الفصل 58 - ارك التدريب - مونالي
الفصل 58 – أرك التدريب (مونالي)
…
فوق صخرةٍ وحيدةٍ في وسط أرضٍ قاحلة…
وقفت فتاة في السادسة عشرة من عمرها بثباتٍ لا يتزعزع.
كانت الرياح العاتية تعصف بشعرها الفضي اللامع،
وجديلتها المزينة بخيط زمردي التصقت بجبينها…
لكنها لم تتحرك خطوة واحدة.
كأن العاصفة نفسها تخشى الاقتراب منها.
السماء فوقها كانت مغطاة بسحب رمادية كثيفة، ثقيلة… صامتة… كأنها تنتظر إشارة.
من فوق الصخرة، رفعت الأميرة مونالي يديها ببطء.
ثم…
مدّت يدها اليسرى بعيدًا إلى الأمام،
وارتفعت ثلاثة أصابع بحركة معقوفة دقيقة.
وبالحركة نفسها… مدّت يدها اليمنى إلى الخلف.
لحظة صمت.
وفجأة.
من العدم…
تكوَّن بين يديها سهمٌ كبير من ضوءٍ أصفر نقي.
لم يكن هناك قوس. لم يكن هناك وتر.
فقط طاقة نقية تشكّلت بين قبضتيها، نابضة، متوهجة.
سحبت يديها إلى أقصى حد… ومطّت السهم الضوئي حتى بلغ طوله الأقصى.
توتر الضوء… وارتجف الهواء من حولها…
ثم.
سووووش!
انطلق السهم كوميضٍ خاطف، يمزق الفضاء نحو الأعمدة الحجرية العملاقة المنتشرة في السهل.
من بين الأعمدة العالية…
تحركت ثلاث ظلال ضخمة.
اندفعت بسرعات مختلفة، تفرّقت… ثم التفّت من جهات متباينة.
عندها فقط اتضحت ملامحها.
جلد أصفر منقط بالأسود. أربعة أطراف تحمل جسدًا بحجم حصان. فكٌّ قاطع، وأنياب بطول نصف متر تلمع تحت الضوء الرمادي.
فهود قادة.
ثلاثة.
ضيّقت الأميرة مونالي عينيها.
السهم الذي أطلقته كان يتجه مباشرة نحوهم…
لكن.
قبل أن يصل…
انحرف.
غيّر مساره فجأة…
وصعد.
عاليًا.
أعلى من الأعمدة. أعلى من السحب.
اخترق السحب الكثيفة واختفى داخلها.
لحظة صمت ثقيل.
ثم.
دوّى صوت عنيف من خلف السحب.
لم يكن برقًا. لم يكن رعدًا.
كان انفجار طاقة.
وفي اللحظة التالية…
بدأت شرارات ضوءٍ ذهبي من الأعلى.
تقترب…
وتقترب…
حتى بدت طبقة السحب السوداء كأنها منخل مثقوب بمئات النقاط المتوهجة.
نقاط الضوء الذهبية اخترقت السحب وبدأت تهبط.
بلا صوت.
أكثر من مئة ضوء أصفر.
تسارعت نحو الأرض.
سهام ضوئية صغيرة… لكن كثافتها كانت كافية لمحو جيش.
اندفعت كموجة هادرة نحو الفهود الثلاثة.
ثم.
بووووم!
اهتزّت الأرض.
وتناثرت الحجارة.
واختفى زئير الوحوش تحت وابل الضوء المتساقط.
…
في المرحلة الأربعين …
وجدت الأميرة مونالي نفسها أمام تحدٍ واضح:
هزيمة ثلاثة وحوش قادة دفعة واحدة.
وبالنسبة لها…
كان الأمر يبدو قريبًا من المستحيل ..
لكنها فهمت ..
أن الجوائز التي حصلت عليها كانت قد هيأتها تمامًا لما هو قادم ..
دخلت ساحة التحدي الغريبة بأعمدتها العالية المتناثرة ..
في المراحل العشر الأولى ..
وجدت نفسها في غابة يملؤها الظلام ويحيط بها من كل جانب ..
ضيّقت عينيها .. ولمحته
من بين الظلال ككابوس صغير.
جوبلن الحدود الجنوبية الشرس.
كان قصير القامة…
لكن حضوره مقزز بما يكفي ليجعل أي مبتدئ يتراجع خطوة.
لكنها .. لم تكن مبتدئة
ولم تكن لتتراجع ..
واجهت سيلًا منهم ..
