الفصل 47 - شيء من السكون
الفصل 47 – السكون
….
فتحت عينيّ ببطء…
على ضوء أبيض.
كان الضوء ناعمًا ودافئًا. لم يهاجمني بالطريقة التي توقعتها.
تسلل عبر قماش خفيف، ستارة تتمايل مع نسمة بالكاد تُسمع.
سقف خشبي بسيط…
نظيف، خالٍ من التشققات، لا دماء، ولا ظلال متلوية.
حدقت فيه لثوانٍ طويلة،
منتظرًا أن ينهار، أو يهتز، أو ينقض عليّ كابوس متأخر.
لكن لم يحدث شيء.
تنفست.
دخل الهواء إلى صدري بسهولة…
براحة غير مألوفة.
استغرق الأمر لحظة…
أو ربما أكثر.
لم أعرف متى انتهى النوم،
ولا متى بدأ وعيي بالعودة إليّ.
لكن أول شيء شعرت به…
لم يكن الألم.
بل السكون.
سكون غريب وثقيل، وكأن العالم قرر أخيرًا أن يتوقف عن الصراخ.
حينها فقط أدركت…
أنني ما زلت حيًا.
وأن المهمة قد أُنجزت بنجاح.
حاولت تحريك يدي.
تحركت.
ببطء، وبثقل شديد،
لكن من دون صرخة من عظامي،
ومن دون ذلك الألم الحاد الذي توقعته.
أدرت رأسي قليلًا.
رائحة الأعشاب…
مُرّة، دافئة، وغير مألوفة.
قطعة قماش نظيفة كانت ملفوفة حول صدري وكتفي وجانبي.
طبقات متقنة، مشدودة بعناية لا يمكن لشخص لا مبالٍ أن يوفرها.
” لقد جلس أحدهم هنا لوقت طويل.” همست داخلي .. ” أحدهم تأكد من أنني سأبقى على قيد الحياة.”
مرت بضع ثوانٍ أخرى قبل أن أحاول النهوض.
فكرة سيئة.
رفض جسدي الأمر فورًا.
ليس بالألم…
بل بالإرهاق.
إرهاق عميق، وكأن كل خلية بداخلي تقول بصوت واحد:
ليس الآن.
أعدت رأسي إلى مكانه.
وأغمضت عينيّ.
حاولت ذكريات المعركة أن تطفو إلى السطح،
الأطراف، الصراخ، الضوء الأصفر، سقوط راديان…
لكنها كانت بعيدة.
مكتومة.
نظرت إلى السقف مجددًا.
لا وحوش.
لا قفزات قاتلة.
لا عدّ تنازلي للموت.
فقط…
السكون.
وداخلي،
ولأول مرة منذ وقت طويل،
كان ذهني صافيًا.
همست بصوت خافت بالكاد يُسمع:
“كم من الوقت نمت…؟”
أجابني الصمت.
ثم…
خطوات.
هادئة. منتظمة.
لا تحمل استعجالًا ولا خوفًا.
توقفت قرب السرير.
شعرت بنظرة موجهة إليّ.
لم أفتح عينيّ فورًا.
ثم جاء صوت منخفض وثابت:
“سبعة أيام.”
فتحت عينيّ هذه المرة.
على وجه أعرفه.
وجه متعب،
وعينين لم تناما كثيرًا.
“لويس…” همست، وانفرجت شفتاي عن ابتسامة تحمل ملامح من المودة.
“إذًا سبعة أيام…” تابعت بهدوء.
وضعت لويس كفها على جبيني…
ارتجفت قليلًا من برودتها.
“يداك باردتان.” همست.
“يا لك من طفل.” تمتمت لويس بانزعاج، ثم تابعت:
“حالُك طبيعي… لقد عدت. أهلًا بك في المنزل…”
لم تبتسم…
أي نوع من الترحيب كان هذا؟
لكن…
“أنتِ لم تنامي، أليس كذلك… خلال الأيام الماضية؟”
“نمت بما يكفي.” أجابت بهدوء.
“عيناك…” قلت، “تقولان شيئًا آخر.
هل اعتنيتِ بي وبالآخرين أيضًا… جو؟”
“الجميع بخير، وقد استيقظوا قبل زعيمهم.” أجابت، ثم التقطت بعض زجاجات الماء وأضافت:
“زعيمهم الذي يحب أن يبقى الآخرون مستيقظين من أجله أسبوعًا كاملًا، وكأنه طفل رضيع.”
