الفصل 122 - العودة إلى سيوريا
الفصل: 122 – العودة إلى سيوريا
لم تكن تجارب زوريان السابقة في ركوب القطار إلى سيوريا بصحبة كيريل مشجعة على الإطلاق؛ فقد كانت تستهل الرحلة دومًا بحماسة وفضول جارفين، شاخصة ببصرها نحو المشاهد الطبيعية العابرة، ومعلقة على كل شاردة وواردة تسترعي انتباهها، غير أن ذلك لم يكن ليدوم طويلًا. فلم تكن هناك مشاهد كثيرة تسترعي النظر على طول الطريق المؤدي إلى سيوريا، وسرعان ما يصيبها السأم من التطلع عبر نافذة المقصورة لتلتفت إلى مصدر التسلية الوحيد المتبقي لها — وهو شخصه؛ وحينها كان يجد مشقة بالغة في إلهائها طوال مدة الرحلة.
وكان ذلك حين كان يأبى تسخير مهاراته المتنامية في التشكيل لممارسة السحر على متن القطار؛ أما هذه المرة، فقد قرر ببساطة ألا يعبأ بمخاطر الانكشاف؛ إذ لم يعثر على أي حاجز رصد في المقصورة التي نزلا بها، وحتى لو ضبطوه بالجرم المشهود بطريقة ما، فلن يتعدى الأمر فرض غرامة طفيفة وتوبيخه ببضع كلمات. وسيكون ذلك مزعجًا بطبيعة الحال، غير أنه أهون بكثير من الاستماع إلى تذمر كيريل وشكواها من الملل لساعات طوال؛ وفضلًا عن ذلك، فقد أتاح له هذا الأمر فرصة التدرب على إلقاء التعاويذ تحت وطأة حاجز تعطيل التشكيل — وهو أمر كان يخطط لخوض غمار تجربته سلفًا.
وهكذا وجد زوريان نفسه يرفع كرة من الماء لتطفو في الهواء أمامه، تحيط بها حلقة من الأقلام والمماحي تدور حولها في مدار متباعد وبطيء. وكان الأمر عسيرًا للغاية، رغم ما يبدو عليه من تفاهة سطحية؛ فلم يكن الأمر مجرد تكديس لباقة من تعاويذ المبتدئين البسيطة لإحداث تأثير أنيق، بل كان يمارس سحرًا غير مهيكل، معتبرًا العملية برمتها مرانًا معقدًا وشديد الصعوبة في التشكيل؛ فبين تعقيد ذلك البناء الطافي وتأثير حاجز التعطيل الذي أربك مهاراته في التشكيل، كان يصارع حقًا للحفاظ على زمام السيطرة على الكرة المائية وأقمارها الدائرة. وكان شبه متيقن من أن هذا يمثل أقصى حدوده المطلقة في مهارات تشكيل المانا، لذا كان يجدر به—
تحدته كيريل فجأة: «اصنع ضفدعًا!». رمق زوريان كيريل بنظرة ملؤها الامتعاض؛ فابتسمت له بمكر، واثقة من ظفرها في لعبتهما الصغيرة، وأنها تمكنت أخيرًا من كشف حدوده القصوى. فلم يكن ينتوي في الأصل نسج هذا البناء المعقد الطافي أمامه؛ إذ بدأ الأمر بمجرد كرة صغيرة يدور حولها قلمان لا غير، وعزم زوريان على إبقائها على تلك الهيئة حتى شرعت كيريل في تحديه لزيادة صعوبة الأمر. وبعد أن أفرغ محتوى زجاجة مائه بالكامل واستنفد كل ما بحوزتهما من أقلام ومماحٍ، استيقن من أنها ستضطر حتمًا للإقرار بهزيمتها…
قطع التواصل البصري معها وركز على ذلك التركيب الطافي أمامه؛ فمحاولة تشكيل الماء الطافي إلى أي هيئة أخرى غير تلك الكرة المستقرة ستكون مهمة بالغة الصعوبة والتعقيد؛ فالتحكم بالماء عن بعد أصعب بمراحل لا حصر لها من فعل الشيء ذاته مع الأجسام الصلبة، وسيكون عاجزًا عن نحته في أشكال معقدة حتى لو كان خارج نطاق حاجز التعطيل وخاليًا من تلك الحلقة من المقتنيات الصغيرة التي شتتت انتباهه.
