الفصل 75 - عرض لا يُفوت
الفصل 75: عرض لا يُفوت
حذرت “إيلسا”: “لا تكن مفرطاً في تسرعك. أنا واثقة أن موارد الأكاديمية ستظل مفيدة لك لعام آخر أو نحو ذلك. فأنت لست بهذا المستوى المتقدم بعد.”
إذ لم تحبذ الأكاديمية فكرة اجتياز الطلاب للاختبارات لتخطي المناهج.
فقد تفاخرت الإدارة علناً بقدرتها على صقل مهارات السحرة البالغين، ناهيك عن الأطفال الموهوبين. وبالتالي، فإن التخرج المبكر يلمح إلى أن الطالب لم يعد لديه ما يتعلمه من الأكاديمية، وهو ما يُعتبر بمثابة صفعة على الوجه من قبل الطالب.
فضلاً عن أن المرء لا يسترد أي أموال مقابل إنهائه للدراسة مبكراً.
في المحصلة، لم يكن “زوريان” ينتوي حقاً اجتياز الاختبارات للرحيل—فذلك لن يدر عليه أي نفع سوى زرع بذور العداء بينه وبين الأكاديمية.
غير أنه لطالما وجد أن نثر بعض التهديدات المبطنة في ثنايا المفاوضات يدفع الطرف الآخر لأخذه على محمل الجد.
واصلت “إيلسا” التفكير في صمت لبعض الوقت، ناقرة بقلمها الرصاص بإيقاع منتظم فوق مجلد يغص بالاختبارات الكتابية التي سارع “زوريان” بملئها في مستهل لقائهما.
آثر “زوريان” ألا يقاطعها، رغم أنه اعتبر هذا الصمت الطويل نذير شؤم. والأرجح أن محاولته هذه باءت بالفشل وسيتعين عليه تجربة مقاربة أخرى في (الإعادة) القاد—
قاطعت “إيلسا” حبل أفكاره فجأة: “حسناً، إليك عرضي. سأنقل وصايتك التوجيهية من ‘كزفيم’ إليّ. وسأتولى تلقينك الجوانب المتقدمة في (سحر الأوهام)، و(التغيير)، و(التحريك)، و(الاستحضار). وإن أبهرتني بتفانيك، فسأدرج تعاويذ (سحر الأبعاد) الصغرى ضمن تلك القائمة، وإذا أثبتَّ براعتك فيها… فحينها سأعلمك تعويذة (الانتقال الآني) الأساسية.”
رمش “زوريان” بذهول. ماذا؟ كان هذا يفوق ما طلبه بأشواط! ليس وكأنه يتذمر، لكن…
قال “زوريان”: “يبدو هذا أفضل مما أملت. ما هو المقابل؟”
أوضحت “إيلسا”: “حسناً، بادئ ذي بدء، أتوقع منك أن تكون مساعدي الشخصي. لقد حاولت جاهدة الحصول على مساعد طوال العامين الماضيين، بيد أن مدير الأكاديمية يرفض التكفل برواتبهم، والعثور على شخص ماهر مستعد للعمل بلا مقابل أمر بالغ الصعوبة.
على أية حال، سيتلخص عملك في الغالب في التعامل مع الكم الهائل من الاختبارات والواجبات التي تتكدس لدي كل يوم، ولربما أطلب منك أيضاً تولي بعض مهامي التدريسية لفصول السنة الأولى.
أو أي مهمة عشوائية أخرى تخطر ببالي وأراها دون مقامي، في واقع الأمر.”
أمر مزعج بلا شك، لكنه ثمن عادل لقاء ما تعرضه. وفي الواقع، بدا هذا الأمر برمته أشبه بـ—
استطردت “إيلسا”: “وستغدو متدرباً رسمياً لدي. فإن كنت سألقنك سحراً متقدماً وأأتمنك على أعمالي، فأنا أبتغي ضمانة قانونية من نوع ما تقيدك بي.”
…أشبه بهذا تماماً. في العادة، كان “زوريان” ليتوجس خيفة من توقيع عقد تدريب مع شخص بالكاد يعرفه، نظراً لأن غايته الرئيسية هي الإيقاع بالمتدرب إن خالف اتفاقه مع معلمه، غير أن هذا العقد لن يمتد مفعوله إلا حتى نهاية الإعادة الحالية، لذا لمَ لا.
