الفصل 46 - سليل الظلام
الفصل 46 – سليل الظلام
…
عندما وقفت داخل ظل الطرف المغروس في الأرض…
لم يكن أمام الطرفين الآخرين خيار سوى الوصول إليّ.
كان عليهما شق طريقهما بالقوة،
وتحطيم كل ما يقف في طريقهما،
وكسر الطرف المغروس في الأرض…
ذلك الطرف الذي تحول فجأة إلى درع غير مقصود.
ارتجف جسد الوحش بعنف.
لم يكن الأمر مجرد ارتعاشة غضب…
بل ارتجاف ألم حقيقي.
ثم ارتفعت صرخته، مشوهة ومكسورة،
وكأن حنجرته نفسها تتمزق وهي تطلق ذلك الصراخ.
انفجرت من جسده موجة صوتية هائلة،
واجتاحت الساحة بأكملها.
مرت من جانبي كجدار غير مرئي،
ودفعت الهواء بعنف حتى شعرت بأن صدري ينضغط.
تأرجحت قدماي.
شعرت بالأرض تنسحب من تحتي للحظة،
وشعرت بالضعف…
بالفراغ.
لكنني…
لم أسقط.
وقفت.
ليس لأن جسدي كان قادرًا على ذلك،
بل لأنني رفضت السقوط.
بكل ما تبقى من قوتي المتآكلة،
وبعزيمة لم يعد للألم أي سلطان عليها.
كان الضلع المكسور يصرخ مع كل نفس،
والدم كان دافئًا على شفتي،
لكن عقلي…
كان صافيًا بشكل مخيف.
وفجأة…
اندفعت الأطراف نحوي، واحدًا تلو الآخر.
لم يكن هجومًا منسقًا،
بل سيلًا غاضبًا،
وكأن الوحش فقد صبره تمامًا.
خطوة ثقيلة إلى الخلف…
ثم أخرى.
غرست قدماي في التربة الممزقة،
ولم تعد الأعشاب المقتلعة تمنحني أي توازن.
بدأت سرعتي بالارتفاع رغم كل شيء،
رغم أن كل حركة كانت أشبه بطعنة في صدري.
الخوف من الموت…
كان وقودي الوحيد.
ليس الخوف الذي يشلّك،
بل ذلك النوع الذي يدفعك إلى البقاء حيًا مهما كان الثمن.
تفاديت.
تراجعت.
انتظرت.
راقبت الإيقاع.
حسبت الوقت بين الضربات.
كنت أعدّ في رأسي دون أرقام.
ثم…
اندفعت جميع الأطراف مرة أخرى.
من سبعة اتجاهات.
سبعة احتمالات للموت.
تجاوزت الألم مرة أخرى،
وكأن جسدي لم يعد ملكي.
تفاديت الأول…
انحرافًا ضيقًا.
ثم الثاني…
قفزة قصيرة لم ترفعني عن الأرض إلا بالكاد.
ثم الثالث…
انزلاقًا على ركبتي، والجلد يحترق من الاحتكاك.
لم أصرخ.
ثم…
توقف الهجوم فجأة.
ليس لأن الوحش تعب،
بل لأن هذا كان نمطه.
ثانيتان فقط.
ثانيتان شعرت أنهما كالأبدية.
ثم مرّتا عندما…
اندفع طرفان آخران نحوي.
“ليس الآن…”
همست، وأنا أخرج من مسار الضربة بفارق شعرة.
شعرت بها في تلك اللحظة.
كان هناك شيء بداخلي يتآكل.
تراكمي القتالي…
كان ينخفض.
ثم…
ثلاثة أطراف من اتجاهات مختلفة.
لم يكن هناك مجال للتفكير.
دوم.
انشقت الأرض.
دوم.
تمزق الهواء.
دوم.
كاد الظل يبتلعني.
نجوت بالكاد.
وفي اللحظة التالية…
اندفع طرف واحد، منفرد، من مسافة بعيدة.
كان مختلفًا.
أبطأ.
أثقل.
وأكثر تهورًا.
“ها هو…”
ابتسمت دون وعي.
ثم…
استدارة نصفية.
تفادٍ محسوب.
غُرس الطرف في الأرض بعمق هائل،
حتى اهتزت التربة من حوله.
لم أهرب.
بل حركت جسدي فورًا،
واختبأت داخل ظله.
