الفصل 9 - لقاء المورلوك.
تنهدت ممررةً أصابعها في خصلات شعرها، وقالت: “أنت تشعرني وكأنني الشريرة في هذه القصة. بغض النظر عن مشاكلك العائلية، ما الذي يزعجك إلى هذا الحد حيال الأمر؟ ففي النهاية، إنه مجرد حفل. ولطالما اعتقدت أن المراهقين قاطبة يولعون بالحفلات. هل يساورك القلق بشأن العثور على مرافقة؟ ما عليك سوى توجيه الدعوة لإحدى طالبات السنة الأولى، وسيتلقفن[1] الفرصة بلهفة؛ إذ لا يُسمح لهن بالحضور ما لم يتلقين دعوة من طالب في السنوات العليا، كما تعلم.”
أطلق «زوريان» تنهيدة مماثلة. فهو لم يكن يبحث قط عن وسيلة للعثور على مرافقة؛ إذ كان واثقاً تماماً من أن مجرد التلويح باسم عائلته كفيل بأن يضمن له الفوز بإحدى طالبات السنة الأولى الساذجات والضحوكات لقضاء الأمسية. بيْد أن جل مبتغاه كان إيجاد مخرج ينجيه من هذا المأزق برمته. وهو أمر لم تبدُ «إيلسا» على استعداد لمنحه إياه البتة.
أخبرها «زوريان» وهو ينهض من مقعده: “لن أصطحب معي مرافقة. قد أُجبر على حضور الحفل، غير أنني واثق تماماً من أن إحضار مرافقة ليس أمراً إلزامياً. طاب يومكِ.”
اعتراه بعض التعجب حينما لم تحاول «إيلسا» معارضته أثناء مغادرته. لعل ورطة الحفل الراقص هذه لن تكون عبئاً ثقيلاً إلى هذا الحد.
{{{{{{{{{{{{صني يرسل تحياته…..}}}}}}}}}}}}
تثاقلت خطى «زوريان» عبر أروقة سكن الطلاب بتعب جلي، إذ لم يكن على عجلة من أمره للوصول إلى غرفته. كان المعلمون قد أحجموا[2] عن إثقال كاهلهم بأي واجبات مدرسية جوهرية خلال عطلة نهاية الأسبوع، لعلمهم التام بأن الجميع سيكونون منشغلين جداً بمهرجان الصيف ولن ينجزوا شيئاً يُذكر. في العادة، كان وقت الفراغ هذا ليُعد هبة سماوية لـ«زوريان»، بيْد أن مجرد التفكير فيما سيضطر لمقاساته غداً كان كفيلاً بسلب إرادته لفعل أي شيء ممتع أو مثمر، لذا عقد العزم بصدق على الخلود للنوم بمجرد أن تطأ قدماه غرفته.
وما إن ولج مبنى سكنه، حتى لاحظ أن أحدهم قد شرع بالفعل في أجواء الاحتفال؛ إذ كانت جدران الممر الذي يعبره ملطخة ببقع ملونة ومبهجة من الأصفر، والأخضر، والأحمر.
“زوريان! أنت بالضبط الرجل الذي كنت أبحث عنه!”
انتفض «زوريان» فزعاً من الصوت المدوي خلفه، واستدار بحدة ليواجه الشخص الذي اقتحم مساحته الشخصية. رمق الأبله المبتسم أمامه بنظرة عابسة.
سأله بضيق: “ما الذي أتى بك إلى هنا يا فورتوف؟”
احتج الآخر: “ماذا، ألا يحق لي زيارة أخي الصغير؟ أم أنك أرفع شأناً من التسكع مع أخيك الأكبر؟”
“كفاك هراءً يا فورتوف. أنت لا تأتيني قط لمجرد التسكع. بم تحتاج مساعدتي هذه المرة؟”
تذمر «فورتوف» قائلاً: “هذا غير صحيح البتة. أنت أخي المفضل، ألم تكن تعلم ذلك؟”
حملق فيه «زوريان» ببرود لثوانٍ معدودة قبل أن يقول: “«دايمن» ليس هنا، لذا سترضى بي كبديل، هاه؟”
انفجر «فورتوف» غاضباً: “«دايمن» وغد متعجرف. منذ أن نال نصيبه من الشهرة، وهو يتذرع دائماً بالانشغال للتهرب من مساعدة شقيقه الأصغر. أقسم أن هذا الرجل لا يكترث إلا لنفسه.”