ثم ابتسمت ابتسامة خافتة.
“لماذا لم تسمحي لشخص آخر من القرية بمساعدتك؟”
“أتريد أن يعتني بك شخص من العامة؟ هل جننت؟”
بدت غاضبة.
لكنني ابتسمت.
“أهلًا بعودتك. هذه هي لويس الحقيقية.”
“تبًا لك.” أجابت، ثم أسرعت في خطواتها من دون أن تنظر خلفها…
لكنني لمحت ابتسامة خجولة.
حاولت الجلوس مجددًا…
ونجحت.
“آآآه…”
تنهدت بعمق.
من الطابق الثاني لمنزل لويس، نظرت إلى القرية النشطة…
عشرات الحركات الحيوية في كل مكان.
“اشتقت إلى هذا الجو.” همست.
ثم…
{ ديينغ.. ديينغ.. ديينغ }
{ تم تأجيل الإشعارات حتى التعافي الكامل }
يا لها من همسة لطيفة…
{ هل ترغب في عرضها الآن؟ }
هل ينبغي أن أفعل؟
انتهت ثلاث مهمات دفعة واحدة…
هل سأحصل على شيء جيد منها؟
بالطبع سأحصل…
لكن؟
من معرفتي، النظام لن يسمح لي بالاستمتاع بمكافآتي من دون أن يفسد مزاجي أولًا.
نعم…
سأتركها الآن حتى أستعيد قوتي.
أحتاج إلى الاطمئنان على الآخرين الآن.
تحركت نحو أحد جانبي الغرفة.
كانت هناك خزانة ملابس بيضاء جميلة، تزين سطحها نقوش ذهبية معقدة.
في عالمي السابق، كنا سنسمي شيئًا كهذا خزانة ملابس ملكية.
فتلك النقوش الفاخرة وحدها كانت كافية لمنحها حضورًا نبيلًا.
في الحقيقة، كانت الغرفة بأكملها تحمل الأجواء نفسها.
السرير الكبير، الذي تعلوه أقواس وألواح مزخرفة، أكمل المشهد.
يبدو أن لويس تحلم بأن تصبح ملكة…
هاهاها.
فتحت الخزانة…
كانت تحتوي على ملابس لي.
ارتديت قميصًا أبيض…
وسروالًا بني.
كانا مريحين تمامًا… ذلك النوع من القماش الذي تفض ارتدائه دائما لاعطاء جسدك الراحه التي يستحقها .. مع ذلك .. كان كل من القميص والسروال جميلين جدا ويعطيان رونقا خاصا .
خرجت.
وعند خروجي، مررت بالحديقة المحيطة بمنزل لويس…
ممتلئة بالورود والخضروات.
كان كل شيء مرتبًا بأناقة.
كانت هذه المرة الأولى التي أزور فيها منزلها.
لا أعرف لماذا لم أفعل ذلك من قبل…
لكنني تذكرت تلك العينين المتعبتين…
وتلك العناية الطاغية التي غمرتني بسببها.
“أسبوع كامل من دون راحة…
فقط للتأكد من أنني بخير.”
همست…
وقررت أن أكافئها كما ينبغي.
رغم أنني أعرف أنها لم تكن تبحث عن ذلك…
فهذا ليس من طبيعتها، ومع ذلك، سأفعلها كعربون تقدير مني لها.
بعد النظر مطولا للمنزل “أفضل من منزلي، بالطبع.” همست…
ثم واصلت طريقي. كانت وجهتي الأقرب منزل جو. وفي الساحة الأمامية، كان هناك طفلان…
صبي وفتاة.
وبدا أن الفتاة تكبره بعام أو عامين.
كان المنزل أيضًا من طابقين، لكنه كان أكبر بكثير من منزل لويس.
ربما ثلاثة أضعاف حجمه.
وكانت الأراضي المحيطة به واسعة أيضًا، مليئة بأنواع مختلفة من الأشجار، وحتى ببعض أحواض الخضروات.
كان منزلًا كبيرًا حقًا.
وهذا منطقي.
ففي النهاية، لديه عائلة، كما أنه يمتلك عشرة بالمئة مما يحصده حطابو المدينة من الأخشاب.
يمكن القول إن ذلك سمح لعائلته بالعيش براحة في مثل هذا المنزل الضخم.