رفعت يدي.
خرجت شفرات الرياح من راحة يدي بسرعة،
رقيقة، حادة، وغير مستقرة.
كثفتها.
وضغطتها.
حتى تحولت إلى كتلة دوارة،
تزمجر بصوت منخفض.
جاء الهجوم التالي من الأمام.
بووووم!
كان الاصطدام عنيفًا.
سحق الضغط الهواء،
واندفع جسدي إلى الخلف عشرات الأمتار.
رأيت السماء،
ثم الأرض،
ثم لا شيء.
لكنني لم أسقط.
غرست قدماي في الأرض،
وتأرجح جسدي،
ثم استقام.
صرخ الوحش.
كانت صرخة مشوهة هذه المرة،
ليست تهديدًا…
بل ألمًا.
وقفت على بعد عشرين مترًا،
ألهث.
“طرف واحد… لا يستطيع إيذائي.”
همست.
“خصوصًا بعدما يفقد زخمه نتيجة اصطدامه بطرف آخر.”
لم يكن ذلك تفاخرًا.
بل استنتاجًا.
اندفعت مجددًا.
تجاهل الوحش ألمه…
وهاجم.
بعد فترة…
ارتفعت الشمس أكثر في السماء،
وأصبح ضوؤها قاسيًا على عينيّ.
{ تراكُم القوة 10% }
انهارت قدماي،
وأصبحت أنفاسي متقطعة.
أمامي…
وعلى مسافة ثلاثين مترًا…
كانت الأطراف مدمرة.
محطمة.
وملقاة في فوضى.
كان الوحش بالكاد يقف،
متشبثًا بمجساته الخلفية،
وجسده الضخم يتأرجح.
كدت ألتقط أنفاسي.
لكنه تحرك.
فورًا.
“اللعين… لن يسمح لي بالراحة.”
همست بغضب خافت.
وفجأة…
بدأ شيء آخر.
بدأت ملايين المجسات الصغيرة بالظهور،
تخرج من جسده،
وتتجمع،
وتتشابك.
لم يكن هجومًا بعد…
لكن الإحساس بالخطر كان حاضرًا.
ثم…
تشكلت خمسة أطراف جديدة،
أقرب إلى أعمدة سوداء ضخمة،
صلبة، غير مرنة،
على عكس الأطراف السابقة.
ثم…
انكمشت.
والوحش…
استعد للقفز.
توترت الأطراف الخمسة الجديدة.
رأيت الحركة قبل أن تكتمل.
شعرت بالضغط في الهواء.
وحللت الموقف فورًا.
“إنه سيقفز نحوي.”
همست.
اهتزت الأرض تحت الوحش،
وغاصت الأطراف عميقًا فيها.
ثم…
قفز.
تحركت في اللحظة نفسها،
مستعدًا للتفادي،
أو الصد،
أو مواجهة أي شيء قادم.
لكن…
لم ينطبق الهواء فوق رأسي.
رفعت عينيّ.
وتجمدت.
حدث شيء لم أتوقعه…
لم يكن الوحش متجهًا نحوي.
كان جسده الضخم يحلق فوقي…
ويتجاوزني،
وكأنني غير موجود.
لقد قفز نحو الجدار الرابع.
حيث يقف الآخرون.
في تلك اللحظة فهمت.
لقد ارتكبت خطأ.
ليس في الحركة…
بل في التحليل.
الوحش…
الذي يُعد عدوًا طبيعيًا لأبناء القمر المنسي…
“يا لي من أحمق!”
صرخت بغضب.
كان يجب أن أحلل الأمر بشكل أفضل.
عندما يفقد الوحش مصدر طاقته وتجدد جسده، المتمثل في وحش الغزال…
فإنه سيبحث عن بديل.
“حيوات الآخرين!”
صرخت.
وتجمد دمي.
أغمضت عينيّ دون إرادة مني عندما أشرقت الشمس بقوة.
تصلب جسدي من الخوف.
ثبتت نظري على الوحش…
البعيد…
الأبعد مما أستطيع الوصول إليه.
ثم…
{ ديينغ… ديينغ… ديينغ }
{ تم استيفاء الشروط }
{ اكتمال القمر + اكتمال الليل + صباح مشمس }
{ اللقب: سيد الظلال }
{ تم التفعيل }
{ لمدة 10 ساعات… أصبحت سليل القمر المنسي }
رن الصوت داخل رأسي،
متتابعًا بسرعة،
يخترق كل شيء.