تمتم «زوريان»: “يا له من نفاق فج.”
استفسر «فورتوف»: “عذراً، لم ألتقط ما قلته.”
لوح «زوريان» بيده متجاهلاً الأمر: “لا شيء، لا شيء. إذن، ما هي الورطة التي أوقعت نفسك فيها هذه المرة؟”
أجاب «فورتوف» بخجل مصطنع: “أممم، ربما أكون قد وعدت صديقة لي بأن أصنع لها جرعة لعلاج الطفح الجلدي.”
{{{{{{{{{كنت اظنه يريد مانع حمل….}}}}}}}}}
شخر «زوريان» بحنق: “لا وجود لشيء يُدعى ‘جرعة لعلاج الطفح’. بيْد أن هناك ‘مرهم’ علاجي، والذي يُدهن مباشرة على الجلد المصاب عوضاً عن احتسائه كالجرعات. هذا يثبت فحسب مدى غبائك المدقع عندما يتعلق الأمر بالخيمياء. ماذا بحقك، فيم كنت تفكر عندما قطعت وعداً كهذا لصديقتك؟”
اعترف «فورتوف»: “لقد دفعتها عن طريق الخطأ في رقعة من النبتة المتسلقة الأرجوانية أثناء حصة النجاة في البرية. أرجوك، يجب أن تساعدني! سأجد لك حبيبة إن فعلت!”
زمجر «زوريان» بانفعال: “أنا لا أريد حبيبة!” ولاسيما النوعية التي قد يورطه «فورتوف» معها. “اسمع، لماذا تزعجني بهذا الشأن؟ اذهب ببساطة إلى العطار واشترِ بعضاً من المرهم.”
“إنه مساء الجمعة. جميع المتاجر مغلقة استعداداً للاحتفال غداً.”
قال «زوريان»: “حسناً، هذا مؤسف جداً، لأنني لا أستطيع مساعدتك. في أول عامين، نقتصر على دراسة النظريات وقواعد السلامة المخبرية، وأنا بالكاد أبدأ عامي الثالث. لم نتعمق في أي خيمياء جادة في فصولنا الدراسية حتى الآن.”
كم كانت هذه حقيقة ساطعة، بيْد أنها في الوقت ذاته كذبة صلعاء. نعم، لم يمارس الكثير من الخيمياء في الحصص، غير أنه انغمس في دراسة ذاتية مكثفة في أوقات فراغه. بإمكانه تركيب ترياق لطفح النبتة المتسلقة الأرجوانية بسهولة تامة، ولكن ما الذي يجبره على استنزاف مكوناته الخيميائية باهظة الثمن؟
“يا رجل، هيا بحقك. أنت تتحدث ثلاث لغات مختلفة وتتقن كل تمارين التشكيل السخيفة التي يجبروننا على تعلمها، ومع ذلك تعجز عن القيام بأمر أساسي كهذا؟ ماذا بحقك، ما الذي تفعله في غرفتك طوال اليوم إن لم تكن تتعلم كيفية صنع أشياء كهذه؟”
انفجر «زوريان» قائلاً: “أنت آخر من يحق له التحدث! أنت تكبرني بعام، ويُفترض أن تكون قادراً تماماً على إنجاز هذا بنفسك.”
لوح «فورتوف» بيده باستخفاف: “إيه، أنت تعلم أنني لم أكترث يوماً للخيمياء. إنها دقيقة جداً ومملة بالنسبة لي. فضلاً عن ذلك، أنا أعجز حتى عن تحضير حساء خضروات دون تدمير أدوات المطبخ الخاصة بأمي؛ فهل تريدني حقاً أن أعبث بالمعدات الخيميائية؟”
حسناً، إن وضعها بهذا المنظور…
قال «زوريان» باستسلام: “أنا متعب. سأصنعها غداً.”