بيد أنه يفضل الهلاك على الاستسلام والإقرار بالهزيمة أمام أخته الصغيرة لمجرد ذلك؛ وعلى مدار الدقائق الخمس عشرة التالية، أخذ يصوغ كتلة الماء ببطء لتستحيل إلى تمثال لضفدع، على أعلى قدر من الدقة والإقناع يقوى على بلوغه… وبعبارة أخرى، لم يكن التمثال متقنًا للغاية. غير أن ومضة إلهام لاحت له في منتصف الطريق، فعزم على تجسيد ذلك المسخ الضفدعي الذي أنقذ حراس الكهف الأصفر من براثنه في الإعادة السابقة بدلًا من نحت ضفدع اعتيادي؛ ولسوء الطالع، لم تعر كيريل جهوده تلك كبير تقدير.
فأعلنت قائلة: «هذا ضفدع غريب جدًا». قال زوريان وهو يختلق الأكاذيب بوقاحة: «إنه ضفدع شياطين الكهوف الصفراء؛ كائنات هائلة وضارية تهوى التهام الفتيات الصغيرات». ولم تكن لديه أدنى فكرة عن الاسم الحقيقي لذلك الوحش، أو ما إذا كان يحمل اسمًا رسميًا في الأصل.
فاتهمته قائلة: «هذا هراء وسخافة، أنت تختلق الأمور فحسب! اعترف بخسارتك وانتهى الأمر». «مهلًا، لقد طلبتِ ضفدعًا وقد صنعتُ لكِ واحدًا؛ ولا ذنب لي إن كنتِ تفتقرين إلى المعرفة الواسعة بعالم البرمائيات السحرية العجيب والمثير للدهشة! دعيني أعيد هذه الأغراض إلى مكانها، وسأحدثكِ حينها عن الساحر سومراك وقصة إنقاذه لجمعية سرية من السحرة من براثن أحد ضفادع الشياطين المذكورة…».
وقبل أن تستفيض كيريل في الشكوى، سارع زوريان بتفكيك البناء الطافي أمامه قبل أن ينفرط عقد سيطرته المتآكلة كليًا؛ فأسقط الأقلام والمماحي برفق على المقعد الخالي إلى جواره، وصب الماء عائدًا إلى زجاجته. وما إن فرغ من ذلك، حتى انطلق في سرد رواية معدلة بعض الشيء لمعركته ضد الوحش الضفدعي.
حسنًا، الحق أنها كانت معدلة بكثافة بالغة؛ ففي حكاية زوريان، كان حراس الكهف الأصفر جماعة من سحرة البشر المنعزلين الذين يقطنون أقصى الشمال ويمارسون «سحر العناكب»، في حين واجه المغامر سومراك الوحش الضفدعي وجهًا لوجه بقوته السحرية الجبارة، بدلًا من اللجوء إلى الفخاخ والحيل والمكائد؛ فبدت القصة أشد إثارة وبهاءً على ذلك النحو. وبدت كيريل متشككة في الرواية في بادئ الأمر، بيد أنه ما إن شرع زوريان في استخدام أوهام مفصلة لتجسيد الأحداث التي يرويها، حتى تلاشت شكوكها وأصاخت السمع بتركيز جارف ومأخوذ.
ولم يدرِ زوريان أيعجب من افتتانها البالغ بتلك الأوهام أم يستشيط غيظًا؛ فهي… حسنًا، لم تكن يسيرة تمامًا، لكنها لم تكن استثنائية بحال. فكرة الماء الطافية وأدوات الدراسة التي نسجها سابقًا بطلب منها تطلبت قدرًا أعظم بكثير من المهارة والجهد لصنعها. وراودته الرغبة في إرجاع ذلك إلى جهلها بما تبدو عليه العروض السحرية المتقنة بحق، غير أنه خمن أنها حتى لو أدركت كيفية تقدير الصعوبة على نحو سليم، فلن تكترث على الأرجح؛ فقد لاحظ في إعادات سابقة أنها تعشق سحر الأوهام أكثر من سائر الفنون السحرية التي عرضها عليها؛ ولعل ذلك داعب حس الفنانة الكامن في أعماقها.
