الفصل 74 - اختبارات كزفيم التعسفية
الفصل 74: اختبارات كزفيم التعسفية
حين وصل “زوريان” إلى جلسته الأسبوعية مع “كزفيم”، كان يتوقع تماماً تلقي ساعة من هراء معلمه المعتاد… والذي تمثل في هذه الإعادة تحديداً في الإمساك بحزمة من العصي الرفيعة ومحاولة حرق إحداها دون المساس بالبقية أو حرق يده في هذه العملية. وللأمانة، كان “كزفيم” يحدق فيه بحدة بالغة حين دلف إلى الغرفة، بيد أن “كزفيم” لطالما أتى بأفعال بالغة الغرابة خلال جلساتهما.
ولم يكد “زوريان” يتخذ مقعده حتى قرر “كزفيم” التحدث إليه. “لقد نما إلى علمي أنك تلقي (كرات نارية)،” قال “كزفيم”. “هل هذا صحيح؟”
كبح “زوريان” رغبته في العبوس في وجه الرجل بصعوبة. فإلقاؤه لتعليق كهذا لم يكن يوماً نذير خير—إذ لم يُبدِ “كزفيم” أي إعجاب بأي شيء يفعله “زوريان” قط، لذا لا ريب أنه وجد أمراً معيباً في تدريباته القتالية مع “تايفين”. ماذا بحقك، كيف نمى إلى علمه أمر كهذا من الأساس؟
لم تفضح ملامح “كزفيم” شيئاً، وكان “زوريان” قد حاول بالفعل استخدام تعاطفه البدائي عليه دون جدوى، محاولاً سبر أغوار هذا الرجل المستفز ومعرفة ما يثير حفيظته.
فقد كان “كزفيم” يتمتع بتحكم مذهل في عواطفه، ولا يكاد يزعجه أو يخرجه عن طوره شيء على الإطلاق.
أجاب “زوريان” بحذر، وكأن إبطاء وتيرة حديثه سيقيه شر حقل الألغام الذي نصبه له “كزفيم” بهذا السؤال: “يسعني إلقاء التعويذة، أجل. أقر بأن ذلك يقتصر على الحد الأدنى من القوة، لكن-”
قاطعه “كزفيم” بجمود: “إذن، فالإجابة هي النفي.” وحدق فيه، وكأنه يتحداه ليناقضه.
لحسن الحظ، كان “زوريان” أعقل بكثير من أن ينفعل إثر تصريحات “كزفيم” في هذه المرحلة، فاكتفيا بالتحديق في بعضهما البعض في صمت للحظات.
أخيراً، كسر “كزفيم” حرب النظرات هذه بتنهيدة درامية مبالغ فيها. “سحرة هذه الأيام، دائماً ما يتسرعون في أداء الأمور وهي غير مكتملة النضج.
لقد توقعت منك أداءً أفضل. لا ضير في اهتمامك بسحر القتال، لكن اللجوء فوراً إلى التعويذة الأبرز والأعلى تصنيفاً في متناول يدك هو محض حماقة.
فكرة النار بنصف قوة ليست كرة نار على الإطلاق. كان يجدر بك التركيز على بناء أساس متين حتى يتسنى لك إلقاؤها على الوجه الأمثل.”
رد “زوريان” بهدوء: “حسناً، لِمَ لا تريني كيف تُلقى إذن؟”
وكرد فعل، سحب “كزفيم” رزمة من البطاقات من درجه دون أن ينبس ببنت شفة، ورماها نحوه. التقطها “زوريان” غريزياً قبل أن تصطدم برأسه، إذ كان معتاداً على حماقات معلمه لدرجة تمنع تفاجئه من هذه الحركة.
“بطاقات؟” سأل وهو يقلبها بين يديه. بدت كبطاقات لعب عادية، باستثناء استبدال الوجوه المطبوعة عليها بمربعات، وخطوط، ودوائر، وأشكال هندسية أخرى.
أكد “كزفيم”: “بطاقات. وتحديداً، بطاقات مصنوعة من مادة ممتصة للمانا. والرموز التي تبدو زخرفية على الزوايا تتكفل بطرد أي مانا تمتصها البطاقات، لتشعها بعيداً في الجو المحيط. يتطلب الأمر قدراً هائلاً من المانا للتأثير عليها بأي شكل من الأشكال.”
خمن “زوريان”: “والمطلوب مني هو التأثير عليها؟”
“ستحاول، أنا واثق من ذلك،” أجاب “كزفيم” بلامبالاة، منشغلاً بترتيب الأقلام على طاولته بدلاً من النظر إلى “زوريان”. “من العسير جداً التأثير عليها بالنسبة لسحرة ذوي مهارات هزيلة كمهاراتك. وباختصار، ستحاول حرق الأشكال المرسومة على البطاقات—والأشكال فقط. يمكنك البدء متى ما شعرت بالاستعداد.”
