الفصل 92 - انكشاف.
الفصل 92: انكشاف.
الترجمة والتدقيق: the honord one.
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
لم تكن سيلفرليك (بلا اسم عائلة، ولم يجدُر به السؤال عن كيف انتهى بها الأمر دون واحد – كان كايل حازماً جداً في هذه النقطة) كما توقعها زوريان. كانت مسنة، أجل، بيْد أنها بالنسبة لامرأة تبلغ من العمر 90 عاماً كانت مفعمة بالحيوية والنشاط بشكل لا يصدق.
في الواقع، راود زوريان شعور بأن تحركها عبر الغابة كان أسهل من تحركه. ولم تكن رثة المظهر بشكل خاص أيضاً، رغم عيشها في قلب البرية – فشعرها الأسود الفاحم كان خالياً من أي خصلة بيضاء (لربما صبغته بانتظام)،
فستانها البني البسيط كان عادياً بيْد أنه ناصع النظافة. ولولا التجاعيد، لكان قدّر عمرها بأقل من نصف عمرها الفعلي. هل كان هذا نتيجة نوع من الجرعات أم أنها كانت محظوظة هكذا فحسب؟
حسناً، لا يهم. تبعها زوريان عائدين إلى كوخها، والسمندل العملاق يطفو خلفه على قرص من القوة، حيث بدأت فوراً في تقطيع الوحش بسهولة متمرسة. لم ترتجف يداها البتة وهي تتعامل مع السكاكين المختلفة والجرار الثقيلة في مكانها، وازداد يقين زوريان بأنها تخضع نفسها لنوع من نظام التعزيز لدرء آثار الشيخوخة.
كانت خبيرة جرعات وفقاً لكايل، ولطالما كانت الخيمياء واحدة من أفضل الطرق لإطالة عمرك والحفاظ على صحتك.
قالت فجأة، دون أن ترفع عينيها عن جثة السمندل: “لا تظن أنني لم ألاحظ تسكعك في المنطقة طوال الأيام القليلة الماضية. كان ذلك مزعجاً نوعاً ما. ومقلقاً أيضاً. يعني أن شخصاً ما أخبرك بمكان العثور عليّ. لا أفترض أن بإمكانك تسليط بعض الضوء على ذلك، أليس كذلك؟”
اعترف زوريان بسهولة: “أخبرني كايل بمكان العثور عليكِ.” لم يكن الأمر سراً في الواقع.
سألت: “كايل؟”، قبل أن تقطب حاجبيها. “كلا، مهلاً، لا تخبرني. أنا واثقة من أنني سمعت هذا الاسم في مكـ- أوه! تذكرت الآن – إنه ذلك الوغد الصغير الذي أحبل حفيدة فريا! بيْد أنني سمعت أنه انتهى به المطاف بالزواج منها لاحقاً، لذا أظن أن ذلك ليس سيئاً جداً.
في الواقع، أذكر أن فريا كانت سعيدة جداً بذلك. فقد كانت تخشى ألا تجد الفتاة زوجاً لنفسها أبداً.”
سأل زوريان بفضول: “لمَ؟” رمقته سيلفرليك بنظرة ثاقبة، وعيناها البنيتان تخترقان عينيه، قبل أن تعود لعملها. “أعني، إن لم يكن من الوقاحة السؤال. لست مضطرة لـ-“
شخرت سيلفرليك بازدراء: “استرخِ يا فتى. لدي العديد من الخصال الحسنة، بيْد أنني لم أكن لبقة قط. إن أزعجني شيء تقوله، سأخبرك. وإن سألت شيئاً وقحاً، سأطلب منك أن تذهب إلى الجحيم. أنا أفكر فحسب.
لنرَ… كما تشتبه على الأرجح الآن، فريا، حمَاة كايل، ساحرة مثلي. وهناك بعض الشائعات البشعة التي تدور حول الساحرات وبناتهن – حول كيف يضحين بالأطفال الذكور، ويقمن طقوس عربدة مع الشياطين المستدعاة، ويسممن أزواجهن من أجل الميراث، وكيف أنهن كسولات جداً للعمل في المنزل وغيرها من الترهات السخيفة. مما يجعل الكثير من الرجال يترددون في الزواج من ابنة ساحرة.”
