الفصل 5 - فارسة القمر المكتمل
الفصل الخامس – فارسة القمر المكتمل
..
اسودّت السماء الزرقاء الصافية فجأة.
بدأت الغيوم تستولي على الأجواء، متجمعةً في كتلٍ هائلة فوق الجزيرة، التي بدت كحبة رملٍ صغيرة تحت تلك السحب السوداء الكئيبة.
بدأ قلبي يرتجف دون سابق إنذار.
ومع ومضة برقٍ خاطفة شقت السحاب…
وجدت نفسي أترقب صوتًا طالما أيقظ الخوف في داخلي.
ولم يتأخر الرعد.
دوّى بصوتٍ مرعب…
ششششششششش…
لم أستطع السيطرة على نفسي.
فقد جسدي قدرته على الوقوف، وسقطت أرضًا ممددًا بالكامل.
اجتاح جسدي ارتعاشٌ عنيف، وشعرت وكأن البرق والرعد يتسابقان لإيذائي.
التفت السحابة السوداء العملاقة فوقي في مشهدٍ مهيبٍ للعين…
ومرعبٍ للروح.
“ما الذي يحدث ماذا بحقك؟!
أي نوعٍ من طقوس الاستدعاء هذه؟!”
ساد الصمت للحظة.
ثم…
ضرب البرق والرعد معًا.
صوتٌ عنيف…
وضوءٌ أبهر بصري.
ارتطم البرق بالأرض بقوة، وارتفع الغبار في الهواء كما لو أن عاصفة رملية قد اجتاحت المكان.
تشوشت رؤيتي.
وبقي جسدي مفروشًا على الأرض.
حاولت تحريك أصابعي…
وقدمي…
ورأسي…
لكن دون جدوى.
تمتمت لنفسي:
“يبدو أن جسدي دخل فعلًا في حالة صدمة.”
أخيرًا… بعد ان كاد الخوف يقضي علي .
توقف البرق والرعد.
ومن خلف ستار الغبار…
بدأت ومضات سوداء تتشكل.
رفعت يدي بصعوبة…
وفركت عيني.
كانت الرؤية ما تزال ضبابية.
لكن…
ذلك الشيء الذي كان يتكون أمامي…
بدأ يأخذ شكله تدريجيًا.
في وسط الساحة الخضراء المغطاة بالغبار…
ظهرت دائرة سحرية سوداء من باطن الأرض.
وفي مركزها…
لم تكن هناك نجمة.
بل شكلٌ يشبه البدر الكامل.
وحوله رموزٌ غامضة لم أستطع تمييزها بسبب الغبار.
بدأت الدائرة تتسع شيئًا فشيئًا…
وفي المقابل…
بدأ الغبار يتلاشى تدريجيًا.
لكن…
ما إن اختفى الغبار…
حتى ملأ البخار الدائرة السحرية بدلًا منه.
وعادت الرؤية مستحيلة مرة أخرى.
وحين تجاوز قطر الدائرة خمسين مترًا مربعًا…
خرج من وسط البخار…
خطوة…
ثم أخرى…
وبدأت ملامح جسدٍ بشري تظهر وسط الضباب. جسد انثوي .
وقف هناك…
وكأنها جزء من الغابة نفسها.
لكن حضورها…
كان أهيب من أي شجرة…
وأعظم من أي ظل.
أخيرًا…
استطعت الوقوف.
نفضت الغبار عن ثيابي.
وهدأت قليلًا…
منتظرًا وصول الفارس الغامض.
بدأ الغبار والبخار يخفان…
حتى أصبحا أرق من ضباب الصباح.
وأصبحت الرؤية أمامي واضحة.
كانت الفارسة تقف بشموخ…
على بعد خطوات قليلة مني.
وعادت السماء إلى صفائها الهادئ.
معلنة انتهاء طقوس الاستدعاء أخيرًا.
وأخيرًا…
تسلل شيء من الارتياح إلى داخلي.
