الفصل 45 - هالة الوحش
الفصل 45 – هالة الزعيم
…
في حياتي السابقة… رغم أنها لم تكن سوى بضعة أشهر مضت… هل يحق لي أصلًا أن أسميها «حياتي السابقة»؟
نعم، أعتقد ذلك… مجرد انتقالي إلى واقع آخر يكفي لاعتبار أنني أعيش حياة أخرى.
قد يعمل موظف طوال اليوم، ثم ينتقل في اليوم التالي إلى وظيفة أخرى… ويسمي حياته السابقة «حياته السابقة».
وقد يترك شخص هوايةً ما ويبدأ بأخرى فورًا… ويسمي ما سبق «حياته السابقة».
وقد ينهي شخص علاقة حب استمرت سنوات، ثم يقول فجأة في اليوم التالي: «كانت تلك حياتي السابقة».
إذا كانت كل تلك الأشياء تُسمى حياةً سابقة… فماذا عن انتقالي إلى عالم مختلف تمامًا؟
نعم… أنا تحديدًا أملك الحق في القول إن لدي حياةً سابقة.
بالعودة إلى موضوعنا… في حياتي السابقة، يا صديقي…
كنت أحب نوعين من الألعاب.
الأول كان الألعاب الاستراتيجية… لكن ليس جميعها، فلدي ذوق محدد.
ألعاب مثل Age of Empires كانت تسحرني تمامًا… وكذلك ألعاب مثل Foundation.
جميعها تعتمد على البناء والدقة… ويمكن القول إنني استلهمت بالفعل بعض أفكارها في تطوير القرية إلى ما وصلت إليه الآن.
أما النوع الآخر… فكان ألعاب العالم المفتوح بمنظور الشخص الثالث، والتي تدور أحداثها في العصور المظلمة.
ويمكنني القول بكل حرية إن لعبتي المفضلة على الإطلاق كانت من هذا النوع:
The Witcher 3.
أما اللعبة الأخرى التي أحببتها كثيرًا فكانت:
Elden Ring.
وهنا… نصل إلى اللحظة الحقيقية التي أريد الوصول إليها.
سواء لعبت Elden Ring أم لا، فلا بد أنك صادفت بعض المقاطع التي تُظهر زعماءها المميزين.
ذلك الرعب الذي يبدأ لحظة ظهور الزعيم…
حين تبدأ البيئة بأكملها بالتفاعل لتقديمه…
تلك هي اللحظة التي تعرف فيها بيقين تام…
أنك تقف أمام زعيم… سيجعلك تتذوق العذاب.
تلك اللحظة تحديدًا…
هي ما أراه الآن أمام عيني.
أكاد أشعر بكل خلية في جسدي تنبض من شدة الرهبة أمام هذا الوحش الذي استعاد قوته كاملة فجأة.
أقسم أن عينيّ تريان حركته خلف الغبار، ورؤيته وهو يخرج بتلك الابتسامة…
وكأن المشهد يتحرك بالحركة البطيئة…
وكأن محررًا محترفًا صنع هذا الرعب خصيصًا.
لكنني لم أكن أمام لعبة…
حيث يمكنني الموت مئة مرة، كما حدث معي أمام Malenia.
ولم أكن أمام لعبة يمكنني فيها حفظ حركات خصمي، ثم الذهاب لرفع مستواي والعودة لأهزمه…
هذه المرة…
لدي حياة واحدة فقط.
ولدي خيار واحد فقط…
الفوز…
أو—
«لااااا!» صرخت… «لا يوجد شيء اسمه أو.»
يجب أن أتماسك…
ليس الأمر وكأنني خسرت.
لقد حققت ما أردته.
قضيت على الغزال…
والآن أنا وحدي مع راديان.
«هذا ما كنت تريده… أليس كذلك؟» همست في داخلي…
ثم تقدمت بضع خطوات، وأغمضت عيني…
ثم—
«حان الوقت لإسقاطك.»
همس تجسيد صدى الظلال بداخلي.
لم تكن المسافة بيني وبين راديان تتجاوز المدى الذي يسمح له بالهجوم عليّ.