وبعدد سهام غير كاف .. كانت المرحلة الأولى تحديًا حقيقيًا ..
لكنها نجحت فيه ..
في المرحلة العاشرة واجهت جوبلن قائد ..
لم يكن نِدًا لها وهزمته في المحاولة الأولى ..
عندما عُرضت عليها الجوائز .. اختارت ما تريد سريعًا ..
{ الشريط الرابط }
{ قطعة قماش خضراء. تربط بين المستخدم وسلاحه }
سمح لها الشريط الرابط بإطلاق سهامها بكل قوتها دون الحاجة لإظهار القوس ..
في نهاية المرحلة العاشرة .. كانت الأميرة مونالي قادرة على إطلاق ثلاثين سهمًا ..
في المرحلة الحادية عشرة .
وجدت الأميرة نفسها مجددًا في مواجهة سرب آخر ..
لكنه لم يكن جوبلن .. بل نسور المنقار الحديدي ..
لم يتجاوز عددها عشرين نسرًا ..
لكنها امتلكت شيئًا آخر ..
السرعة ..
المراوغة ..
في المواجهة الأولى بينها وبينهم .. خسرت جميع سهامها دون إسقاط أكثر من 10
بعد 5 أيام ..
أتقنت الأميرة تحكمها وتمكنت من إسقاط العشرين نسرًا بعشرين سهمًا ..
في المرحلة العشرين .. واجهت نسرًا قائدًا ..
كان ضخم البنية .. ذكرها بنسر العاصفة الهائل الذي يمتلكه قائدها ..
بعد عدة مواجهات .. أدركت أنه أضعف بكثير من نسر قائدها ..
مع ذلك .. لم تكن سهامها المنفردة كافية لإسقاطه ..
بعد عدة أيام ..
سقط النسر بفضل التكتيك وقراءة المعركة ..
الجائزة التي حصلت عليها هذه المرة .. لم تكن شيئًا جديدًا ..
بل كانت
{ الشريط الرابط الشفاف }
{ قطعة قماش شفافة لا يمكن لغير المالك رؤيتها. تربط بين المستخدم وسلاحه }
زاد تأثير الشريط الرابط الشفاف من ارتباط مونالي بسلاحها .. وعزّز فهمها للقوة التي تملكها بشكل أوضح ..
في العشرين مرحلة التالية .
كان تأثير الشريطين واضحًا في تحكم مونالي بسهامها وفهم تكوينها ..
ولأول مرة .. تمكنت من جعل سهمها ينقسم إلى عدة أجزاء ..
في المرحلة الثلاثين .. واجهت سربًا آخر .. من النسور ذات المنقار الحديدي ..
في خضم القتال .. ظهر سرب جوبلن ..
ثم جوبلن قائد ..
ثم نسر قائد ..
بعد مواجهات عديدة .. كانت المعركة محتدمة ..
كان تراكم الأميرة على وشك النفاد .. وجوبلن القائد يقف دون ضرر ..
وانتهى الوقت ..
بعد عدة أيام .. وقفت الأميرة مبتسمة .. وسط ساحة جثث أعدائها المهزومين ..
ومجددًا ..
حصلت على الشريط الرابط .. الروحي
{ قطعة قماش روحية. تربط بين المستخدم وعنصر سلاحه }
في المراحل التالية .. كانت المواجهات أعنف .
ظهرت أمام الأميرة مجموعة كبيرة من الفهود القاتلة ..
مخلوقات سريعة وعنيفة ..
لم تستطع الأميرة إصابة أيٍ منها بأي سهم ..
وفي كل مرة ..
وجدت نفسها تكافح لإنقاذ نفسها بانتظار انتهاء الوقت ..
بعد 10 أيام ..
فشلت مجددًا في تجاوز المرحلة 31 ..
لكنها كسبت فهمًا قيّمًا ..
للوحوش ولقدرة شريطها الروحي الجديد ..
في كل مرة تشتد المعركة .. تظهر سحب سوداء ملبدة بالظلام ..
مرة بعد أخرى .. كشفت الأميرة متى وكيف تظهر السحب ..
مجدّدًا .. عادت إلى المراحل الأولى للتدرب على الخاصية الجديدة ..
عشرات ومئات المحاولات . وأيام طويلة
ثم ..
كسبت الأميرة التحكم الكامل في السحب .. واكتسبت الفهم الكامن فيها
كيف ومتى وإلى أي حد يمكن الاستفادة من السحب ..
استهلكت الأميرة أكثر من 30 يومًا من التدريب المتواصل لفهم ذلك ..