لطالما رأيت مثل هذه الطقوس في الأعمال التلفزيونية المختلفة…
لكن…
أن تكون في قلبها…
وسط البرق والرعد…
فهذا أمر مرعب بحق.
لقد كنت على وشك فقدان الوعي…
لولا أنني تمسكت ببقايا قوةٍ نفسية داخلي.
والآن…
انتهى الاستدعاء.
ماذا أفعل؟
هل يجب أن أقول شيئًا؟
أم أفعل شيئًا؟
ربما…
يكفي أن أقف بصمت.
لكن…
قبل أن أصل إلى قرار…
بدأت هي تتحرك نحوي بخفة.
كانت خطواتها صامتة كليلٍ ساكن.
وحركتها…
لم تكن سوى موسيقى خيالية.
خطوة…
ثم أخرى…
ثم ثالثة…
حتى توقفت أمامي بعد خمس خطوات فقط.
ثم…
انحنت ببطء.
وتلألأ شعرها الفضي تحت أشعة الشمس، تتخلله ضفيرة رفيعة كخيطٍ من الضوء…
حتى كادت تلامس الأرض.
وقالت بصوتٍ منخفض… لكنه ثابت… وجميل… بل جميلٌ للغاية:
“خادمتك المخلصة… رهن أوامرك.”
تحركت عيناي نحوها دون إرادة مني…
فكلما حاولت أن أصرف نظري عن جزءٍ من ملامحها المشرقة…
انتقل تلقائيًا إلى جزءٍ آخر.
كانت أذناها طويلتين، مدببتين عند الطرفين…
في دليلٍ واضح على أنها تنتمي إلى عرق الإلف…
أولئك الذين يجمعون بين الجمال والرهبة في آنٍ واحد.
كيف علمت ذلك ؟ هل تسئلوني حقا هذا السؤال ؟
همست لنفسي بحماسٍ لم يره أحد:
“يا إلهي. هذه الفتاة؟! هل هي حقًا خادمتي؟
إنها تبدو كأميرة خرجت من إحدى الأساطير… وليس كخادمةٍ عادية.”
أخذت نفسًا عميقًا.
يجب أن أبدو هادئًا.
إمبراطورًا مظلمًا…
لا أحمقًا مذهولًا.
“مرحبًا بك… ما اسمك؟”
أخيرًا تحدثت. بصوتٍ ظننته خشنًا. لا أدري. فغالبًا ما تسمع صوتك بطريقة، بينما يسمعه الآخرون بطريقة مختلفة.
حسنًا… آمل أنها سمعته بالشكل الذي يليق بي. رفعت رأسها قليلًا.
وثبتت نحوي عينين بلون العسل، امتزجتا بظلال الخريف. ثم قالت بهدوء:
“مونالي، يا سيدي.”
كانت ترتدي معطفًا طويلًا أخضرا داكنًا.
أكمامه منتفخة عند المرفقين، ثم تضيق عند الرسغين، ومزينة بزخارف نباتية أنيقة.
أما صدرها فكان محميًا بدرع جلدي أسود خفيف. وتحته قميص أبيض، تثبته أزرار معدنية صغيرة.
وكان حزام عريض يلتف بإحكام حول خصرها، يتدلى منه خنجر قصير. بينما عبر كتفها حزام آخر يحمل جعبة من السهام.
أما القوس على ظهرها. فلم يكن يبدو مجرد سلاح. بل امتدادًا حيًا لجسدها… وجزءًا من مهارتها.
“مونالي…
اسم جميل بحق.”
“……”
إنها…
رائعة.
مهما حاولت الحفاظ على رباطة جأشي…
لكن…
هذه الفتاة…
خادمة لي؟
حقًا…
ما زلت عاجزًا عن تصديق ذلك.
ماذا ينبغي أن أقول؟
هممم…
حسنًا.
منح الخادم اسمًا جديدًا…
يرفع من مكانته.