«لقد رأيت هجوم أطرافه… مداه واسع… لكنه ليس سريعًا بما يكفي لإصابتي.»
كان راديان محاطًا بثمانية أطراف طويلة معقوفة، تدور حوله بطريقة تسمح له بتوجيه ضربات متعددة ومتنوعة بسرعة.
أربعون مترًا…
ربما أقل…
هي المسافة التي تفصل بيننا.
ثم توقفنا عن الحركة…
مثل أفلام رعاة البقر الأمريكية…
خصمان ينتظر كل منهما حركة الآخر.
رغم المسافة، كانت تلك الكرات القرمزية التي تمثل عينيه مسلطة عليّ، وكأنها تحلل كل جزء من جسدي.
ظل الوحش ساكنًا لجزء من الثانية…
ثم تحرك.
ثمانية أطراف سوداء، أطول من جذوع الأشجار، ارتطمت بالأرض العشبية بعنف وحشي.
لم تعد الأرض تحته عشبية؛ بل أصبحت أشبه بجثة ممزقة.
تحت وطأة جميع المعارك السابقة، اقتُلعت الأعشاب، وانفجرت التربة إلى حفر عميقة، وكأن المكان تعرض لقصف متواصل، مخلفًا بركًا طينية متفاوتة.
في تلك اللحظة…
كان كل طرف من أطراف راديان معقوفًا كمنجل، وحادًا إلى درجة أن اختراق الأرض بدا أسهل من غرس سكين في لحم طري.
مع كل دفعة، كانت الأرض تهتز، وترتفع سحب كثيفة من الغبار، حتى اختفى الجزء السفلي من جسده داخل عاصفة بنية خانقة.
«ماذا يفعل؟» همست في داخلي…
ولم أستطع القول إنني فهمت شيئًا مما كان يفعله.
ثم…
سحب الوحش أطرافه إلى الخلف دفعة واحدة.
لم تكن قفزة.
بل كانت انفجارًا.
انطلق جسده العملاق، الذي تجاوز طوله عشرة أمتار، إلى الأعلى مدفوعًا بقوة أطرافه الثمانية، تاركًا وراءه حفرة مدمرة في المكان الذي كان يقف فيه.
صرخ الهواء بصوت يشبه أزيزًا قويًا.
وتناثر الغبار كالمطر.
وفي لحظة…
أصبح على ارتفاع ثلاثين مترًا فوق رأسي.
والظل الذي ألقاه عليّ ابتلعني قبل أن أستوعب ما يحدث.
انفرجت شفتاي من شدة الدهشة…
في لحظة واحدة، قفز الوحش من مكانه…
وفي اللحظة التالية، أصبح في السماء.
ثمانية مناجل مفتوحة، موجهة نحوي…
وجسد مظلم يهبط فوقي، وكأن جبلًا قرر أن يسقط من السماء.
ثم…
أطلق جميع مناجله نحوي من الأعلى.
لم يكَد جسدي يتحرك، حتى بدأت ثمانية أوتاد ضخمة وسريعة تمطرني من الأعلى، كالرماح السماوية.
أأصدها؟
«بالطبع لا!!»
صرخ صوت بداخلي قبل لحظات، وتحرك للخروج من دائرة الظل.
بووووووووم…
كانت قدماي تسابقان الريح هربًا، بينما كان صوت مناجل الموت يدوّي وهي تهوي نحوي بقسوة مطلقة.
بووووووووم…
بووووووووم…
خطوة إلى اليمين…
ثم خطوة إلى اليسار…
كل حركة متعرجة كنت أنفذها بأقصى سرعة أستطيعها.
لم أعد أسمع شيئًا…
كل تركيزي…
كان منصبًا على الهروب.
في اللحظة التي تستخدم فيها إحدى حواسي الخمس لمعرفة تفصيل آخر، كعدد الضربات التي سقطت أو ما إذا كان الوحش قد هبط أم لا…
كان ذلك أشبه بإشعار مبكر بسقوطي تحت تلك الضربات.
