الفصل 72 - عبء التلمذة
الفصل 72: عبء التلمذة
على السطح، بدا أن ابتلاءه بـ (نوفلتي) كمعلمة ليس سوى وصفة مؤكدة لإحباط وإزعاج لا ينتهيان—فقد كانت ثرثارة متهورة ونفد صبرها سريعاً، وكأنها لا تفقه شيئاً عن المساحة الشخصية، إذ كانت تحوم حوله دوماً بقرب مزعج وتوكزه بأرجلها الأمامية.
لم يكن “زوريان” يهاب العناكب، بيد أن هذا القدر من التلامس الجسدي الحميم كان يفوق احتماله بكثير. باختصار، كانت نسخة عنكبوتية من “كيريل”.
لطالما تحمل حماقات “كيريل” فقط لكونها شقيقته الصغرى.
رغم ذلك، كان “زوريان” سعيداً في قرارة نفسه بلقائها. من المؤكد أن شخصيتها كانت تترك الكثير مما يُرغب فيه، وكثيراً ما اضطر لإرغامها على التركيز في دروسهم بدلاً من الاستطراد في مسارات غريبة حول شتى المواضيع، غير أنها ظلت منجماً زاخراً بالمعلومات حول كل من (الطاقات الروحانية) والـ (أرانيا).
على النقيض من الأم الحاكمة، التي بدا كل تفسير لها وكأنه محاولة تلاعب مبطنة في نظر “زوريان”، لم تكن “نوفلتي” تملك ذرة خباثة أو خداع في كيانها.
ففي أغلب الأحيان، كانت تفصح عما تقصده حقاً، وكان من الجلي بشكل يبعث على الشفقة متى ما حاولت تغيير الموضوع أو التهرب من الحقيقة.
لقد كان ذلك تغييراً منعشاً ومريحاً لوتيرة تفاعلاته السابقة مع الأرانيا.
ظلت “نوفلتي” غافلة تماماً عن أفكاره، لفرط اندماجها في تفحص معدات الخيمياء الخاصة به.
هذا كان اختلافاً آخر بينها وبين الأم الحاكمة—فلم يكن بوسع “نوفلتي” قراءة أفكاره السطحية ما لم يهيكلها ببطء شديد ويوجهها نحوها بوضوح. مما جعله أكثر استرخاءً في حضورها مما كان ليكون عليه بخلاف ذلك.
[البشر يصنعون أشياء غريبة للغاية،] صرحت “نوفلتي” بعد أن تفحصت القوارير الزجاجية بالنظر واللمس.
لم يعلم “زوريان” ما إذا كانت الأرانيا مولعة عادة بلمس الأشياء وأن “نوفلتي” كانت مفرطة العفوية في تفاعلاتها معه فحسب، أم أن العنكبوتة الماثلة أمامه كانت ببساطة من النوع الجسدي، بيد أنه من المؤكد أنها كانت تهوى لمس ما تدرسه.
مما أثار حنقه أن هذا شمله هو أيضاً إلى جانب الجمادات العشوائية، غير أنه بدا أنها استوعبت أخيراً أنه يمقت تسلقها إلى حضنه. [كيف تمكنتم من صنع هذا؟ إنه نفس نوع الصخر الشفاف الذي تستخدمونه لتلك الأشياء التي تدعونها بـ ‘النوافذ’، لكن ليس لدي أدنى فكرة كيف أفلحتم في نحته بهذا الشكل. وهو بالغ النعومة أيضاً… أدرك أن أطرافكم العلوية المتفرعة تلك أبرع في التلاعب بالأشياء من أرجلنا، لكن هذا ضرب من الجنون.
أتعلم، حاولت الأرانيا ذات يوم اتخاذ عبيد من البشر ليصنعوا لنا الأشياء، لكن الأمر كان مرهقاً للغاية، واتضح أن مقايضة البشر للحصول على مبتغانا أيسر بكثير.
فأنتم لا تبدون متكيفين للعيش تحت الأرض، واختطاف البشر لطالما أثار حفيظة بقية مجتمعاتهم بشدة، حتى لو لم ينتموا لنفس العشيرة أو ما شابه. و… إيه، لقد حدث ذلك منذ زمن سحيق، ونحن قطعاً لم نعد نفعل أموراً كهذه بعد الآن، ويجدر بك نسيان كل ما قلته حول هذا الشأن، أتفقنا؟]_
قال “زوريان” بوجل، قبل أن يحسم أمره بتجاوز المسألة: “آها.” ثم أردف: “للمعلومية، هذا الصخر الشفاف يُدعى زجاجاً، وهو لا يُنحت في الواقع.
بل يُصنع من الرمل، الذي يُسخن حتى يذوب ويغدو قابلاً للتشكيل، ثم يُشكل بإدخال أنابيب طويلة في تلك الكتلة المنصهرة ونفخ الهواء بداخلها.”
استدارت “نوفلتي” لتركز كل عينيها عليه. [بحق كيس بيض جدتي المجعد، كيف خطر لواحد منكم فعل أمر كهذا؟ هل يمتلك البشر حاسة حجرية سحرية من نوع ما أو شيء من هذا القبيل؟]
“إيه، كلا،” أجاب “زوريان” بصبر.
كان شرح أمور كهذه لـ “نوفلتي” أمراً مزعجاً، بيد أنه زاد من رغبتها في مشاركته المعلومات بدورها، لذا سيواصل الجهد.