هذا ما تعلمته من أعمال الإيسيكاي.
إذن…
“مونالي.
بما أنك أصبحتِ في خدمتي…
فاسمحي لي أن أمنحك اسمًا جديدًا.
اسمك الجديد هو…”
—
دينغ… دينغ… دينغ.
ماذا الآن؟
{ لا يمكن منح اسم. }
{ طاقتك الروحية غير كافية. }
أي نوعٍ من الحماقة هذا أيها النظام اللعين؟
إن لم تكن لدي طاقة…
فكيف استطعت استدعاءها من الأساس؟
مرة أخرى…
تعبث بالمنطق لمصلحتك.
اللعنة عليك.
—
دينغ… دينغ… دينغ.
{ مكافأة أول استدعاء مهيب: 100,000 دينار. }
{ تم تفعيل: الخواص — الشخصية. }
—
{ الشخصية }
{ المستوى = 1 }
{ القوة الروحية = 0 }
{ القوة الجسدية = 0 }
{ التحمّل = 5 }
{ المهارات الخاصة = 0 }
{ الألقاب = 1 }
{ الحظ = 80٪ }
—
ما هذا…
هذه إحصائيات كلب…
وليست إحصائيات إنسان.
قوة جسدية صفر؟
أي هراء هذا؟
يبدو أن جعموص قادر على هزيمتي بهذه الإحصائيات البائسة.
لكن…
الحظ 80٪.
يبدو أنه الشيء الجيد الوحيد وسط هذه الأرقام العقيمة.
لا بأس.
بحسب معرفتي بأعمال الانتقال إلى عالم آخر وألعاب البقاء…
فإن الحظ يعني الحصول على أدوات نادرة…
وسيناريوهات سرية…
قد تغير مجرى الأمور بالكامل.
ومهمة الطائر الصارخ…
وذلك اللقب…
لا بد أنهما أولى ثمار هذا الحظ المرتفع.
“مونالي.”
“نعم، يا سيدي.”
“ماذا تعرفين عن العالم الخارجي؟”
“……”
“مونالي.”
“نعم، يا سيدي.”
“لماذا لا تجيبين عن سؤالي؟”
“يا سيدي…
إنه المكان الذي أنت فيه.”
كانت عيناها حادتين.
ونظرتها تبعث هدوءًا عميقًا…
هدوءًا يشبه ذلك المنبعث من الهاوية.
“المكان؟
وما الذي به؟”
“إنه يحجب ذكرياتي…
هناك طاقة غريبة تمنع ذلك.”
طاقة تمنعها؟!
ماذا يعني هذا…
وبالحديث عن ذلك…
تذكرت الرسالة الغامضة.
لقد ذكرت شيئًا عن عدم القدرة على الحديث عن هذا العالم.
حينها…
ظننت أن الأمر مجرد محاولة لإخفاء المعلومات عني عمدًا.
لكن…
مونالي مختلفة.
لقد استُدعيت لتكون خادمتي.
ومن المفترض أن تخبرني بكل شيء.
إذن…
هناك حقًا شيء يمنعها من الكلام.
لكن…
ما هو؟
—
“مونالي…
انهضي.
قدماك الجميلتان لا ينبغي لهما أن تبقيا راكعتين.”
“شكرًا لك، يا سيدي.”
وفي لحظة…
وقفت بكل وقار.
كان طولها يقارب مئة وخمسةً وستين سنتيمترًا.
وجسدها…
نحيلًا بانسيابية ضربة فرشاة رسام.
“مونالي…
هل تجيدين الطبخ؟
التنظيف؟
قطع الأشجار؟”
“لا.”
هاهاها.
يا له من جوابٍ مختصر.
لا أحد يهاجم المكان.
إذن…
مونالي عديمة الفائدة تمامًا في الوقت الحالي.
ماذا عن…
حسنًا…
فلنسأل سؤالًا من نوع “المغامرات”.
