الفصل 65 - تحول
الفصل 65 – الغزو
.
أصوات العصافير توحي ببدء صباح جديد. خطواتي شقّت أرض الغابة، وبدا وكأن الريح هي من تتحرك..
أضقت عيني بتركيز، وتسارعت نبضات قلبي. وجهت نظري إلى الأعلى..
حيث بدأت شرارات بلون أسود تخترق السماء وتتوسع .
“كيف حدث هذا؟” صرخت، دون فهمٍ للموقف. وضرب صوتي الشجر المحيط حولي دون ردود ..
قبل عدة دقائق، كنت أنام بهناء لاستعادة تراكمي داخل بُعد التدريب.. حينها أيقظني وحش الخداع .
“المساحة تتعرض للغزو.”
قال سريعًا ولم يقدم تفسيرًا، بل اكتفى بالقول إن هناك هالات قوية قادمة..
لم أكد أنظر جيدًا إلى الآخرين الذين كانو حولي بالفعل . حتى بدأ النظام بإرسال إشعار الغزو..
{ المساحة تتعرض للهجوم }
{ الجدار العازل يتم اختراقه من ست جهات }
فجاتا ظهرت الأماكن التي يتم الاختراق فيها. ست إشارات باللون الأحمر أضاءت فجأة في شاشة النظام..
كانت متساوية الحجم إلا واحدة، كانت أكبر من الجميع.
وها أنا أتجه نحوها الان بمفردي. الآخرون توجهوا نحو الإشارات الأخرى..
ثلاث سنوات داخل بُعد التدريب..
لم أرَ أيًا من قادتي لتلك المدة الطويلة. كان من المفترض أن ننهي المراحل المئة ونخرج سويًا..
ولكن.. اتى الغزو وكسر المخطط
وقفت، وعلى بعد عشرات الأمتار فوقي بدا خيط أسود يشق السماء..
اتجهت عيناي نحو أماكن أخرى..
من تلك الأماكن ظهرت خيوط سوداء أخرى وبدأت بالتوسع..
جميع الأماكن كانت فوق مساحات لم تُفتح بعد..
ولكن الأمر الغريب بهذا الغزو بدأ من تلك اللحظة..
عندما ظهر إشعار النظام:
{ تم فتح المساحات جميعًا بشكل مؤقت }
لقد ظننت أنني بدأت أعي سير الأمور..
لكن الوضع يبدو غريبًا جدًا..
توقفت الشرارات أخيرًا..
هالة قوية بدأت تتسرب..
حتى على بعد مئات الأمتار شعرت بها بكل قوة..
ثلاث ظلال خرجت تواليًا من الخيط الأسود المعلق في السماء..
تقدم أحدهم، وتبعه اثنان آخران يبدوان كحرس، ويرتديان ثوبًا ذهبيًا بالكامل..
كانت عيناي تبصران الضيوف الثلاثة..
“ثلاثة أسياد؟” همست بقلق، فيما بقي الثلاثة في الأعلى دون حركة..
كانت أعينهم تنظر إلى الأسفل، نحو الجوانب، نحو كل مكان..
لقد رأوني من اللحظة الأولى، واستمروا بالنظر نحو أماكن أخرى..
كان السيد الذي يقف في المقدمة يرتدي ثوبًا أبيض، ويضع يديه خلف ظهره، وقد طال شعره الأشقر حتى منتصف ظهره..
في الأماكن الأخرى بدأت الظلال تخرج تواليًا من البوابات..
“أسياد آخرون؟! اللعنة..” شخرت بغضب..
عندما خرج الجميع، نظر السيد الأشقر نحوي قائلا.
“مرحبًا..”
بدا الصوت عاليًا جدًا، وقد سمعه الجميع..
لكنه لم يكن يؤذي الأذن أبدًا..
“أين سيدك؟”
كان صوت السيد الأشقر قريبًا جدًا..
وقفت بتوازن، وهدأت نفسي..
بدأت أشعر بها.. قوة السيد الذي أمامي..
كان يخفي واجهة نظامه، لكنه لم يفعل مع رتبته..
ترك هالته تتسرب كإعلانٍ للسيطرة التامة..
“سيد من الرتبة الرابعة..” أضقت عيني، وبدأت شرارات القلق تتسرب في داخلي..
وجهت نظري إلى الآخرين.. سيدان من الرتبة الثانية..
“هل هم طائفة أو تجمع من نوع ما؟” همست داخلي متسائلا.