{ تم فتح: خصائص السلاح }
سليل الظلام
تحركت قدماي دون وعي،
أطارد راديان.
عندما حصلت على سلاحي العتيق للمرة الأولى…
كان التوافق بيننا مثاليًا.
ومع ذلك…
ظلت خصائصه مغلقة.
في ذلك اليوم…
كان شرط فتح الخصائص واضحًا…
وغريبًا.
كان يجب أن أكون من أبناء القمر المنسي.
خطوة…
ثم أخرى.
استدعيت سليل الظلام.
“الحظ… مرة أخرى.”
همست.
ثم غاص عقلي في الخصائص الثلاث.
الخاصية الأولى: الاستعارة.
وفجأة…
اختفى العالم.
تحول كل شيء إلى ضباب كثيف.
ظهرت عشرات الهالات أمامي في آن واحد.
أسلحة…
وأصحابها.
مونالي وقوسها.
جو وفأسه.
لويس وقفازيها.
سومان ورمحه.
كل محاربي القمر المنسي…
كانت خصائص أسلحتهم مفتوحة أمامي.
ثم…
تلاشى الضباب.
وعاد العالم.
كان راديان على بعد أقل من مئة متر من الآخرين.
تقدمت إلى مركز الساحة.
ورفعت يدي.
في السماء…
وعلى ارتفاع هائل…
بدأت نبضات من الضوء الأصفر بالظهور، واحدة تلو الأخرى.
تجمعت.
وتشابكت.
رفع الوحش رأسه.
اتسعت عيناه.
“هذا…؟”
همست مونالي، بينما ضيّق القلق عيون الجميع.
وفي لحظة…
تشكلت دائرة سحرية هائلة.
مكتملة.
مطلقة.
ثم…
هبطت كالرعد.
ضربة واحدة.
سحقت الأرض،
واقتلعت راديان معها.
{ تراكُم القوة 5% }
شعرت بالدم يملأ فمي.
كدت أميل إلى السقوط.
كان ثمن تلك الدائرة السحرية هائلًا،
أكبر من أي ضربة تلقيتها من الوحش حتى هذه اللحظة…
السقوط؟
لا أملك رفاهية ذلك.
جززت على أسناني،
وزأرت.
ارتفعت خمسة أعمدة حول الوحش.
وتعلقت به سلاسل التقييد مرة أخرى.
اندفعت.
كان الوحش يتخبط عبثًا.
ومن بعيد، حاول بعض المحاربين الهجوم.
بقيادة لوغان…
سعيًا لاصطياد الوحش.
“ابقوا في الخلف!”
صرخت،
وعيناي تشتعلان بالغضب.
وصلت.
“إنه…”
قلت وأنا أقف أمامه.
“فريستي.”
تراجعوا فورًا.
تحركت حول راديان.
كانت خطواتي ثابتة.
ثم…
غمرت الطاقة الصفراء يدي اليمنى.
تحول سليل الظلام إلى اللون الأسود…
حتى أصبح أشبه بالفحم.
في تلك اللحظة…
استمددت قوة سلاح لويس.
انغرز سليل الظلام في جسد الوحش.
ضربة.
وأخرى.
ثم أخرى.
ثم…
لم أعد أعدها.
توقفت.
قفزت أمام وجهه.
لأول مرة…
كنا قريبين من بعضنا.
نظرت في عينيه وهمست:
“مت… أيها اللعين.”
قفزت عاليًا.
وسحبت يدي اليسرى إلى الخلف.
ثم هبطت.
على ارتفاع عشرين مترًا.
دورة واحدة.
كأنها دوران سريع واستعراضي…
ثم…
أطلقت شفرة من جوهر سليل الظلام.
كان حجمها بحجم سيف.
كبرت.
ثم كبرت أكثر.
انهار الهواء من حولها بعنف،
وكأن نيزكًا يهوي بلا رحمة.
وصلت إليه…
وكان حجمها أكبر منه.
كان الصوت الهائل للهواء المضغوط حولها عنيفًا…
ثم…
سووووووووش!
ابتلعت موجة جارفة المكان.
وفي لحظة واحدة…
انشطر راديان إلى نصفين.
مرت رياح الموت.
وأخيرًا…
انطفأت عيناه.