بكل تركيزي الممكن…
وبأقصى سرعة لدي…
كنت بالكاد أركض من أجل البقاء.
في تلك اللحظه .. وصلت لحدود رتبتي الثانيه
وعلى مسافة تجاوزت الثلاثين مترًا…
قفزت.
ثم استدرت أخيرًا…
عادت عين الوحش لتغمرني بنظرتها.
كان واقفًا في مكاني السابق…
أما أنا، فقد أصبحت أقرب إلى القرية.
ضيقت عينيّ مجددًا، وقد ازداد قلقي…
ذلك الهجوم لم يكن عشوائيًا.
بل كان…
«هجومًا مشابهًا لهجومي الذي أسقطته به سابقًا…» همست في داخلي.
وفي تلك اللحظة…
ضرب الوحش الأرض بأطرافه مجددًا…
وقفز.
لم أنتظر.
خطوة تلو الأخرى، هربت مجددًا…
هذه المرة للعودة إلى موقعي القديم.
وبعد لحظات…
وصلت.
«حين تفهم الهجوم… يصبح تفاديه ممكنًا.»
همس صوت بداخلي.
كنت أعرفه جيدًا، لكنني تجاهلته.
لماذا؟
ببساطة…
لأنه كان السبب وراء قراري بالخروج سريعًا من ظل الوحش واكتشاف أن هجومه عبارة عن إغراق المنطقة بعدد هائل من الضربات في آن واحد.
ومع ذلك…
ذلك الوحش اللعين…
أصبحت أطرافه أقوى حتى من السابق.
فكرة الوصول إليه وتوجيه ضربة بشفرة عملاقة بدت مستحيلة، مع وجود ثمانية مناجل مستعدة لمهاجمتي في أي لحظة.
بدأت الشمس بالظهور…
يجب أن أُشرق الآن…
ربما لا أمتلك هجومًا مناسبًا…
لكنني أمتلك السرعة.
خطوة ثم أخرى…
تحركت إلى الجانب.
مر أحد المناجل كالسهم وغُرس في الأرض…
وكأنه يدعوني لضربه.
لكن—
«لست أحمقًا لأقع في هذه الخدعة.»
انطلق منجل آخر نحوي على الفور.
تفاديته بسرعة…
ثم منجل آخر.
خمسة مناجل في آن واحد…
لكنها كانت موجهة نحو مساحة صغيرة من المكان.
انحراف إلى الجانب…
ثم تفادٍ.
وفجأة…
اندفعت الأطراف الثمانية نحوي في لحظة واحدة.
لم أفكر.
تحركت.
طرف من اليمين.
قفزت إلى الجانب.
انفجرت الأرض في المكان الذي كنت أقف فيه.
طرف من الأعلى.
انحنيت.
مر حافته الحادة فوق رأسي، وسمعت صوت الهواء وهو يتمزق.
لكن لم يكن لدي رفاهية التفكير بهدوء…
طرف ثالث.
رابع.
لم أعد أعدها.
كانت قدماي تنزلقان فوق التربة الممزقة.
قفزة قصيرة.
دوران ضيق.
تفادٍ بفارق شعرة.
لكنه كان مثاليًا…
لم أفقد الإيقاع بعد.
«لا تتوقف!» صرخ الصوت بداخلي، وواصلت…
ضربة أخرى.
بالكاد تفاديتها.
تحولت الأرض من حولي إلى فخ.
حفر.
تشققات.
كل خطوة قد تقتلني.
ثم…
بعد عدة دقائق…
شعرت بها.
الضربات…
تغيرت.
لم تعد عشوائية.
بل بالأحرى…
لم تعد قابلة للتنبؤ.
فجأة…
عدة أطراف في آن واحد مجددًا.
تحركت…
لكن—
أحد الأطراف توقع حركتي قبل أن أتحرك.
آخر أغلق زاوية هروبي.
وثالث بقي معلقًا في الهواء، منتظرًا أن أركض نحوه.
تسارعت.
أسرع.
أقرب.
انقطع نفسي.
وبدأ صدري يحترق.