الطاقة التي تتسرب من السيد الأشقر هي الأعلى في كل المساحة..
هذا يعني..
أن السادة الآخرين جميعهم أقل رتبة منه..
أعتقد أن الرتبة الثالثة ليست هنا. وإن كان متواجدًا فلا شك أنه سيقف بجانب الرتبة الرابعة..
“أنا هو السيد هنا.” قلت بهدوء..
لم يكن صوتي ليصل إلى شخص على بعد عشرة أمتار..
لكنني واثق أن خصومي يستطيعون السمع..
“كلا، لست السيد هنا.”
كان رد سيد الرتبة الرابعة حازمًا، ثم قطّب جبينه وأضاف:
“أين يختبئ سيدك الجبان ليترك أتباعه في الواجهة؟”
فجأة..
بدأت أسمع بالفعل الاهتزازات في الأماكن الأخرى..
المعركة بدأت هناك.. وهنا ما هي إلا مسألة وقت..
الرتبة الرابعة.. هل أستطيع هزيمته؟
لم أكن أحمق كي لا أعلم يقينًا أن الفرق بين الرتب كبير جدًا..
إن كان الفرق بين الرتبة الثانية والأولى الضعف مثلًا، فإن الفرق بين الرتبة الثالثة والثانية هو الضعفين..
الرتبة الرابعة ستكون كذلك بمستوى مختلف عن الثالثة..
هل أستطيع برتبتي الثالثة أن أهزم سيدًا برتبة رابعة؟
كان سؤالًا صعبًا للتفكير به..
ومع ذلك، أن أواجه سيدًا مثلي يجعل الصعوبة أكبر..
كل ما مررت به قد يكون مرّ به بشكل ما..
كل ما حصلت عليه قد يكون حصل على ما هو أكثر منه..
ولكن.. كل ذلك ليس مهمًا أمام أمر أكثر إلحاحًا..
ثلاث سنوات…
ثلاث سنوات داخل بعد التدريب.
الزمن داخله ليس كما في الخارج.
لكنه كان كافيًا ليحوّل القتال إلى عادة.
قتلتُ الكثير.
وحوشًا بأشكال لا تُحصى…
مخالب، أنياب، قرون، ظلال، ألسنة نار، أجساد بلا ملامح.
كلهم كانوا يهاجمون.
كلهم كانوا يريدون الفتك بي.
لم يكن هناك تردد… ولا سؤال.
إما أنا… أو هم.
لم أنظر يومًا في عيني وحش وتساءلت إن كان يملك عائلة.
لم أسمع صرخة تطلب الرحمة.
لم أشعر بثقل القرار.
الوحوش لا تتحدث.
لا تتفاوض.
لا تنظر إليك كما ينظر إنسان إلى إنسان.
القتل كان ضرورة.
خطوة ضمن تدريب.
وسيلة للبقاء.
لكن الآن…
الذي يقف أمامي ليس مخلوقًا يتحرك بغريزته.
هو يفهم.
يفكر.
يختار.
وقرر أن يقتل.
شعرت بانقباض في صدري.
وأنا…
هل أعلم ما يعنيه أن أقتل شخصًا مثلي؟
شعرت بشيء ثقيل في صدري.
إن هاجمته… فلن يكون الأمر دفاعًا فحسب.
سيكون قرارًا واعيًا بإزهاق روح تشبه روحي.
هل سأتردد؟
ولو ترددت… كم شخصًا سيموت في القرية؟
تنفست ببطء.
لم أتخذ قرارًا بعد.
المعركة لم تبدأ.
لكن السؤال…
“هل أستطيع قتل بشري مثلي؟”
انقبض قلبي كما لو أن أحدهم اعتصره..
مجرد التفكير بالأمر جعلني على وشك التقيؤ..
“هل أستطيع قتل بشري مثلي؟” همست مجددا بارتباك..
“ممم.. ما الذي تريده؟” سألت.. بدت علامات الارتباك جلية على وجهي..
لم يجب، بل..
في الجهات الخمس الأخرى فجأة ارتفعت خمسة أعمدة زرقاء عاليًا وقطعت السماء..
رفع السيد الأشقر يمينه.. مكعب أزرق مشع ارتفع من بين أصابعه إلى الأعلى..
استقر المكعب عاليًا وتحول إلى عمود ضوء أزرق..
فجأة..
خيوط ضوء زرقاء بدأت تخرج تواليًا من الأعمدة وتنسج شبكة هائلة..
