الفصل 41 - وحش يواجه وحش
الفصل 41 – وحش يواجه وحش
…
تحت ضوء القمر المعدني اللامع، الذي بدا كدرع مصقول معلّق في السماء،
انعكست في عيني الأميرة مونالي ومضات متشابكة من الكراهية والخوف.
كان تنفّسها متقطعًا، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وهي تهمس بصوت بالكاد يُسمع:
“ذلك القيد… لن يوقفه طويلًا.”
إلى جوارها، وقف سومان متجمدًا كجذع شجرة يابس.
لم يكن سوى حطّاب بسيط… لكن دمه كان دم أفراد شعب القمر المنسي.
لم يسمع عن ذلك الكيان سوى مرة أو مرتين في حياته.
الوحش الذي تُخيف به الأمهات أطفالهن ليلًا.
الاسم الذي تغنّي به الأساطير وتتباهى بمن يجرؤ على مواجهته.
الحلم المجنون الذي يطارده الشباب، ثم يُدفنون معه.
كابوس القمر المنسي.
لكن اسمه الحقيقي…
“راديان… مخالب امتصاص الحياة.”
همس سومان وصوته يرتجف دون إرادة منه، وعيناه مثبتتان على الظل الهائل أمامه.
وللمرة الأولى… رأى المجسات.
في أعين الآخرين، لم تكن سوى امتدادات غريبة لجسد الوحش.
لكن في عيني سومان…
كانت حكمًا بالموت بحد ذاته.
كان يستطيع رؤية الرعب الذي يصيب كل من تلتف حوله تلك المجسات، وهي تمتص كل ما يجعله حيًا.
في أعالي السماء…
لم تنتظر الحشرات أحدًا، وارتفعت عاليًا مرة أخرى… ثم…
اندمجت في موجات مستقلة، أشبه برماح سوداء طويلة تسبح في السماء…
بدأت الحشرات تتجمع من جديد.
ثم هاجمت.
بووووم!
بووووم!
بووووم!
ضربات متتالية، عشرات، بل مئات الاصطدامات انهالت على جسد الوحش المقيّد. وكأن السماء نفسها تمطر الدمار فوق رأسه.
وفي كل مرة، كانت أعداد الحشرات تتناقص، تتحطم، وتتلاشى.
ومع ذلك…
لم يتحرك راديان قيد أنملة.
بدا جسده كحصن مصهور من الفولاذ والنار، عصيًّا على الاختراق.
ثم…
توقفت الحشرات.
رياح عاتية…
هبّت من الجهة اليمنى.
وصوت…
صرخة واحدة…
لم يكن لها مثيل منذ بداية الليل.
كانت أعلى صرخة دوّت في المنطقة منذ بداية الليل…
ZZAAAAAAAAAAAAAA!
انقبضت قلوب الجميع، واتجهت أعينهم نحو مصدر الصوت،
بينما لعنوا سوء الحظ الذي بدا وكأنه يتراكم فوق رؤوسهم.
“ماذا الآن، ماذا بحقك؟!”
صرخ أحد المقاتلين.
بدأت الأشجار عند حافة الغابة اليمنى بالسقوط…
واحدة تلو الأخرى…
كأحجار الدومينو التي فقدت توازنها.
ثم فجأة…
توقّف كل شيء.
بووووووووم!
دوّى صوت قفزة هائلة، وانفجار عنيف شقّ الغابة.
انطلقت كتلة سوداء عملاقة من بين الأشجار، واخترقت الهواء،
ثم ارتطمت بالأرض، شكلت حفرة جديدة… اندمجت مع الحفرة الأولى.
ومن قلب الدمار…
ظهر كيان آخر.
جسد من اللحاء والجذور المتشابكة، يحيط بكتلة عضلية ضخمة، يتجاوز ارتفاعها عشرة أمتار.
كان رأسه رأس غزال عملاق، تعلوه قرون تمتد لسبعة أمتار، وفوقها قرون أخرى، وكأنها أعشاش صامتة لأضخم الطيور في العالم.
وعندما وقف الوحش منتصبًا،
انكشف بطنه.
ثقب دائري واسع، وفي مركزه…
ضوء أخضر متوهج، يسطع كمنارة.