بدأ جسدي يتخلف عن عقلي.
مر طرف أحد المناجل بمحاذاة صدري.
برد مفاجئ.
ثم لسعة.
لو تأخرت نصف ثانية فقط…
لانقسم جسدي إلى نصفين.
وسط هذا التفادي المتواصل والمرهق…
كانت الحقيقة واضحة.
الوحش يتعلم.
وأنا؟
لقد بدأت أفقد إيقاعي.
«يجب أن أقلل عدد الأطراف… بأي وسيلة.»
همست.
الفوضى ليست عشوائية.
أجبرت نفسي على المراقبة، رغم اللهاث والتفادي الذي لم يسمح لي حتى بالتنفس.
ثم انتهى الهجوم الشامل للأطراف.
«عندما تهاجم الأطراف الثمانية كلها… يكون الهجوم أبطأ وأقل قوة من بقية الهجمات.»
حلل الصوت بداخلي.
«يعتمد الوحش على أطرافه ليقف. وعندما يستخدمها جميعًا، فإنه يُجبر على استخدام وسيلة أخرى لتثبيت نفسه… وهي المجسات.»
«لكنها ليست أكثر من مجسات مرنة… وحتى مع أعدادها الهائلة، لا يمكنها أن تكون قوية بما يكفي لدعم الوحش لفترة طويلة.»
«لذلك…»
«الهجوم الشامل للأطراف الثمانية يكون دائمًا أقصر زمنًا من بقية الهجمات وأقل قوة، لتقليل الضغط على الجسد والمجسات التي تدعمه.»
همست…
وفي الوقت نفسه، طرقت فكرة أخرى ذهني بسرعة.
في كل مرة تندفع فيها الأطراف الثمانية معًا…
لا يأتي الهجوم التالي إلا بطرفين.
أو ثلاثة أطراف كحد أقصى.
قيد.
نقطة ضعف.
وهذا ما يجب أن أستغله.
كان تفكير محارب صدى الظلال بداخلي في ذروته.
سمحت له بالسيطرة الكاملة…
وبتحليل الوضع.
فجأة.
اندفع أحد الأطراف نحوي.
تحركت قبل أن أفكر.
انزلقت إلى الجانب…
وغُرس الطرف في الأرض خلفي بعنف جعل التربة تتطاير.
لم أبتعد.
بل دخلت في ظله.
حجب الجدار الأسود للطرف الوحش عني للحظة.
رفعت يدي.
خرجت شفرة الرياح من راحة يدي…
كانت رقيقة في البداية…
ثم ضغطتها.
وسعتها.
وكثفتها.
حتى أصبحت كتلة كبيرة وحادة، تهتز أمامي بوهج فضي.
وفجأة…
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.
وقبل أن أتمكن من إكمال الشفرة…
اندفع طرفان من الأمام.
سريعان.
غاضبان.
لم يكن هناك مجال للهروب أمامي.
كنت أعرف المخاطرة…
لكنني قررت خوضها.
دفعت شفرة الرياح أمام صدري.
ثم—
بوووووم!
هز الاصطدام الساحة بأكملها…
سحقني ال
ضغط.
اختفت الأرض من تحتي.
أصبحت الأرض قريبة مني وبعيدة…
ثم قريبة مجددًا…
دار جسدي كصخرة تدور في الهواء.
طار جسدي عشرات الأمتار…
قبل أن يرتطم بالأرض بعنف.
آآآآآآه!
صرخت، وانسحب فمي فوق التراب.
غادر الهواء صدري دفعة واحدة.
سمعت صوت فرقعة…
انكسر أحد أضلعي.
وألم هائل…
غطى معظم جسدي.
تقلبت على الأرض كالدودة.
تدفق الدم من شفتي.
كان طعمه معدنيًا.
ساخنًا.
مزق الألم جسدي.
«انهض.»
همست.
حركت جسدي كزاحف…
ورفعت رأسي بصعوبة نحو الوحش.
ورغم إصابتي…
ورغم الألم الذي كان ينهش جسدي…
ابتسمت.