وأعلن منبه القطار اقترابهم من محطة كورسا، مما اضطر زوريان لقطع القصة قبيل نجاح سومراك في شق طريقه عبر سلالة ضفدع الشياطين التي لا تُحصى، ومواجهة الوحش في مقره الكهفي الذي فر إليه جبنًا عقب خسارته في جولته السابقة مع الساحر المغامر…
…وبطبيعة الحال، لم تستسغ كيريل هذا التوقف على الإطلاق؛ فقد رضيت بالانتظار ريثما تدفق الركاب إلى القطار يتفقدون المقصورات بحثًا عن مقاعد، غير أنه ما إن استقر الجميع وتحرك القطار مجددًا، حتى ألحت عليه لاستئناف الرواية. والمعضلة تمثلت في أن آيبيري قررت مشاركتهما المقصورة في تلك الأثناء، واستشعر زوريان توجسًا طفيفًا من استعراض مهاراته على مرأى منها؛ وهو توجس لم تجد كيريل في نفسها أدنى ذرة من التعاطف معه.
فتذمرت قائلة: «لا يمكنك التوقف الآن، ليس والقصة قاب قوسين أو أدنى من نهايتها!». حاول زوريان تدارك الموقف: «حسنًا، ما دمتُ سأمتنع عن استخدام وسائلي… إحم، التوضيحية البصرية…». توسلت كيريل: «لاااا! كان ذلك أروع ما في القصة!».
رمق زوريان آيبيري بنظرة ذات مغزى، راجيًا أن تفهم كيريل مقصده؛ وفهمت بالفعل، نوعًا ما، غير أن رد فعلها خالف تمامًا ما أمله؛ إذ صاحت كيريل بصوت مسموع: «أوه، هيا! هذه السيدة اللطيفة لن تشي بك لممارستك السحر في القطار!». ثم التفتت نحو آيبيري المباغتة ورمقتها بأكثر النظرات استعطافًا وبرءًا مما تستطيع استجماعه: «لن تفعلي ذلك، أليس كذلك؟».
تمتمت آيبيري بحرج وهي تتململ في مقعدها: «إممم… ماذا؟ كنت أظن أن القطار مزود بإجراءات مضادة لمنع إلقاء التعاويذ؟». سألت كيريل بدهشة: «حقًا؟». أكد زوريان: «بالفعل»؛ فما من جدوى للتظاهر بالجهل الآن: «إنها تكتفي بتشويش إلقاء السحر فحسب، ولا تجعله مستحيلًا؛ وبوسع المرء الالتفاف حولها إن بلغ من المهارة حدًا كافيًا».
سألت آيبيري بتردد وعدم يقين: «و… أنت بارع إلى هذا الحد؟». هز زوريان كتفيه ممتنعًا عن الرد بغير ذلك؛ ثم شرع، لإسعاد كيريل، في إتمام القصة التي كان يسردها، بما في ذلك الأوهام البديعة، ولاحظ أن آيبيري نحت كتابها جانبًا لتصيخ السمع هي الأخرى.
كما حاولت خلسة إلقاء بضع تعاويذ بسيطة حين ظنت أنه لا يراها، ثم قطبت جبينها حين عجزت عن التغلب على حاجز التعطيل؛ ولعل الفضول راودها لمعرفة مستوى البراعة المطلوب لقهر ذلك الحاجز فحسب. وفكر في مسح أفكارها السطحية ليتبين ما يدور في خلدها، غير أنه عدل عن ذلك بعد إطالة التفكير؛ فخطر الانكشاف كان ضئيلًا للغاية، لكون «العقل الشبيه بالنار» قد دربته على اختبار وجود الدفاعات الذهنية بخفاء، غير أن اعتياد اقتحام عقول من حوله دون اكتراث بدا له مسلكًا وخيم العواقب؛ فترك آيبيري لتجربتها، وأعاد تركيزه إلى كيريل والقصة التي يرويها.
وفور فراغه من الحكاية، بادرت آيبيري بفتح باب الحديث معهما على الفور؛ واعترفت بأنها لم تكترث كثيرًا بالقصة ذاتها، لا سيما أنها لم تشهد سوى أواخرها، غير أنها انبهرت بشدة بقدرته على قهر حواجز القطار؛ لا سيما حين علمت أنه لا يزال يستهل سنته الثالثة في الأكاديمية فحسب.