ززززززززززززز !
صرخ الوحش الجديد.
وفجأة…
بدأت الحشرات المتبقية تتجمع حوله.
تدور، وتندفع، ثم تستقر فوق قرونه العملاقة.
أكثر من ألف حشرة…
تجمدت.
وتحجرت.
كأنها صخور سوداء عالقة بالقرون.
ثم…
بدأت القرون تنتفخ.
واسودّت أطرافها، كما لو أنها تحترق من الداخل.
وتحت قدميه، كان راديان يتلوّى بعنف أكبر، محاولًا كسر قيوده.
في تلك اللحظة…
تقيأت مونالي الدم مجددًا.
مرت دقائق ثقيلة.
امتص وحش الجذور قوة أكثر من ثلاثة آلاف حشرة.
ثم وقف…
وحيدًا…
أمام راديان.
رفع ذراعه الطويلة المصنوعة من جذور الأشجار.
ثم انثنت…
وتشابكت…
حتى تحولت إلى قبضة هائلة.
ثم…
هوى بها بكل ثقله.
بوووووووووووم!
ضربة تكفي لإسقاط الجدران الأربعة دفعة واحدة.
راقب الجميع المشهد، بأعين متسعة وقلوب منقبضة.
ورغم الرعب…
تسرّب الأمل إلى قلوبهم.
“لا أفهم ما الذي يحدث… لكنه بالتأكيد في صالحنا!”
صرخ لوغان.
كان الجميع يعرف الحقيقة:
كلا الوحشين… كارثة.
من المستحيل التغلب عليهما…
وسقوط أحدهما… نعمة من السماء.
بدأ القمر يميل، واشتد اللون الأحمر في السماء.
وفي الوقت ذاته، بدأت ضربات وحش الجذور تُظهر تأثيرًا حاسمًا على الوحش المظلم.
وفجأة…
بوووووووووم…
تحطم أحد أطراف الوحش المظلم.
“هاااه!”
صرخ أحدهم بحماس.
وفي اللحظة نفسها…
تقيأت مونالي الدم وسقطت فاقدة الوعي.
للحظة واحدة فقط…
ثم عاد إليها وعيها.
وفي اللحظة ذاتها…
كانت خمسة أعمدة من الضوء تحيط براديان.
تحطم أحدها.
اندفع الوحش مستغلًا الثغرة، لكن السلاسل عادت لتقيّده.
ومن فوقه…
بوووووووم!
ضربة قوية أخرى…
خلال ثلاثين دقيقة…
تحطمت ثلاثة أطراف أخرى.
بدأت الشمس تلوح خلف الأفق.
كانت مونالي شبه فاقدة للوعي.
جسدها منهك…
كيتيم جائع منذ سنوات.
وأخيرًا…
تحطم آخر عمود من أعمدة الضوء.
وتحرر راديان. وتلاشت السلاسل
ووقف… راديات
بأربعة أطراف فقط.
كان جسده مترنحًا، لكنه… لم ينكسر.
ومع ذلك…
تراجع وحش الجذور خطوة إلى الخلف.
واستقر ثقل مرعب على محيا الجميع.
تحركت المجسات. امتدت… وتمايلت… ثم تقدمت.
ضربها وحش الجذور، لكنها واصلت تقدمها.
التفّت… وأحاطت به.
ثم…
قفز بسرعة هائله وضرب راديان.
تراجع الأخير، لكن مجساته بقيت ملتفة حول خصمه.
واصل وحش الجذور الهجوم ..
وواصل راديان تلقي الضربات… وواصلت المجسات التصاقها ..
ثم .. عند الضربة الخامسة…
أضاءت المجسات بضوء خافت.
وسقط وحش الجذور على ركبتيه.
بدأت قرونه بالانكماش.
وفي المقابل…
نما طرف جديد لراديان.
“إنه… يمتص طاقته.”
تمتم سومان.
ثم…
التفت نحو مونالي، لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالكلام.
بحث بعينيه عن لويس وجو، ثم تذكر ما حدث…
ضاقت عيناه بحزن من جديد.