اقتربت من الصغيرين…
رغم أنني التقيت بهما أكثر من مرة من قبل…
فإنني لم أتذكر سوى اسم الفتاة…
جودي،
أما اسم الصبي فكان بو، أو باو، أو ربما شيس.
“مرحبًا أيها الطفلان.” حيّيتهما…
فردّا التحية باحترام وانحنيا.
“كيف حالكما؟”
“بخير، سيدي… شكرًا لك.” أجابت جودي.
“جيد جدًا…
جودي، أين والدك؟”
“السيدة مونالي طلبته.”
“هي…” دفع الصبي بو أو باو أخته قليلًا وقال:
“الأميرة السيدة مونالي.”
هاهاها.
الأميرة السيدة…
يبدو لقبًا لطيفًا.
“حسنًا أيها الطفلان، ” قلت ” احذرا من أن تتأذيا أثناء اللعب… وأبلغا والدتكما تحياتي.”
ثم واصلت طريقي، بينما تبعتني أصواتهما:
“كما تأمر، سيدي.”
كانت وجهتي الثانية…
منزل مونالي.
ومن الجيد أن جو موجود هناك أيضًا…
سأطمئن عليهما…
ثم يجب أن أخبرهما.
تبًا…
مونالي ستفقد عقلها عندما أخبرها أنني استدعيت كل تلك العائلات التي لا تستطيع فعل أي شيء…
هاهاها.
لكن لدي خطة.
أثناء مروري بالطريق الرئيسي، اصطف الجميع وهم يهتفون من أجل سلامتي.
لقد أثرت في قلبي حقًا تلك المودة التي قدموها لي واحدًا تلو الآخر من خلال هتافاتهم.
بالطبع، لم أتعجل وسط كل ذلك اللطف.
فذلك سيكون تصرفًا غير محترم.
وبعد ساعتين…
وصلت إلى منزل السيدة الأميرة.
كان منزلًا مشابهًا لمنزل لويس…
وبدا أنهم طلبوا من سومَن أن يجعل منازلهما متشابهة…
أو ربما كان أحدهما يقلد الآخر.
وبالطبع، لو قلت ذلك أمامهما، لأصبحت وجبة للقرية بأكملها.
لكن منزل مونالي كان مختلفًا قليلًا…
لم تكن هناك خضروات، لكن كان هناك عدد لا بأس به من الزهور.
وهي الزهور نفسها التي منحتها لهم في ذلك اليوم الذي احتفلنا فيه، عندما وزعت الزهور على الجميع.
يبدو أن الأميرة لم تكن تبحث عن حياة هادئة كربة منزل…
بل كانت تريد أن تكون امرأة قيادية.
وقبل أن أتمكن حتى من طرق الباب…
انفتح.
“سيدي!”
صرخ جو، ثم قفز وعانقني.
“آآآه!”
صرخنا نحن الاثنان من الألم.
“يا لهذا التصرف الأحمق.”
جاء صوت هامس من خلفنا.
“كيف حالك يا جو؟”
سألته، ولم يتأخر في الإجابة.
بدا في أفضل حالاته الصحية…
لقد كان كالدبابة فعلًا.
كان هناك سيف معلق على صدره، وها هو واقف أمامي كالثور.
ومن ناحية أخرى، اتجهت عيناي نحو مونالي…
كانت مشرقة كعادتها.
تلك “الجثة” التي كانت ملقاة في الساحة قد اختفت…
وعادت أميرة القرية الجميلة.
“ما رأيكما أن نشرب الشاي؟”
قلت.
“سأذهب لأفعل شيئًا وأعود بسرعة.
الأمر ليس مهمًا…
هل تسمح لي، سيدي؟”
سأل جو.
“أسمح لك، لكن…
ب
دلًا من العودة، عليك أن تقوم ببعض العمل.”
ثم تبعت مونالي إلى الداخل.
…
“لا أملك كلمات أقولها…
أنت تفعل ما يحلو لك في كل مرة،”
أجابت مونالي بغضب، ثم تابعت:
“كل هذه العائلات، وبهذا العدد، ومن دون قدرة على العمل؟
ماذا سنفعل بهم؟”
لم اجب .. ليست معركه يمكنني الفوز بها بالنقاش ..
حسنًا…
بعد فترة من التظاهر بالتعب، هدأت مونالي. وتقبلت الامر ..
ههههه.
ثم عدت إلى المنزل.
والآن…
حان الوقت لمعرفة ما الذي كسبته من تلك المعارك القاسية.