توسعت الشبكة شيئًا فشيئًا حتى ارتبطت ببعضها وأحاطت بكل المساحة كغيمة هائلة..
عندها..
أدار السيد الأشقر رأسه إلى الجانب، ولم يخفض صوته، وبدا واضحًا:
“اقتل القرويين جميعًا.”
ثم التفت نحو الجانب الآخر..
“واقتله كذلك.”
لم أكد أستوعب الأمر حتى اندفع التابع ذو الرتبة الثانية نحوي.. سرعته كبيرة..
اتجهت عيناي نحو التابع الآخر.. كان ينطلق بالفعل نحو القرية، وكانت تبعد أكثر من ألف متر عنه..
…
أسراب الأوز الأبيض بدأت تصدر صيحات هجينة..
“يا للإزعاج..”
كان السيد يرتدي زيًا ذهبيًا، بشعر قصير أسود، وطول فارع يتجاوز المترين..
قبل بضعة دقائق نزل على المساحة التي تكونت من عدة مستنقعات مائية غير عميقة..
الشجيرات الخضراء الصغيرة غطت جل الأرض المائية..
داخل المساحة تواجد عدد كبير من الأوز الأبيض الجميل..
وسط مجموعة الأوز التي كانت ترقد فوق أعشاشها، رفع السيد ذو الرتبة الثانية يده ولوّح..
موجة صدمة اندفعت من بين ثنايا ثوبه..
بووووووم..
على بعد عشرين مترًا..
أصبحت المساحة فارغة..
المياه، العشب، الأعشاش، والأوز..
جميعها اندثرت..
“هكذا أفضل..” همس، وانفرجت بين شفتيه ابتسامة..
أخرج مكعبًا أزرق وأطلقه عاليًا..
تحول المكعب إلى عمود ضوء، وخرجت من بين ثناياه خيوط نسجت شبكة الضوء..
وقف السيد ذو الرتبة الثانية وسط المستنقعات، نظر يمينًا ويسارًا.. لا أحد..
لم يكن هناك أحد هنا.. كل شيء يبدو طبيعيًا..
“يبدو أنه لم يستكشف المنطقة بعد..” همس.. “سألهي نفسي بهذه الأوزات.”
قفز نحو مستنقع آخر يحوي عددًا أكبر من الأعشاش..
“هل تستمتع باصطياد الأوز؟” همس صوت قريب منه.. قريب جدا ..
لم يكد يلتفت السيد بعينيه حتى..
سقط.
بووووووم..
ضربة يمينية هائلة قذفت به خمسين مترًا بعيدًا نحو يابسة المستنقع التي تحوي أقل نسبة من المياه..
كان المهاجم يرتدي زيًا جلديًا أسود بالكامل..
شعره الأسود القصير لمع مع نور شمس الصباح تحت أصوات الأوز المذعور..
استقام السيد ذو الرتبة الثانية على قدميه..
ولولا أن خصمه التفت وبانت ملامح جسده الأنثوي وصدره البارز مع ضيق زيه..
لظن أن تلك الضربة من مقاتل بحجم فيل..
“هل تعتقد أن دخول أرض الآخرين نزهة؟” همست الفتاة ذات الابتسامة الجميلة الجامحة..
أضاق السيد عينيه.. نور أصفر أحاط بعينيه، وركز نظره نحو خصمه..
“لولا أننا نعلم أن السيد هنا رجل، لظننت أنكِ هي السيد ذاته.”
قال السيد ذو الرتبة الثانية، ورفع كفه وأكمل:
“بالمناسبة.. إخفاء جيد لطاقتك.”
“شكرًا لك.” انفرجت شفتا الفتاة..
“إن القتال لا مفر منه كما تعلمين.. لنتعارف قبلَه من باب اللباقة.”
“هل يجب أن أعرّف نفسي لمن هو أقل قوة؟ ههه
ههه..” علا صوت لويس بضحكة وأضافت:
“اكسب حق التعريف بنفسك.”
ثم رفعت يديها وأشارت بأصابعها نحوه، ودعته للهجوم..
ابتسامة السيد أصبحت أوسع..
“ألعاب صبيانية..” قال . ثم اضاف
“إذا.. قدراتك تعتمد على هجمات خصمك.. ربما.”
أدار رأسه إلى الجانب واكمل
“تملكين خواص الامتصاص للدفاع أو الهجوم أو كليهما. ربما . ”
“تبًا..” همست لويس.