وفي نهاية المطاف، بلغوا سيوريا ومضى كل منهم في سبيله؛ غير أنه قبل وداعهم، طلبت منه آيبيري بارتباك أن يعرج على المكتبة في وقت ما من الأسبوع القادم لمناقشة… أمر ما. حسنًا، لا يهم — فقد انتوى مداهمة المكتبة لنسخ مزيد من التعاويذ في هذه الإعادة على أي حال، ولا ضير في معرفة ما تبتغيه منه في طريقه.
قالت كيريل حين خلوا بأنفسهما: «أظن أنها معجبة بك». قال زوريان: «كلا، إنها متيمة بفورتوف حتى أذنيها». سألت كيريل مشدوهة: «ماذا؟ هي وفورتوف؟ مستحيل!». أوضح زوريان: «حسنًا، لم أقل إنهما معًا، بل إنها تكنّ له مشاعر إعجاب فحسب».
سألت كيريل بريبة: «وكيف علمتَ بذلك؟». حاول زوريان المراوغة: «أسرار سحرية قديمة؟». فرمقته كيريل بنظرة جافة تخلو من التعبير؛ فقال: «حسنًا، حسنًا… سأخبركِ لاحقًا حين نصل إلى مسكننا الجديد؛ فهذا ليس بالحديث الذي يخاض فيه علانية».
وحتى وهو يحادث أخته الصغيرة، ظل زوريان مصغيًا لما ينبئه به حسه العقلي أثناء انسسابهم وسط الحشود؛ فحتى لو كان مستهدفًا من شخص محصن ضد الرصد الذهني، فإن انعدام العقل لدى أحدهم سيشكل بحد ذاته إنذارًا فاقع الحمرة لا تخطئه العين. ولم يرصد أي نوايا عدائية موجهة نحوهما، كما لم يخلُ أي من المشبوهين الذين صادفهم من حضور عقلي يتبدى لحواسه؛ وبعد عشر دقائق، تنفس الصعداء — وبدا أن مخاوفه من الوقوع في شرك وهو يصطحب أخته الصغيرة لم تكن سوى أوهام لا أساس لها.
همم، كان يعلم أنها ستمطر لاحقًا، بيد أنه يقوى على الحماية من المطر بيسر وسهولة… فلعل جولة استطلاعية قصيرة في أرجاء المدينة كفيلة بإرواء فضول كيريل قليلًا؟ قال زوريان مسترعيًا انتباه كيريل: «مهلًا، أترغبين في زيارة الساحة الرئيسية للمدينة؟ هناك نافورة جميلة للغاية أهوى تأملها في بعض الأحيان…». فوافقت على الفور بطبيعة الحال؛ فما كان بحاجة إلى السؤال أصلًا.
لقد انقضت أكثر من أربع سنوات منذ أن علق زوريان في الحلقة الزمنية، ووقعت أحداث جسام خلال تلك الحقبة؛ وكان تتبع كل شاردة وواردة تحديًا هائلًا، رغم تدريبه السحري وذاكرته الفذة. ولم يسعفه غيابه عن سيوريا لقرابة عام ونصف فرارًا من أعين ذي الرداء الأحمر في هذا الصدد؛ إذ تلاشت الكثير من التفاصيل الدقيقة والجزئيات الخاصة بمسار دورة الإعادة «الاعتيادية» من ذهنه طوال فترة غيابه الطويلة.
ولا ينبغي إذن أن يكون نسيانه التام لما جرى في آخر مرة حاول فيها بلوغ النافورة مع مطلع إعادة البدء أمرًا مستغربًا — ففي النهاية، لم يحاول تكرار ذلك منذ تلك الإعادة الأولى المشؤومة التي زجت به في غياهب الحلقة الزمنية. وهكذا، حين تعثر الاثنان أخيرًا بسرب الفئران الدماغية التي تسد طريقهما، باغت الأمر زوريان على حين غرة تمامًا كما حدث معه في المرة السابقة.
غير أنه لم يعد أعزل كما كان في ذلك الحين؛ وكاد يحرقها جميعًا حتى تستحيل إلى رماد قبل أن يلجم نفسه؛ فقد كان شبه موقن بأن إبادته للسرب ستضعه تحت رادار الغزاة، ومن ثم تحت أنظار ذي الرداء الأحمر أيضًا، لذا كانت الخطوة الأكثر حكمة هي الانسحاب ببساطة كما فعل في أول إعادة بدء له.
the honord one.