قال زوريان: “أفهم.” لم يسمع قط عن هذه المسألة بالتحديد، بيْد أنها بدت معقولة بما فيه الكفاية – فالساحرات يمتلكن سمعة سيئة حقاً بسبب تورطهن في سحر مختلف غير أخلاقي ومحرم.
قالت سيلفرليك: “لقد مرت سنوات منذ آخر مرة رأيت فيها كايل وزوجته. أو فريا، في هذا الصدد. أظن أنه كان يجدر بي أن أكون أقل قسوة قليلاً في المرة الأخيرة التي زاروني فيها، بيْد أن… حسناً، ما حدث قد حدث.
من الغريب أن يرى المورلوك من المناسب إرسالك إلى هنا في حين أنه هو نفسه لا يجرؤ على إظهار وجهه لي.”
قطب زوريان حاجبيه: “أنا… أظن أنكِ تسيئين تفسير الموقف نوعاً ما. لا أعلم ما حدث بينكِ وبينهم، بيْد أن السبب في عدم زيارتهم لكِ هو أنهم أموات. فقد أصيبت فريا وزوجة كايل كلتاهما بمرض البكاء وماتتا. أما كايل، فقد كان منشغلاً جداً بحزنه والاعتناء بابنته ليقوم برحلة كهذه. أنتِ معزولة نوعاً ما.”
ولأول مرة منذ التقائه بها، بدت سيلفرليك مأخوذة بإجابته.
تمتمت: “أموات؟ فريا… وطوال هذا الوقت ظننت…”، قبل أن تتوقف وترمقه بنظرة متفحصة. “مهلاً. قلت إن كايل وابنته. أفهم… همم…”
أمضت سيلفرليك الدقائق القليلة التالية في التفكير في شيء ما. استغل زوريان الوقت لمراقبة ودراسة الكوخ بجوارهما. بدا الكوخ واهياً وقديماً نوعاً ما، بيْد أنه سطع كمنارة لحواسه عندما ألقى خفية تعويذة كشف سحر عليه.
كيف ماذا بحقك لم يلاحظ هذا الشيء سابقاً عندما كان يبحث عنه؟ لابد أن هذه حواجز عرافة قوية وضعتها عليه. بيْد أنه لم يستطع معرفة كيف كانت تمدها بالطاقة – فالحواجز بهذه القوة تحتاج إلى مصدر قوي للسحر، وهذا المكان لم يكن بئر مانا. لا يمكن أن تكون سيلفرليك قوية بما يكفي لتوفير مانا كافية للمبنى بأكمله، أليس كذلك؟ ذكر كايل أنها كانت قوية وماهرة للغاية في السحر الإيكوسي وسحر المشعوذات على حد سواء، وأنه لا ينبغي له أبداً الاستهانة بها، بيْد أن هذا لا يزال يتجاوز ما كان يتوقعه.
بيْد أنه باستثناء نظام الحواجز المعقد والقوي بشكل مستحيل، بدا الكوخ عادياً. كان هناك عدة رفوف بجواره تجفف عليها أعشاب وفطر متنوع في الشمس، بيْد أنه لم يكن من غير المألوف أن يكون لدى الصيادين والحطابين عمل جانبي يتمثل في جمع الأعشاب لبيعها في المدينة القريبة، لذا بالكاد كان ذلك شيئاً يثير الشكوك بحد ذاته.
طقطقت سيلفرليك أصابعها أمام وجهه، ناثرة قطرات من دماء السمندل وسوائل جسدية أخرى على نظارته ومخرجة إياه من تفحصه. ورغم عزمه على أن يكون مهذباً معها، لم يسع زوريان سوى أن يرمقها بنظرة غاضبة رداً على ذلك. فاكتفت بالابتسام له، مظهرة صَفَّيْن من الأسنان البيضاء اللامعة. ويبدو أنها في كل سنوات عمرها الـ 90 لم تفقد سناً واحداً.
