المكافآت..
جوليا وأختها الكبرى ماريسا لم تكونا سوى أختين قد انتقلتا من كنف عائلة ثرية.. لم تواجه أي منهما قساوة العالم ولا تحدياته..
وحين وجدتا أنفسهما في عالم آخر.. كان الحظ حليفًا لهما ليتم تبنيهما من قبل أحد ما..
استعملتا مميزات كونهما سادتين وعاشتا ببذخ.. حتى بدا لزامًا عليهما بعد الرتبة الأولى أن تبدآ المغامرة..
انضمتا لأحد الطوائف وبدأتا بالمساهمة بالشكل الذي يمنحهما العيش برفاهية دون مخاطرة..
وصلت إحداهما للرتبة الثانية بمساندة الطائفة..
ثم.. وجدت الفتاتان نفسيهما في مغامرة لغزو إحدى المساحات..
التفتت الفتاتان لبعضهما.. وضعت الفتاة الصغيرة يدها فوق فمها وقالت:
“هل يجب أن ننسحب؟”
“ما الذي سنفعله؟ نقول لهم إننا هزمنا هزيمة نكراء من تابع؟ سيلقي الزعيم بنا في الشارع!”
أجابت الأخت الكبرى بغيظ..
“هذا أفضل من موتنا.” همست الصغرى.. ووقع تأثير كلامها على الأخت الكبرى..
استمرت الفتاتان بالتجادل بهمس..
ثم..
نظرتا سريعًا نحو سومان..
تحرك لأول مرة.. لكنه جلس..
في الوقت الذي ظلت به الأختان تتناقشان.. كان سومان يستمع لكل كلمة..
دون أن تفهم الفتاتان ما حدث في هجومهما السابق.. السم الذي لم ينفع والسوط كذلك..
استدعى سومان عددًا من البعوض الصغير.. انطلقوا من الجانب..
ثم التصقوا بثوب كلتا الفتاتين..
كان البعوض ذو هدف استراتيجي وتجسسي.. كل بعوضة تعمل كلاقِط صوتي لما يُحكى قربها..
وأيضًا كأداة تعقب.. تجعل سومان يعي دائمًا أين هو مكان تواجد الفتاة التي تلتصق بها البعوضة..
مد سومان قدميه للأرض.. وقال بصوت مسموع:
“استريحا.. لن أقاتلكما. ولكن..” كانت عيناه تشعان بتهديد، “إن تحركتما للهجوم مجددًا.. لن أتردد في استدعاء من لا يملك مانعًا من القضاء عليكما.”
…
بخطوات متزنة وثقيلة.. تقدم سيد الرتبة الثانية بلحيته البيضاء الطويلة وظهره المعقوف..
تجاعيد وجهه أطلت لتبرز رجلًا كبيرًا في السن وقورًا بردائه الأبيض الذهبي الفضفاض..
من خلفه برز جبل أسود من الحديد الصلب.. غير المستكشف..
عندما وصل لنقطة معينة.. أطلق المكعب الأزرق.. ومضى خطوات إضافية.. ثم توقف.
“هل أنت ومقاتلوك خصومي أيها المحارب؟” سأل السيد العجوز.
“نعم أيها السيد الوقور.” أجاب الرجل الصخري الضخم وحنى رأسه احترامًا وأضاف: “أتمنى أن تعيد التفكير بغزوك لنا أيها السيد.”
كان جسد زعيم مقاتلي الصخور ممتلئًا بدرع أسود من الجلد المزدان ببعض الفضة..
بدا جسده أكبر وأثقل مما كان عليه قبل التدريب.. ومن خلفه
بدا الثلاثون مقاتلًا الذين معه متغيرين كذلك..
“أنا رجل كبير.” أجاب العجوز، “لا أملك خيار التراجع.. إن انتصرت فأنا منتصر، وإن مت فقد عشت طويلًا بالفعل.”
رفع العجوز يده.. ثم أخرج خيطًا أبيض. “أرجو المعذرة.” همس، ثم قذف الخيط في الجو وأكمل:
“أنا رجل عجوز.. فلتعذرني على الأساليب المخادعة.”
في تلك اللحظة..
انفجر الخيط لألف خيط..
انطلقت نحو القائد..
ضوء أصفر أحاط جسد زعيم الصخور..
عبرته الخيوط..
رفع المقاتلون
الثلاثون دفاعاتهم..
الخيوط.. لم تهاجم..
بل.. لصقت.
رفع العجوز يمينه..
وفتح كفه عاليًا.. وبانت في داخلها
الخيوط..
“جسدي..”
“ما الذي يحدث؟”
“اللعنة!”
صرخ جميع المقاتلين بغيظ..
أضيقت عينا زعيم الصخور..
أمامه..
تمت السيطرة على مقاتليه الثلاثين في لمح البصر..