“هل فقدت صوابك!؟ غداً سيكون الأوان قد فات!”
صاح «زوريان» بانزعاج: “هيا بحقك، لن تموت بسبب طفح جلدي لعين!”
“أرجوك يا زوريان، أعلم أنك لا تكترث لأمور كهذه، غير أنها معجبة بشدة بهذا الفتى و-“
أطلق «زوريان» أنة وبدأ في تجاهل حديثه. كان هذا تقريباً كل ما يحتاج لمعرفته حول هذه الـ “حالة الطارئة”.
“-وإن لم يُعالج طفح صديقتي بحلول ذلك الوقت، فلن تتمكن من الذهاب ولن تسامحني أبداً! أرجوك، أرجوك، أرجوك-“
“توقف.”
“-أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك-“
“قلت توقف! سأفعلها، حسناً؟ سأصنع هذا المرهم اللعين، بيْد أنك ستكون مديناً لي بخدمة كبيرة مقابل هذا، هل تسمع؟”
أجاب بابتهاج: “أجل! كم من الوقت تحتاج؟”
تنهد «زوريان»: “قابلني عند النافورة بعد حوالي ثلاث ساعات.”
راقبه «زوريان» وهو يركض مبتعداً؛ ولعله فعل ذلك ليضمن ألا يغير رأيه أو يفرض عليه شروطاً محددة. هز رأسه بيأس وعاد أدراجه إلى غرفته لإحضار الكواشف الخيميائية اللازمة. كانت الأكاديمية توفر ورشة خيميائية للطلاب ليستخدموها في مشاريعهم الخاصة، غير أن ذلك اشترط إحضار مكوناتهم الشخصية. ولحسن الحظ، كان يمتلك كل ما يتطلبه هذا العمل المحدد.
كانت الورشة خالية تماماً باستثنائه، بيْد أن هذا لم يكن مستغرباً البتة. فمعظم الطلاب كانوا غارقين في الاستعداد للحفل الراقص غداً، وكان من المستبعد أن يكرسوا وقتهم لممارسة الخيمياء في اللحظات الأخيرة. غير مكترث بالصمت المريب المهيمن على الورشة، نثر «زوريان» المكونات على الطاولة وانكب على العمل.
والمثير للسخرية حقاً، هو أن المكون الرئيسي لمرهم الطفح الجلدي كان النبتة ذاتها التي تسببت في هذه الفوضى—النبتة المتسلقة الأرجوانية، أو أوراقها على وجه الدقة. كان «زوريان» قد تركها سلفاً لتجف في الشمس، ولم يتبقَ الآن سوى طحنها إلى مسحوق. وكان هذا بوجه عام الجزء الأكثر إزعاجاً في الإجراء بأكمله؛ إذ تطلق أوراق تلك النبتة سحابة من الغبار المهيج في الهواء إذا ما سُحقت ببساطة باستخدام المدقة والهاون[3] التقليديين. استعرضت الكتب المدرسية التي قرأها شتى السبل المعقدة للتعامل مع هذه المعضلة، والتي تضمنت في العادة معدات باهظة الثمن، غير أن «زوريان» ابتكر حلاً أكثر بساطة بكثير: فقد عمد إلى لف الأوراق في قطعة قماش مبللة قليلاً، ثم غلفها بقطعة من الجلد، وانهال على الكتلة الناتجة بالطرق حتى انعدمت أي مقاومة. وبذلك يلتصق الغبار المهيج بالقماش في حين تظل قطع الأوراق بمنأى عنه.
بعد أن مزج مسحوق الأوراق بعشر قطرات من العسل وملعقة من عصير توت الأوبليا، وضع المزيج بأسره على نار هادئة، واستمر في تقليب المحتوى حتى اكتسب لوناً وقواماً متجانسين. إثر ذلك، أبعد الوعاء عن النار وجلس مترقباً ريثما يبرد الخليط.
صدح صوت ذو نبرة أنثوية نوعاً ما من خلفه: “عمل مبهر حقاً. ارتجال رائع في التعامل مع أوراق النبتة المتسلقة. سيتعين عليّ تذكر هذه الحيلة.”
