الفصل 73 - درس
الفصل 73: درس
حاول “زوريان” تخيل السيناريو الذي وصفته “نوفلتي” للتو، وسرعان ما تخلى عن الفكرة بقشعريرة. ودوّن ملاحظة ذهنية بضرورة تجنب التواجد بالقرب من مفاقس الأرانيا بأي ثمن، تحسباً لبروز هذه المسألة في المستقبل.
قال أخيراً: “هذا… مثير للاهتمام… لكنه ليس تماماً ما كنت أسأل عنه. لقد سألت عن مجابهة الدفاعات، لا الدفاع عن نفسك.”
سخرت “نوفلتي”: _[لا يسعك الظفر في قتال بالدفاع فحسب.
لا أفهم حقاً هذا الفصل الغريب الذي تصر عليه بين الهجمات والدفاعات العقلية. فرد الضربات هو جزء أصيل من أي دفاع يعتد به.
فحتى الهجوم المضاد الضعيف يُجبر خصمك على تكريس بعض الوقت والتركيز لدفاعاته ويوهن من هجومه.]_
اعترف “زوريان”: “أظن أنني أواصل التغافل عن حقيقة أن القدرات الروحانية ليست تعاويذ منفصلة، بل أقرب إلى تجليات متعددة الأوجه لمهارة كلية واحدة.
مع ذلك، لا يتحتم أن يكون الرد عقلياً—فلو أمكنني إيقاف هجماتك العقلية لوقت كافٍ، لتمكنت ببساطة من لكمك أو إلقاء تعويذة عليكِ لإرغامك على التوقف.
بالنظر إلى جهلي التام بالقتال التخاطري، فالأرجح أن هذا هو الخيار الأذكى بالنسبة لي على أية حال. وهذا يقودني إلى اقتراحي—أود أن أختبر صمود دفاعاتي السحرية أمام قدراتك. سألقي بضعة دروع عقلية وستبذلين قصارى جهدك لتفكيكها. ما رأيك؟”
أجابت “نوفلتي” بتردد: [لقد لقنتني الأم الحاكمة المبجلة تعليمات صارمة حيال الموعد الذي يسعني فيه التقدم في دروسك.]
لا ريب أن تلك التعليمات ترافقها أوامر قاطعة حيال ما يُحظر عليها تعليمه إياه كلياً.
لم يكن “زوريان” يعيش في وهم أن الأرانيا يعتزمون تعليمه سوى نزر يسير من مهاراتهم الروحانية. ورغم أن الأرانيا بدوا وكأنهم يبجلون قدراتهم بطريقة ما، وسعوا لتشجيع انتشارها بين البشر، إلا أنه من الجلي أنهم يعتبرون معظمها سراً خاصاً. وبحق الجحيم، فإن بعض ما أسرّت به الأم الحاكمة له لمح بقوة إلى تكتمهم على بعض الأمور حتى عن بعضهم البعض، ناهيك عن الغرباء.
فضلاً عن حماقة الأم الحاكمة إن علمته أداء بعض الأمور، إذ سيبادر لاستخدام تلك المهارات ضد مصالحها. فعلى سبيل المثال، كان موقناً تماماً بأن “نوفلتي” قد تلقت تعليمات شديدة اللهجة بعدم البوح له بأي شيء يتعلق بالتلاعب بالذكريات، فذلك سيتيح له العبث بحزمة ذكريات الأم الحاكمة وربما تغذيتها بمعلومات ملفقة.
مع ذلك، لم يمانع “زوريان” هذا الأمر. فقد حصد من الأرانيا بالفعل أكثر مما توقع، وفي حال طمع يوماً في أكثر مما تستعد الأم الحاكمة لتقديمه؟ حسناً، هناك من الأرانيا ما يفوق القاطنين أسفل ‘سيوريا’، وقد أوضحت “نوفلتي” جلياً أنهم لا يتواصلون كثيراً فيما بينهم.
فإن قايض سراً واحداً مع عشر مجموعات متفرقة، فبوسعه بسهولة حشد معرفة تفوق ما قد ترتاح أي مجموعة واحدة لامتلاكه.
ولزيادة سخرية القدر، قد يقايضهم حتى بسر انتزعه من إحدى المجموعات الأخرى التي تعامل معها. لقد كانت حيلة كلاسيكية لجأ إليها الإيكوسيون عند التعامل مع الجماعات القبلية، ولم تزد الحلقة الزمنية الأمر إلا سهولة.
غير أنه، إن رمى يوماً لفعل أمر كهذا، فسيكون بحاجة لوسيلة دفاع عن عقله.
فقد تولد لديه انطباع بأن قبائل الأرانيا القاطنة خارج ‘سيوريا’ لم تكن بمدى ودية الأم الحاكمة وقبيلتها، وتأثيرات العقل تنتقل عبر الإعادات.
لقد وعدته الأم الحاكمة بتعليمه ‘أساسيات القتال التخاطري’، وهو ما ترجمه إلى ‘ما لا يكفي لتهديدنا، ولكنه يفي بغرض صد الفئران ذات الأدمغة المكشوفة وسحرة العقل العشوائيين’، لذا كان لزاماً عليه معرفة مدى صمود سحر العقل البشري أمام أرانيا عادي.