أردفت “إيلسا” بغتة: “أوه، وستتولى منصب ممثل الفصل لمجموعتك.”
امتعض “زوريان”. ففضلاً عن كونه منصباً مريعاً ولا يجلب سوى الجحود، فقد كان مشغولاً بالفعل. غمغم “زوريان”: “ستُحطم ‘أكوجا’ تماماً.”
شعر بوخزة من تأنيب الضمير لاغتصابه منصبها، لا سيما وأنه لم يكن يرغب فيه من الأساس، لكن من سابع المستحيلات أن يفوت هذه الفرصة.
ضحكت “إيلسا” وقالت: “زوريان، السبب الذي يدفعني لمنحك المنصب هو أن ‘أكوجا’ لم تعد راغبة فيه.
فقد صرحت بأنها تمقت هذا المنصب—لأن الجميع ينبذها بسببه، وأنه يجدر بي تسليمه لشخص آخر. وللأسف، لم أتلقَ أي عروض للتبادل معها. ليس من شخص أثق به، على أية حال.”
رمقت “زوريان” بنظرة ذات مغزى. “لقد كنتَ أحد الأشخاص الذين أوصَت بهم للمنصب، لكنني لم أكلف نفسي حتى عناء سؤالك. فكل ما تناهى إلى مسامعي عنك كان يرجح رفضك القاطع.”
“ولقد كنتِ محقة تماماً،” وافقها “زوريان”، ولا يزال تحت وطأة صدمة خفيفة. ‘أكوجا’ لا تريد أن تكون ممثلة الفصل؟ لكن الفتاة كانت تحيا لأجل هذه الأمور! وعلى أية حال، إن لم تكن ترغب في المنصب، فلمَ كانت تؤديه بكل هذا التفاني؟
لو أن “زوريان” علق في وظيفة يمقتها، لأدى الحد الأدنى الممكن، أو حتى تعمد الإخفاق لكي تشعر “إيلسا” بالضغط لاستبداله في أسرع وقت ممكن. لمَ لم تفعل ‘أكوجا’ الشيء ذاته؟ أردف قائلاً: “السبب الوحيد الذي يدفعني لقبول هذا الآن هو أن عرضك لا يُفوت.”
سألت “إيلسا” متأكدة: “إذن، هل اتفقنا؟”
أجاب “زوريان”: “أجل، بيد أن لدي سؤالاً ومطلباً. أولاً، لمَ تودين تعليمي هذه المواضيع تحديداً؟ وثانياً، أود تعلم تعويذة (الانتقال الآني) قبل مهرجان الصيف.”
علقت “إيلسا”: “يساورني الشك في قدرتك على إتقان المتطلبات الأساسية لتعويذة الانتقال الآني في أقل من شهر بقليل.
غير أنه، وفي الحالة النظرية البحتة التي تنجح فيها بذلك، فلا مانع لدي من تلبية مطلبك. لمَ أنت مصر للغاية على هذه التعويذة؟”
هز “زوريان” كتفيه: “إنه حلم يراودني نوعاً ما أن أكون قادراً على فعل ذلك. ففي مخيلتي، لطالما كان الانتقال الآني أحد الأمثلة الجوهرية لما يسع الساحر الحقيقي فعله، وما ينبغي أن يكون قادراً عليه.”
“مثير للاهتمام. وبدافع الفضول، ما هي بقية الأمور التي يسع الساحر الحقيقي فعلها؟” تساءلت “إيلسا”.
رد “زوريان”: “صنع مجال قوة، وابتكار عنصر سحري، وإطلاق كرة نار، وإصلاح الأشياء المكسورة، والتحول إلى خفي. يسعني القيام بالأربعة الأولى بالفعل، أما الخامس فهو غير قانوني دون تصاريح خاصة.” كان يعمل بالفعل على اكتساب تعويذة للتخفي على أية حال، بيد أنه لم يكن لزاماً عليها معرفة ذلك.
رمقته “إيلسا” بنظرة ذات مغزى، وكان “زوريان” ليخشى أنها تقرأ أفكاره لولا يقينه التام بقدرته على رصد أي تطفل عابر على عقله.