بيْد أن «زوريان» ميز صاحب الصوت؛ فـ«كايل» لم يكن أنثى في الحقيقة، على الرغم من الشائعات الخبيثة التي تدور حوله. استدار ليواجه الفتى الـ«مورلوك»، متأملاً شعره الأبيض كالعظام وعينيه الزرقاوين الحادتين للحظة، قبل أن يعاود صب تركيزه على تنظيف المعدات الخيميائية التي استخدمها. فلا مبرر للحرمان من استخدام الورشة لمجرد إخفاقه في تنظيف المكان بعد انتهائه.
{{{{{{{{{{تيتش افرح وهلل……}}}}}}}}}}
كافح لصياغة رد مناسب بينما كان «كايل» يتفحص المرهم بعين خبير. كان الفتى يكتنفه الغموض، إذ لم ينضم إلى مجموعتهم إلا هذا العام بعد انتقاله من مكان يعلمه الساميون وحدهم، فضلاً عن كونه قليل الكلام. ناهيك عن كونه—كما تعلم—من الـ«مورلوك»[4]. منذ متى والفتى يراقبه؟ للأسف، كان يميل لفقدان الإحساس بمحيطه حينما ينغمس في عمل ما، لذا لم يسعه التخمين.
قال «زوريان» أخيراً: “ليس بالأمر الاستثنائي. أما عملك أنت… فهذا هو المبهر حقاً. يراودني انطباع بأنك تقف في مستوى مختلف تماماً عن بقيتنا في مجال الخيمياء. حتى «زاك» لا يمكنه التغلب عليك في أغلب الأحيان، ويبدو أنه يحصد العلامات الكاملة في كل شيء هذه الأيام.”
ابتسم الفتى ذو الشعر الأبيض بخفة: “«زاك» يفتقر للشغف تجاه المادة. فالخيمياء تتطلب لمسة حرفي وقدراً هائلاً من الصبر، وبغض النظر عن مدى اتساع معرفته، فإن «زاك» ببساطة لا يمتلك العقلية المناسبة لها. في حين أنك تمتلكها. ولو كان لديك من التدريب العملي في الخيمياء ما يمتلكه «زاك» بوضوح، لتفوقت عليه بلا أدنى شك.”
استفسر «زوريان»: “آه، إذن أنت تعتقد أن لديه خبرة سابقة أيضاً؟”
“لا أعرفه بالقدر الذي تعرفه أنت وبقية زملائك، إذ لم أنضم لمجموعتكم إلا مؤخراً. ومع ذلك، لا يمكن للمرء أن يبلغ مستوى البراعة الذي يظهره «زاك» بوضوح في هذا المجال في غضون بضعة أشهر. إنه يعمل بالسلاسة المكتسبة لشخص مارس الخيمياء لسنوات.”
حاول «زوريان» جس نبضه: “مثلك تماماً.”
أكد «كايل»: “مثلي تماماً. أكره أن أبدو فظاً، ولكن هل انتهيت من عملك هنا؟ أود أن أصنع شيئاً بنفسي اليوم.”
اعتذر «زوريان» للفتى عن تعطيله، وهو ما تقبله المورلوك ملوحاً بيده كأمر لا أهمية له، ثم ودعه.
أثناء ابتعاده، تبادر إلى ذهن «زوريان» أنه كان يجدر به ربما صنع نوع من جرعات النوم لنفسه بالمرة؛ إذ توجب عليه الحصول على قسط وافر من الراحة هذه الليلة، لأنه حتماً لن يحظى بأي منها غداً.
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
[1] : المعنى هو أن هؤلاء الفتيات سيقتنصن هذه الفرصة فوراً، وسيمسكن بها بسرعة وحماس دون أي تردد بمجرد أن تعرضها عليهن. وهي المقابل الدقيق للتعبير الإنجليزي (jump at the chance).
[2] : بمعنى أعرضو وامتنعو.
[3] :الهاون (Mortar)، هو الوعاء أو الزبدية التي توضع فيها المواد.
[4] :مصطلح خيالي يُطلق على جنس من الكائنات (أو البشر المتحولين/الأعراق السحرية).
الفصل القادم بعنوان: تساقط النجوم…