أصر “زوريان”: “نحن لن ‘نتقدم في دروسي’، لأنكِ لن تعلميني أي شيء. إنها مجرد تجربة. أريد فقط اختبار مدى صمود تعاويذي أمامك.”
وافقت “نوفلتي” فجأة بحماس جارف: [حسناً، أنا جاهزة تماماً إذن! لكن، إيه، لا يُسمح لك بمهاجمتي جسدياً كرد فعل، أتفقنا؟]
أقر “زوريان”: “من شأن ذلك أن ينسف الغرض من التجربة برمتها.”
سألت “نوفلتي”: [جيد. إذن، هل نفترض أنني أهاجم من كمين أم أنني مضغوطة بالوقت؟]
“وما الفارق؟”
أوضحت “نوفلتي”: _[حسناً، لو كنت أهاجم من كمين، لحاولت ببساطة تجاوز درعك كلياً بفضل مهارتي الفائقة. إنها طريقة فعالة للغاية حين تنجح، بيد أنها بطيئة في التحضير، لذا لا تفلح إن لم يكن الهدف منشغلاً بشيء يحول دون تعامله معي أو غافلاً عن المحاولة.
من ناحية أخرى، إن كان الوقت حاسماً، فسأسحق الدروع بالقوة الغاشمة فحسب. هذا أسرع ولكنه أشد استهلاكاً للمانا. أوه، ومن العسير نوعاً ما تقدير القوة الدقيقة اللازمة لاختراق دفاع دون إلحاق الضرر بالعقل الذي يحرسه، لذا… إيه، لِنفترض فقط أنني أهاجم من كمين، حسناً؟]_
أجاب “زوريان” ببرود: “أجل، لِنفترض ذلك.”
كانت الساعة التالية محبطة بقدر ما كانت مفيدة.
تعاملت “نوفلتي” مع الأمر برمته كلعبة، متطورة بمرور الوقت، رغم محاولات “زوريان” اليائسة لصقل دفاعاته عبر الإلقاء المتكرر ودمج التعاويذ.
كان من المحرج نوعاً ما رؤية هذه الأرانيا الشاردة والمفرطة الانفعال تخترق تعاويذه وكأنها لا شيء في غضون 30 ثانية فقط. صحيح أن هذه الثلاثين ثانية كانت تكفيه لتحويلها إلى رماد في الحياة الواقعية، بيد أن هذا يفترض كونه في موقع يسمح له بذلك، وهو افتراض قد يفتقر للوجاهة. فماذا لو كانت متخفية عنه؟ ماذا لو كانت تقبع خلف واقيات من نوع ما؟ وماذا لو لم تكن المهاجم الوحيد؟
لكن قليلاً من الإحراج كان يستحق العناء. فقد أيقن الآن أن أفضل دفاع له ضد الأرانيا (وغيرهم من الروحانيين، على ما يفترض) هو في واقع الأمر (تعويذة درع العقل) الأساسية.
أما التعاويذ الأخرى الأكثر تعقيداً فلم تبدُ قادرة على الصمود أمام هجمات “نوفلتي” التخاطرية.
شرحت “نوفلتي”: _[معظم التعاويذ التي استخدمتها كان من السهل جداً خداعها وتجاوزها ببضع مناورات مموهة وضبط دقيق للتوقيت. فقد ارتكزت جميعها على أنماط دفاعية بسيطة وكان رد فعلها دائماً متشابهاً إزاء هجماتي.
غير أن تلك القوقعة السحرية التي غلفت بها عقلك… رغم كونها بدائية للغاية، إلا أنني مضطرة للاعتراف بأنها أوقعتني في مأزق. لا أنماط أو أي تعقيدات، بل حاجز عقلي صلب لا يلين.
لا أظن أنني كنت قادرة على تجاوزه على الإطلاق لولا إفسادك للتعويذة في كل مرة تلقيها فيها.]_
سأل “زوريان” بذهول: “أنا كنت أفسدها؟”
أجابت “نوفلتي”: [أجل. كانت القوقعة تحتوي على تلك العيوب الدقيقة التي استغللتها للتسلل عبرها. ولا أظن أنه كان يفترض وجودها هناك.]
همم، عيوب دقيقة، كما تقول؟ بدا هذا كنتيجة طبيعية لحدود تعويذة اعتيادية.
فقلة قليلة من السحرة يستطيعون إلقاء تعويذة بلا شائبة، ونادراً ما يحتاجون لذلك—فالعيوب الدقيقة نادراً ما تشكل فارقاً إلا إن كنت تتعامل مع ظروف استثنائية للغاية.
ويبدو أن هذه كانت إحدى تلك الظروف الاستثنائية. كتم “زوريان” تنهيدة—فقد بات قادراً بالفعل على سماع صوت “كزفيم” الشبحي يتردد في عقله، محاضراً إياه عن إخفاقات سحرة اليوم والحاجة الملحة للتدرب حتى تتمكن من أداء التعاويذ على أكمل وجه بدلاً من الاكتفاء بـ (جيد بما فيه الكفاية).
وبالنظر إلى ما آلت إليه الأمور، فقد كان يجلب لنفسه المتاعب بمسار تفكيره هذا.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one