نظر نحو قائد رجال الصخر، وسأله:
“ماذا سنفعل الآن؟”
نظر القائد إليه، وعيناه غارقتان في التفكير، ثم أجاب بصوت ثقيل:
“لا شيء… لا يوجد مكان آمن من هذه الكوارث.”
وفجأة…
زززززززززز …
عاد وحش الجذور إلى الصراخ.
دوّى صوت هائل…
ظهرت موجات من الحشرات من خمسة اتجاهات، من قلب الغابة المحيطة.
آلاف الحشرات…
اتجهت نحو وحش الجذور…
زززززززز !
ثم امتصها.
تمتم قائد رجال الصخر:
“كلا الوحشين… يمتلكان الخصائص نفسها… لكن…”
وبعد أن استعاد نشاطه، رفع وحش الجذور قبضتيه وضرب من جديد.
كانت ضربته عنيفة مرة أخرى، وفي ضربة واحدة…
تحطم الطرف الذي نما للتو للوحش المظلم راديان.
فتح الوحش المظلم فكيه وصرخ…
وضربت موجة صادمة وحش الجذور من جديد…
دفعت مئات الحشرات المحيطة به بعيدًا.
ومن الجانب، رفع الوحش المظلم أحد أطرافه السليمة، ثم مدّه طويلًا…
ووجّه ضربته الخاطفة من جديد… هوت الضربه بشكل أعنف وأسرع .. وأشد وك
طاتا . حينها ..
اخترق راديان جسد خصمه، وشطره إلى نصفين.
ززززززززززز !
صرخ وحش الجذور بألم رهيب…
وأحاطت به أكثر من ألفي حشرة من جديد.
ثم اندفعت نحو بطنه واندَمَجت مع الضوء الأخضر.
وبمجرد أن امتصها…
عادت الجذور المحيطة بجسده إلى التشابك والالتصاق ببعضها، وأعادت وصل نصفي جسده المنشقين.
وفي الوقت نفسه…
كانت مجسات الوحش المظلم لا تزال تحيط بجسد وحش الجذور وتمتص طاقته…
ثم نما طرف جديد للوحش راديان.
أعاد وحش الجذور وصل جسده…
ثم أعاد الوحش المظلم نمو جميع أطرافه…
وفي لحظة حاسمة…
وقف الاثنان بكل قوتهما.
رفع وحش الجذور قبضتيه وضرب بكلتا يديه بعنف…
كل ضربة كانت تدوي كالرعد وتحطم طرفًا في لحظة.
أما الوحش المظلم، فأطلق أطرافه الثمانية وبدأ يضرب جسد الوحش والحشرات المحيطة به بعنف، مُسقطًا المئات تباعًا.
تبادلا الضربات عشرات المرات…
تحولت المنطقة المحيطة إلى أرض قاحلة، مليئة بالفجوات والحفر…
وعلى بُعد مئات الأمتار، لم يشعر أحد بأي نوع من الأمان.
بل كان سؤال واحد يشغل أذهانهم…
وتمتم به أحد الجنود:
“كيف سنواجه… أيًا منهما سيكون المنتصر؟”
لكن…
جاءت الإجابة سريعًا…
وبشكل غير متوقع…
في لحظة…
كان الوحش المظلم بلا أطراف.
بينما…
كان وحش الجذور…
ملقى على الأرض…
وقد أُبيدت جميع حشراته.
وفجأة…
انطلقت آلاف المجسات الجديدة مرة أخرى من جسد الوحش المظلم راديان.
أحاطت بقرون وحش الجذور…
ثم…
بدأت تمتص طاقته.
توالت صرخات الوحش… لكنها كانت بلا جدوى.
أصبحت قدماه عاجزتين عن الحركة، وبدأ صوته بالاختفاء…
…
وقف الوحش المظلم راديان…
بأربعة أطراف.
لكن…
الدهشة ملأت وجوه الجميع.
وسقط الرعب عليهم دون استئذان.
كانت أعينهم تشهد شيئًا لم يعد بإمكانهم احتماله…
أمامهم…
وقف وحش الجذور من جديد. كذلك
ثم…
وقف إلى جانب الوحش المظلم.
وتحرك الوحشان ببطء نحو الجميع…