أجل، سحر بالتأكيد.
قالت: “إذا انتهيت من التحديق في منزلي، يمكننا مواصلة نقاشنا. لدي طلب لك. لديك طريقة للتواصل مع كايل، أليس كذلك؟”
قال زوريان: “بالطبع. نحن أصدقاء، هو وأنا.” أو سيكونان كذلك، بمجرد عودته إلى سيوريا في إحدى الإعادات المستقبلية.
قالت: “إذن أود منك إيصال رسالة إليه. ليس الأمر عاجلاً، بيْد أنني أريده أن يعلم… أنني أندم على كيف انتهى لقاؤنا الأخير وأنه سيسعدني كثيراً إن جاء لزيارتي مع ابنته في وقت ما في المستقبل. أوه، وأنني أريد تعليم ابنته أسرار سحري.
فهي سليلة خط فخور من الساحرات يمتد إلى زمن سحيق، ومن حقها الشرعي أن تكمله… إن أرادت ذلك. هل فهمت كل ذلك؟”
قال زوريان: “يبدو بسيطاً بما يكفي لتذكره. وهل… يمكنني الآن إزعاجك بالسبب الذي جئت من أجله إلى هنا؟”
شخرت: “كلا. ماذا، هل تظن أنه لمجرد أنك تعرف بضعة أشخاص مقربين مني ووافقت على مساعدتي في طلب بسيط كهذا أنني سأقفز في أي مشكلة مجنونة تحتاج إلى المساعدة فيها؟”
أشار زوريان: “أنتِ لا تعرفين حتى لمَ أنا هنا.”
قالت بابتسامة عريضة: “لا أحد يأتيني طلباً للمساعدة في الأمور الصغيرة. إن أرسلك كايل إليّ، فهذا يعني أنه عاجز حقاً عن إيجاد حل.”
اعترف زوريان: “أنا… أظن أنني لا أستطيع الجدال في ذلك. أترين، أنا-“
قالت سيلفرليك، موجهة راحة يدها الملطخة بالدماء نحوه لتسكيته: “لا أريد سماع ذلك. إلى أن تجعل الأمر يستحق وقتي، لا أريد الاستماع إلى قصتك المثيرة للشفقة. إن أردت مساعدتي، فسيتعين عليك كسبها.”
سأل زوريان: “كيف لي أن أعرف أصلاً أنه يمكنكِ مساعدتي على الإطلاق، إذن؟ قد ينتهي بي المطاف بالدفع لكِ مقابل لا شيء في النهاية.”
ابتسمت سيلفرليك: “قد يحدث ذلك. سيتعين عليك المخاطرة.”
ساحرة لينة. لربما كانت تضيع وقته فحسب، بيْد أن…
تنهد قائلاً: “حسناً. ماذا تريدين مني؟”
وإن كان هناك من شيء، فقد اتسعت ابتسامتها أكثر.
تغيمت الرؤية حول زوريان، ثم وجد نفسه عائداً إلى كنيازوف دفيري، في أحد الشوارع الأقل ازدحاماً حيث كان واثقاً نوعاً ما من عدم رؤية أحد له وهو ينتقل آنياً ذهاباً وإياباً. لن تكون مشكلة كبيرة إن عُرف أنه قادر على الانتقال الآني، بيْد أنه في ذات الوقت سيكون أمراً ملحوظاً وسيجذب الانتباه إليه. قلة من السحرة سيكونون مستعدين لتعليم التعويذة لفتى في الخامسة عشرة من عمره، وقلة أقل من البالغين من العمر 15 عاماً سيكونون قادرين على تعلمها. سيكون من الأفضل أن يتكتم على الأمر في الوقت الحالي.
ولمّا رأى أن وصوله بدا وكأنه مر دون أن يُلاحظ، خرج فوراً من الشارع وتوجه نحو ساحة البلدة لتناول شيء يأكله، ليتشتت انتباهه بصياح صبي الجرائد.