استطردت “إيلسا”: “وللإجابة على سؤالك الأول، لقد اخترت تلك التخصصات لأنها مجال براعتي الشخصي. ومن اللائق تماماً أن ينهل المتدرب من تخصص معلمه، أليس كذلك؟”
وافقها “زوريان”: “بالتأكيد. رغم أنني لست واثقاً من القاسم المشترك بين كل هذه الأمور. ألا يُفترض بالتخصصات أن تكون أكثر تركيزاً ودقة؟”
أوضحت “إيلسا”: “حسناً، حين كنت ساحرة يافعة، راودني أنا الأخرى حلم نوعاً ما. وتحديداً، أردت إتقان الاستحضار الحقيقي.”
رمش “زوريان” بعينيه: “أتقصدين خلق مادة حقيقية من العدم؟ أليست هذه مجرد أسطورة؟”
“هذا هو الموقف الرسمي الحالي للأكاديمية، نعم،” أكدت “إيلسا”. “زعمت المصادر التي سبقت (الكارثة) أن السحرة الأقوياء كانوا قادرين على تحقيق هذا الإنجاز، بيد أن كافة التعاويذ المؤدية لذلك قد ضاعت في طيات الزمن ولم يفلح أحد في إعادة ابتكارها في العصر الحديث.
يظن العديد من السحرة أنها لم توجد قط، وأن السجلات القديمة إما مختلقة أو تصف أمراً مغايراً لخلق المادة الفعلي. على أية حال، وبصفتي ساحرة يافعة، كان حلمي أن أعيد ابتكار تلك التعاويذ، لذا درست كل ما اعتقدت أنه قد يمهد طريقاً نحو تلك الغاية.
بما أن الاستحضار الحديث ينطوي أساساً على صنع أوهام صلبة، فكان من الطبيعي نوعاً ما أن أبدأ بـ (سحر الأوهام) ثم أتدرج نحو الاستحضار. وبعدها، ونظراً لأن الاستحضار الحقيقي يتطلب التعامل مع مادة فعلية، انتقلت إلى تعاويذ (التغيير) التي تُعنى بتصنيع العناصر.”
سأل “زوريان” بفضول: “و… هل حققتِ أي نجاح؟”
هزت “إيلسا” كتفيها: “يعتمد ذلك على تعريفك للنجاح. كانت غايتي القصوى هي تصميم تعويذة تستدعي المواد من مكان آخر، دون حاجة الملقي لمعرفة المصدر الدقيق لتلك المواد.
هكذا تخيلت أن الإيكوسيين القدماء كانوا قادرين على ‘تزييف’ خلق المادة.
لقد نجحت نوعاً ما، بيد أن التعويذة التي ابتكرتها لا تعمل إلا في غرفة مُجهزة خصيصاً، وتكلفة المانا للتعويذة تتأرجح بجنون من إلقاء لآخر، استناداً إلى ما أحاول استحضاره.
هناك أيضاً تلك الحادثة المحرجة المتعلقة بجزء خلق الذهب من التجربة، حين اختلست التعويذة عملات عتيقة من متحف مجاور…”
هزت رأسها. “تلك قصة لوقت آخر. لا بد لي من التوجه إلى فصلي قريباً على أية حال. سأعد عقد المتدرب لتوقعه غداً، فاحرص على المرور حينما يتسنى لك الوقت.”
++++++++++
كانت الإعادات الخمس التالية محمومة ومضجرة في آنٍ واحد. محمومة لوجود شيء يحتاج للإنجاز دائماً، ومضجرة بمعنى أن القليل منها كان جديداً بحق.
فقد واصل تحسين مهاراته المتنوعة باطراد، وبات الأرانيا متمرسين للغاية في التصدي للغزاة بشتى السبل، وبدا أن “زاك” قد تقبل أخيراً أن ثمة أمراً بالغ الغرابة يجري في الخفاء، وأنه ليس السبب فيه.
كانت احتمالية تعرف “زاك” على “زوريان” كسبب لتلك التغييرات ضئيلة للغاية، نظراً لأن ضخامتها الهائلة كانت تطغى على كل ما فعله “زوريان” بصفة شخصية.