حملق “زوريان” في البطاقات لبرهة. وخمن أنه يدرك المغزى من هذا التمرين—عليه استهلاك كمية هائلة من المانا، وعليه فعل ذلك في لمح البصر، وإلا ستبدد الرموز الزاويّة المانا خاصته ببساطة.
كان هذا التحدي الأساسي لجميع أنواع سحر القتال تقريباً: تشكيل كمية هائلة من المانا بسرعة خاطفة دون إفساد حدود التعويذة بشكل مبالغ فيه.
لذا، أخذ نفساً عميقاً، والتقط البطاقة التي بدت الأسهل في نظره (كانت مجرد دائرة في المنتصف، فما مدى صعوبة ذلك؟)، وصب قدراً لا بأس به من المانا في محاولته الأولى.
وباستثناء توهج الرموز الزاويّة قليلاً، لم يحدث شيء. تباً. يبدو أن هذا سيكون أصعب قليلاً مما تصور.
بعد إخفاقه في التأثير على البطاقات لعدة مرات، ثم إفراطه في ضخ المانا ليحرق بضع بطاقات محولاً إياها إلى رماد ويلسع أصابعه في غمرة ذلك، أفلح “زوريان” أخيراً في حرق بعض الأشكال الضبابية التي استوحت بوضوح مما رُسم عليها، بدلاً من إحداث ثقب غير منتظم في منتصف البطاقة. وكما كان متوقعاً، كال له “كزفيم” سيلاً من التعليقات اللاذعة حول ذلك.
في النهاية، استنفد “زوريان” مخزونه من المانا واضطر للتوقف.
أي نوع من تمارين التشكيل يستهلك المانا بشراهة لدرجة تجعلك تستنفدها أثناء التدريب الفعلي؟ نوع “كزفيم” من التمارين، على ما يبدو.
وبدلاً من صرفه ببساطة، شرع “كزفيم” في إلقاء محاضرة عليه حول الطريقة المثلى لجمع المانا المحيطة. اتضح أن ثمة طريقة لاستيعاب المانا المحيطة بوتيرة أسرع إذا ما جلست بسكون تام وركزت على عدم فعل أي شيء آخر على الإطلاق.
طريقة غير مجدية البتة بالنظر إلى مجمل الأمور، بيد أنها حاسمة على الأرجح إن كان يعتزم إكمال تمرين “كزفيم” الأحدث في أي إطار زمني معقول.
ثم، وككلمة وداع، ألقى “كزفيم” تعليقاً عابراً بأنهم سيواصلون درسهم غداً. ولم يعبأ “كزفيم” قيد أنملة بحقيقة أن الغد لم يكن حتى يوم دراسي.
اختتم “كزفيم” حديثه: “جيد. أمامنا يوم كامل إذن. وسنحتاج إلى هذا الوقت بناءً على ما رأيته اليوم.”
لم يكن هذا حدثاً عرضياً معزولاً. فمنذ ذلك اليوم، أصر “كزفيم” على عقد جلسات تدريبية يومياً، محتكراً كل دقيقة من وقت فراغ “زوريان”. لِمَ قرر “كزفيم” فعل ذلك فجأة، في حين أنه لم يكن يتفاعل معه قط خارج أوقات لقاءاتهم المحددة؟ الجحيم وحده يعلم.
غير أن الأمر كان مزعجاً بحق.
من ناحية أخرى، كابد الأرانيا إحباطاتهم الخاصة. فقد تبين أن تعقب (كاسر الواقيات) الذي استأجر مجموعة “تايفين” لاستعادة الساعة كان أمراً يسيراً نوعاً ما، بيد أن الوصول إليه لم يكن كذلك على الإطلاق.
ففضلاً عن براعته في كسر وتحليل الواقيات، كان يجيد بناءها أيضاً، ناهيك عن كونه ساحراً فذاً. فقدت الأرانيا اثنين من أعضائها أثناء محاولة محاصرته، وتخلوا عنه في نهاية المطاف لتلك الإعادة تحديداً، مفضلين التركيز على خيوط أخرى في الوقت الراهن.
بالطبع، ظلوا يبذلون قصارى جهدهم للتصدي للغزاة خلال مهرجان الصيف.
لم تختلف الإعادتان التاليتان كثيراً—حيث جمع الأرانيا معلومات عن الغزاة، مستعينين بـ “زوريان” أحياناً للتحدث نيابة عنهم إذا اضطروا للتفاعل مع شخص ما علانية، وشنوا حملة اغتيالات محدودة استهدفت الطائفيين وغيرهم من المتعاونين مع الغزو الذين أفلحوا في تحديد هوياتهم.
في غضون ذلك، انكب “زوريان” على تعلم سحر القتال، وفنون العقل لدى الأرانيا، محاولاً النجاة من دروس “كزفيم” دون أن يسدد له لكمة في وجهه.
كانت جهودهم تؤتي ثمارها باطراد، إذ أخذ الغزو يتخبط أكثر فأكثر مع كل إعادة لاحقة، وتأملت الأم الحاكمة أن يظهر المسافر الثالث الغامض عبر الزمن قريباً.