صرخ الصبي: “أخبار صادمة! العثور على سرية مرتزقة من سيوريا مقتولة عن بكرة أبيها في منازلهم! الوحوش تجوب شوارع المدينة! صدفة أم مؤامرة، اقرأ كل التفاصيل في عدد اليوم! أخبار صادمة، أخبار صادمة!”
حسناً… بدا ذلك مثيراً للاهتمام. غيّر زوريان مساره بصمت نحو الصبي واشترى الصحيفة المعنية. ثم وجد زاوية هادئة ليتكئ عليها وبدأ يقرأ.
وكما اشتبه، كانت سرية المرتزقة التي عُثر عليها مقتولة هي السرية التي استأجرها هو والأرانيا للمشاركة في الكمين – كانت هناك صورة للرجل الذي قاد المجموعة بجوار المقال وكان زوريان ليتعرف عليه في أي مكان بفضل الندبة المميزة فوق عينه اليمنى. وعلى ما يبدو، عُثر عليهم جميعاً مقتولين في بداية الإعادة، مع وجود القليل من الأدلة حول من قتلهم ولماذا.
كانت هناك تعقيدة أخرى هي أنه فور ذلك الاكتشاف، وقعت سلسلة من الحوادث تضمنت خروج وحوش مختلفة من الدانجون إلى المجاري… وأحياناً حتى الظهور في شوارع المدينة. وكان الخبراء في حيرة من أمرهم حول سبب حدوث ذلك الآن،
كانت قيادة المدينة تنظم على عجل عملية للنزول إلى الدانجون من أجل السيطرة على الوضع قبل مهرجان الصيف.
حسناً، ألقى ذلك بالتأكيد بظلاله على خطط الغزاة. وتساءل زوريان كيف سيتعاملون مع ذلك. عند العودة بالذاكرة، لم يكن من الصعب تفسير لمَ كانت الوحوش تغزو المجاري وشوارع المدينة – فالغزاة كانوا يضغطون عليهم من الأسفل، لذا اتجهوا صعوداً كاستجابة. وفي الإعادات السابقة، كانت الأرانيا هناك لتعمل كسندان غير راغب لمطرقة الغزاة، مانعة سكان الدانجون من اختراق المستويات العليا. بيْد أن الأرانيا ميتات الآن، وبموتهن انهارت طبقة كاملة من دفاع سيوريا لم يكن معظم الناس يعرفون حتى بوجودها.
لم يستطع زوريان كبت ابتسامة خبيثة عند التفكير في أن صاحب ‘الرداء الأحمر’ ربما انتهى به المطاف بإطلاق النار على قدمه عندما نفذ نوبة غضب ‘قتل الأرواح’.
من المثير للاهتمام أن جرائم القتل الغامضة وهجمات الوحوش بدا أن لها تأثيراً على الأكاديمية أيضاً. كان هناك مقال فرعي قصير بجوار المقال الرئيسي حول العائلات التي سحبت أطفالها من المدارس في سيوريا، بما في ذلك أكاديميته الخاصة. فقد سحب والدا جايد، إحدى زميلاته في الفصل، ابنتهما من الأكاديمية. وأُدرجت ضمن أسماء الطلاب البارزين الذين اختاروا مغادرة المدينة من أجل سلامتهم الخاصة – فوالدها كان عضواً رفيع المستوى في عائلة ويتلسين – في حين تضمنت الأسماء البارزة الأخرى… إياه؟
أجل، لا مجال للخطأ – أُدرج ‘زوريان كازينسكي، الشقيق الأصغر لدايمن كازينسكي’ في المقال كأحد الطلاب الذين سحبهم آباؤهم من المدرسة. وتساءل عما استندوا إليه في ذلك – فقد كان واثقاً من أنه لم يتمكن أحد من الاتصال بوالديه قبل مغادرتهما إلى كوث، لذا إما أن الأكاديمية أو الصحيفة قد قررت تفسير غيابه في ضوء الأحداث والاتجاهات الحالية.
هز زوريان رأسه وأغلق الصحيفة قبل أن يواصل طريقه.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++