عندها .. قررت المحاولة مجددًا ..
في المحاولة الأولى .. وجدت نفسها تسقط سرب الفهود بلا تعب .. حتى دون استخدام السحب ..
جولة بعد أخرى .. تجاوزتهم تباعًا ..
ثم في المرحلة الأربعين .. وجدت الأميرة نفسها أمام ثلاثة فهود قادة ..
انطلقت الفهود نحوها كالظلال من شدة سرعتها ..
سحبت الأميرة سهامها وأطلقت أكثر من عشرة سهام دفعة واحدة ..
بووووم .
بووووم .
بووووم .
تناثر الغبار ..
تدمرت عدة أعمدة
لكن القادة الضخام .. واصلوا التقدم ..
لم يكونوا فهودًا عاديين ..
أجسادهم كانت صلبة .
وجميع السهام التي أطلقتها مونالي لم تؤثر فيهم إطلاقًا ..
بعد حين ..
رفعت الأميرة يديها وكونت سهمًا هائلًا ..
بطول مترين ..
وأطلقته ..
أحاط به صوت هدير .
وصل سريعًا إلى أحد فهود القادة ..
فجأة ..
انحرف الفهد كظل إلى الجانب ..
بووووووم ..
دمر السهم الهائل عمودًا عاليًا وفتته إلى شظايا ..
ووقف فهد القائد بعيدًا عنه .. كاشفًا عن زوج من الأنياب الكبيرة الحادة
للحظة .. في بداية المعركة ظنت الأميرة أن فهد القائد مخلوق قوة يواجه مباشرة ..
وتأكد ظنها بإطلاقها وابلًا من السهام المصحوبة بالرعد .. وتلقيه لها دون خوف
لكنها فهمت بعد ذلك ..
أن الوحش كان ذكيًا .. اختار تلقي مجموعة السهام الصغيرة لأنها لم تكن لتؤذيه .. على عكس السهم الهائل .
ضيّقت الأميرة عينيها وابتسمت ..
استمرت بالمحاولة حتى فشلت المهمة ..
بعد .. عشر محاولات
وقفت الأميرة فوق الصخرة العالية فوق أحد الأعمدة ..
كانت الريح تعبث بخصلات شعرها .. وعقلها ينسج أفكار خطتها المحكمة ..
” الخطوة الأولى .. ” همست ” اكتملت ”
قبل قليل .. كانت قد أطلقت سهمًا هائلًا ثم وجهته نحو السحب الداكنة ..
بفهمها العميق والمتراكم من التدريب المكثف .. اكتسبت معرفة خفية بطبيعة السحب ..
لولا البعد التدريبي الخاص وتلك المراحل .. لاحتاجت سنوات لاكتساب تلك المعرفة ..
اخترق سهمها السحب عاليًا ثم .. أمرت السحب أن تدعمه ببرقها الكامن ..
بدأ السهم يزداد حجمًا وأصبح ضخمًا ..
ثم ..
جعلته ينقسم إلى مئات السهام الصغيرة .. ويندفع نحو الفهود ..
لم تهرب الفهود .. بل تلقت الضربة ..
كانت الوحوش تعلم أن مئات تلك السهام لن تؤذيها ..
والأميرة علمت كذلك .. لكنها لم تكن تسعى لذلك ..
في تلك اللحظة .. استخدمت الأميرة حركة مشابهة لتلك التي استخدمتها ضد وحش الكارثة الكبرى راديان ..
أطلقت السهام الصغيرة كموجة .. لتثبيت الوحوش ..
انقشع الغبار ..
كانت الفهود ملتصقة بالأرض مثبتة .. لكنها كانت أقوى .
وبدأت تستعيد حركتها ..
بوووووم ..
فجأة ..
انقضت موجة جديدة من سهام الضوء فوقهم ..
وسحقتهم نحو الأرض ..
ثم ..
بووووم ..
موجة ثالثة عنيفة ..
أصبحت حركة الفهود مقيدة تمامًا ..
” الخطوة الثانية ” همست مونالي بابتسامة .. ثم
اتجهت عيناها إلى الأعلى ..
ثلاثة سهام هائلة ..
تهبط بعنف من فوق السحب ..
كل سهم بطول خمسة أمتار بضوء شديد ..
انقضت السهام المدعمة بطاقة البرق ..
وضربت الفهود المثبتة بعنف ..
بووووووم ..
دوّى صوت الضربة عاليًا ..
ومعه ..
ظهر ضوء أزرق في الأعلى ..
{ تمت المهمة بنجاح }