أما المفاجأة الكبرى بالنسبة لـ “زوريان”، فكانت حقيقة أن “نوفلتي” تذكرت بالفعل تفاعلاتهما في الإعادات السابقة. بدا أن الأم الحاكمة لم تكن تحتكر نقل الذكريات كما ظن “زوريان”، بل كانت تمنحه ذكريات لستة أرانيا مختلفين في حزمة ذكرياتها تلك.
لما كانت “نوفلتي” قد غدت بمثابة المدرب الشخصي لـ “زوريان” في هذه المرحلة، فقد اعتُبرت مهمة بما يكفي لإدراجها في تلك النخبة، وهو أمر تفاخرت به العنكبوتة الشابة بشدة.
أما الآن، فقد شعر “زوريان” أن الوقت قد حان لتغيير وتيرة الأحداث. فإعادتان كاملتان مليئتان بـ “كزفيم” كانتا كافيتين بالنسبة له، وكانت “تايفين” قد علمته بالفعل جل ما تعرفه عن سحر القتال على أية حال.
طرق باب مكتب “إيلسا” وانتظر أن تأذن له بالدخول.
رحبت “إيلسا” بنبرة يشوبها بعض التسلية: “صباح الخير يا سيد ‘كازينسكي’. لم أكن أتوقع قدومك حتى يوم الجمعة. أظن أنك سمعت بعض القصص عن معلمك إذن؟”
أجاب “زوريان”: “كلا، فأنا أعلم مسبقاً أي نوع من الأشخاص يكون ‘كزفيم’. وليس هذا سبب قدومي. بل جئت لأنني أريد أن أتعلم كيفية الانتقال الآني.”
رمشت “إيلسا” بعينيها مندهشة: “هذا… طموح كبير بحق. وبغض النظر عن سبب وجوب تكريسي لوقتي لتعليمك ذلك، ما الذي يدفعك للاعتقاد بأنك قادر حتى على إلقاء تعويذة كهذه؟ فحتى أبسط تعاويذ الانتقال الآني بالغة الصعوبة.”
أقر “زوريان”: “سؤال وجيه. ما رأيكِ في عرض توضيحي؟”
ضحكت “إيلسا”، مشيرة له بالبدء: “بكل سرور.” ولم يحتج “زوريان” لاستخدام تعاطفه ليدرك أنها لم تكن تظن أنه قادر على إبهارها.
حسناً إذن—قبلت التحدي.
كل تمرين تشكيل شاق، كل تعويذة معقدة تعلمها على مدار العامين الماضيين في الحلقة الزمنية—استعرضها جميعاً.
وكل اختبار كتابي أو سؤال نظري طرحته عليه، كان يتصدى له بإجابة نموذجية—أحياناً لأنه كان ملماً بالموضوع حقاً، وأحياناً أخرى لأنها مالت لطرح الأسئلة ذاتها في كل مرة حاول فيها إبهارها.
حين كانت لا تزال تترنح من صدمة إدراكها لمدى مهارته التي تؤهله للتخرج من الأكاديمية في التو واللحظة إن شاء ذلك، أخرج بضعة عناصر سحرية من حقيبة ظهره وشرع يشرح لها تجاربه في الصيغ السحرية.
رغم أنها لم تكن معلمة رسمية للصيغ السحرية، إلا أن “زوريان” كان يدرك من إعادات سابقة أنها تمتلك معرفة واسعة في هذا المجال، وسيكون بوسعها تقدير مدى صعوبة الإنجازات التي كان يعرضها عليها.
علقت “إيلسا” حين انتهى أخيراً: “يدهشني أنك لم تتقدم بطلب للانتقال إلى مجموعة من (الفئة الأولى) بمهارات كهذه.”
آه نعم، مجموعات الفئة الأولى—رد الأكاديمية على الطلاب الذين يتجاوز مستواهم المنهج الدراسي العادي. وللأسف، فإن المكانة المرموقة للانتماء لإحدى تلك المجموعات دفعت العديد من الآباء لبذل الغالي والنفيس لزج أبنائهم فيها.
مما يعني أن الدروس الفعلية لم تكن لتفوق الدروس العادية تقدماً بكثير، وإلا لعجز كل من اشترى مكانه أو دبره بطريقة ما عن مجاراة الوتيرة. كان “زوريان” قد سمع شتى القصص عن تلك المجموعات، غثها وسمينها، بيد أن الصورة العامة بدت وكأنها مجرد حفنة من المتسلقين الاجتماعيين الذين ينظرون بازدراء للجميع. ولم يكن هذا أمراً يرغب “زوريان” في الانخراط فيه.
قال “زوريان”: “أعتقد أنني أستطيع إنجاز أمور أكثر من خلال الدراسة المستقلة. فلو كنت واثقاً تماماً من أن فصولي لا تقدم لي شيئاً، لاكتفيت بتقديم اختبار لتخطيها.”
+++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one