لطالما استهل الأرانيا كل إعادة بشراسة بالغة، مقدمين إخباريات مجهولة المصدر لشرطة ‘سيوريا’، ومغتالين بضعة أشخاص، بل وعمدوا إلى بث بضع شائعات في الأرجاء.
كانت النتيجة أنه بحلول الوقت الذي يلج فيه “زوريان” حصته الأولى، تكون التغييرات قد سرت في أوصال المدينة بأكملها، لتشمل معلمي الأكاديمية وطلابها.
لم يبدُ على “زاك” أي ارتياب تجاه “زوريان” كالسبب الجذري، ولا تجاه أي زميل آخر في حقيقة الأمر.
بدأ “زوريان” يتفق مع “زاك” في هذا الصدد—أياً كان المسافر الثالث عبر الزمن، فمن المؤكد أنه ليس في فصلهم.
لقد تحدث “زوريان”، متذرعاً بحجج شتى، إليهم جميعاً—وقد ساعده في ذلك قضاؤه للإعادات الخمس الماضية في منصبه الجديد كممثل للفصل، مما وفر له ذرائع لا تحصى للقيام بذلك—مستخدماً (تعاطفه) الآخذ في التحسن ببطء ليرى ما إذا كانوا سيتفاعلون بصدمة أو مفاجأة حين يلقي ببعض الجمل المبطنة التي لا يدرك مغزاها سوى شخص عالق في حلقة زمنية.
بيد أنه لم يجد ما يدين أياً منهم.
في المحصلة، كانت الأمور تسير على ما يرام في نظر “زوريان”.
بل إن الإعادة الأخيرة كانت جيدة بشكل استثنائي بالنسبة له—فقد أفلح أخيراً في تعلم تعويذة (الانتقال الآني) من “إيلسا”، وبدأ “زاك” يغدو أكثر دهاءً في تصديه للغزاة بدلاً من الاكتفاء بمحاولة الإطاحة بهم جميعاً عبر مهاراته القتالية،
ناهيك عن فشل المحاولة الأخيرة للغزو في السيطرة على المبنى الرئيسي للأكاديمية أو ملاجئ الطلاب لأن الأرانيا تمكنوا بطريقة ما من التأثير على قيادة الأكاديمية لتعديل (نظام الواقيات) الخاص بهم.
غير أن صبر الأم الحاكمة كان ينفد.
فثمة أمر كان يزيد من توترها مع انقضاء كل إعادة، وأبت أن تفصح له عن ماهيته، متذرعة بحجج واهية كلما بادرها بالسؤال.
بدا أنها تكرس جل طاقاتها لمشروع شخصي من نوع ما، وصفته بـ ‘جمع المعلومات’ و’تتبع حدس’، وأياً كانت النتائج التي توصلت إليها، فمن الجلي أنها كانت تثير قلقها.
ساوره شك قوي بأنها اكتشفت معلومات حيوية حول طبيعة (الحلقة الزمنية)، وأنها رفضت مشاركتها إياه لسبب أو لآخر. وللأمانة، كان يشعر بمرارة طفيفة حيال ذلك.
فما الذي قد يكون أشد إثارة للقلق مما يعلمونه مسبقاً عن هذه الظاهرة؟
بغض النظر عن ذلك، كانت الأم الحاكمة مُصرة على ضرورة العثور على المسافر الثالث عبر الزمن، وكلما كان ذلك أسرع كان أفضل.
بمجرد أن أكد لها “زوريان” عدم تواجده في فصلهم، ترسخت قناعتها بأنه، شأنه شأن “زاك”، لا يتواجد حتى في المدينة معظم الوقت. والأرجح أنه يكتفي بتسليم معلومات حاسمة للغزاة في مستهل الإعادة ثم يمضي لشأنه الخاص. وإن أرادوا لفت انتباهه، فسيتحتم على الغزو أن يفشل فشلاً ذريعاً ومدوياً.
وبناءً على ذلك، بسطت الأم الحاكمة خطتها للإعادة القادمة، خطة سيكون من المستحيل تجاهلها بلا ريب…
++++++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
دفعة اليوم استمتعو انا الان نصف نائم واتا انهي نشر الفصول……….