“وماذا عن…
فرك ظهري أثناء الاستحمام؟”
فجأة…
خطوة.
ثم أخرى.
ثم…
ومن طرف عينها…
انبعثت نظرة ازدراءٍ خالصة، حادة كالسيف.
ثم اختفت.
وبعد لحظة…
كانت تقف فوق الأشجار في مكان بعيد.
وقد أدارت وجهها بعيدًا عني.
تبًا…
تبًا…
لماذا قلت ذلك؟!
كنت أتوقع منها أن ترفض فحسب…
—
دينغ… دينغ… دينغ.
{ تم فتح: دليل الظلال. }
حسنًا…
لنرَ ما بداخله.
—
{ دليل الظلال }
{ فارس البدر الكامل: أميرة متغطرسة من مملكة القمر المنسي. تحمل ولاءً أبديًا، لكنها تحمل كبرياءً لا يمكن كسره. }
—
إذن…
هكذا الأمر…
أنا…
أحمق.
نعم.
هذا أقل وصف يمكن أن يقال عن تصرفي.
اسمها…
طريقة ظهورها…
أسلوب حديثها…
ملابسها…
كل شيء فيها كان يخبرني…
أنها ليست خادمة عادية.
لكن نفسي الوضيعة…
كان لا بد أن تنطق بذلك الكلام.
تبًا لي.
—
{ دليل الظلال }
{ فارس البدر الكامل }
{ الخواص — مقفلة }
{ القدرات — مقفلة }
{ الأتباع — مقفلون }
{ العلاقة — 10٪ }
—
كل شيء…
مغلق.
العلاقة 10٪ فقط.
إنها نسبة منخفضة جدًا.
ولا ينبغي لي أن أجعل الوضع أسوأ مما هو عليه.
حسنًا…
سأحول انتباهي إلى شيء آخر.
ربما…
يجب أن أستدعي خادمًا آخر؟
لا.
لن أفعل.
لا أريد خادمًا آخر مثلها…
لا فائدة منه.
يجب أن أركز على تحقيق شروط توسيع المنطقة.
أملك ما يكفي من المال لاستدعاء شخص آخر.
أما الخادم…
فقد خرج من الحسابات.
والمزارع…
لا أملك المال اللازم لمزرعته.
إذن…
{ الحطاب }
{ شراء }
مرة أخرى…
ظهرت دائرة سحرية سوداء في المنتصف.
لكنها كانت أصغر حجمًا.
ولم تحمل صورة القمر.
هذه المرة…
لم يصاحبها برق ولا رعد.
بل تصاعد البخار من مركز الدائرة.
ثم…
خرج منها، خطوةً بعد خطوة…
حطابٌ نحيل الجسد، ذو أذنين مدببتين.
ثم انحنى وقال:
“يا سيدي…
شكرًا لك على تحريرك لي.
اسمي جو.
وآمل أن أنال رضاك.”
إنه أيضًا من شعب القمر المنسي.
لكن مظهره بسيط…
واستدعاؤه كان سريعًا.
إذن…
كما توقعت.
مونالي…
حالة خاصة.
“مرحبًا بك يا جو.
يمكنك البدء بالعمل.”
—
دينغ… دينغ… دينغ.
{ اختياري — منح الحطاب امتياز النسبة المئوية. }
{ نعم — لا }
{ المهلة المتبقية للاختيار: عشر دقائق. وفي حال عدم الاختيار، سيتم الرفض تلقائيًا. }
امتياز النسبة المئوية؟
ما هذا؟
لا يبدو خيارًا عشوائيًا.
إذن…
القرار واضح.
{ نعم — لا }
{ نعم }
—
دينغ… دينغ… دينغ.
{ سيحصل الحطاب على 10٪ مما يقطعه. }
—
دينغ… دينغ… دينغ.
{ مهمة سرية — أنقذ عائلة الحطاب جو — تم تفعيلها. }
…مرة أخرى؟!