“لطالما عبث البشر بأدوات من شتى الأنواع. فنحن كائنات هشة للغاية في هيئتنا الطبيعية، لذا كان بناء الأشياء مسألة بقاء محضة. نستخدم أدوات بدائية لصنع أدوات أفضل، ثم نستخدم تلك الأدوات الأفضل لصنع أدوات أدق، وهكذا دواليك. لا أعلم حقاً كيف نشأت صناعة نفخ الزجاج، لكنها لم تتبلور سحرياً في رأس أحدهم هكذا فجأة…”
عقبت “نوفلتي” بتشكيك: [لا أظن أنه يمكن اعتباركم هشين حقاً. فأنتم تمتلكون سحراً مذهلاً، وقد قهرتم به عالم السطح بشكل أو بآخر.]
“ليس كل البشر يتقنون السحر،” أوضح “زوريان”. “قلة قليلة منهم سحرة، وكان هذا العدد أقل بكثير كلما توغلتِ في الماضي.”
قالت “نوفلتي”: _[في الواقع، تبدو معظم ‘أدواتكم’ أشبه بالسحر بالنسبة لي. تأخذون الصخور وغيرها وتجرون عليها طقوساً معقدة لتحويلها إلى هذه الإبداعات العجيبة التي لا يمكن لأي قدر من نسج الشباك أن يضاهيها.
هذا هو الجزء الذي يثير انبهاري بكم أكثر من غيره—سحر البناء الغريب خاصتكم هذا. كنت آمل نوعاً ما أن أتعلم بعض أسراركم أثناء تعليمي لك، لكن يبدو أن هذا سيكون بالغ الصعوبة لأنني، كما تعلم،] لوحت بأرجلها الأمامية في الهواء للتأكيد، [لا أمتلك هذه ‘الأيدي’ التي تستخدمونها أنتم البشر في كل شيء. لا يعني ذلك أنني أستسلم أو ما شابه! فمن المؤكد أنني سأهتدي إلى طريقة ما!]_
أشار “زوريان”: “حسناً، لقد سبق وأخبرتني أنكِ تتدربين لتصبحي ساحرة، لذا يمكنكِ دائماً اللجوء إلى السحر الفعلي.
فتعاويذ التصنيع موجودة ومستخدمة. بالطبع، سيتحتم عليكِ فهم خصائص المواد التي تتعاملين معها والمبادئ الهندسية للأشياء التي ترومين صنعها، لكن إن كنتِ جادة في مسعاك لتصبحي حرفية، فهذا أمر لا غنى عنه على أية حال.”
بعد صمت قصير، اعترفت “نوفلتي”: [سأكون صريحة وأقر بأنني لم أفقه شيئاً مما قلته للتو. لكنني أخمن أنك كنت تحاول تشجيعي، لذا شكراً لك!]
تنهد “زوريان” بقلة حيلة: “حسناً. لقد حِدنا عن الموضوع مجدداً. دعينا نركز على الدروس مرة أخرى.”
[لكن هذه الدروس مضجرة للغاية!] تذمرت “نوفلتي”. [أنت تعلم معظم هذه الأشياء بالفعل؛ إنها مسألة تدريب وممارسة فحسب، ولا يسعك القيام بذلك هنا على أية حال. أنت تتدرب، أليس كذلك؟]
“بالتأكيد،” أكد “زوريان”. “أقضي معظم أوقات حصصي محاولاً استشعار زملائي والطلاب الآخرين في المبنى. فليس وكأنني أجني أي منفعة أخرى من تلك الفصول هذه الأيام. تسير الأمور على ما يرام، لكنني لا زلت مضطراً للتركيز بشدة لتحقيق أي مدى يُذكر. كما حاولت استشعار عواطفهم، غير أن الأمر لا يزال متذبذباً. هل أنتِ واثقة من أن أحداً لن يكتشف ما أفعله؟ لأنني سأقع في ورطة حقيقية إن فطن أحدهم لعبثي بعقول الناس.”
طمأنته “نوفلتي”: _[لقد مراراً أخبرتك، لن يكتشف أحد شيئاً دون أن يقتحم عقلك أولاً.
لقد سألت أرانيا آخرين حول هذا الأمر خصيصاً، نظراً لإلحاحك الدائم في السؤال، وقد أكدوا لي ذلك. باختصار، استشعار العقول والتعاطف الأساسي لا ينطويان على أي غوص في عقول الآخرين. أعلم أنك لا تؤمن بـ (الشبكة العظيمة) وما شابه، لكن تخيل وجود مستوى عقلي من نوع ما يتخلل كل شيء.
تُحدث العقول تموجات على هذا المستوى العقلي، كحصى أُلقيت في بركة ماء راكدة، ويمكن لأولئك ‘المنفتحين’ استغلال هذه التموجات لتحديد مواقع العقول الأخرى المحيطة بهم واستنباط بعض الحقائق الأساسية عنها. أمور كالنوع والمزاج العام.]_
“هاه. هذا يبدو منطقياً بالفعل،” علق “زوريان”. “إذن، فاستشعار العقول والتعاطف هما حقاً جانبان لمهارة واحدة—ألا وهي القدرة على إدراك هذا المستوى العقلي الخاص بكم وتفسير ‘التموجات’ التي تنتشر عبره؟ هل تعلمين ما إذا كانت تعاويذ الحماية العقلية تؤثر على ذلك؟”
[أوه، بكل تأكيد،] أكدت “نوفلتي”. _[تعاويذ الحماية الأساسية التي يميل السحرة لاستخدامها ستدمر قدرتك على التعاطف معهم تقريباً.
بسبب التداخل الكثيف. ومن ناحية أخرى، سيغدو اكتشافهم أيسر بكثير.
فأي تعاويذ تؤثر على العقل تجعله ‘أكثر صخباً’ بالنسبة للروحاني، حتى التعاويذ الدفاعية. بل خاصة التعاويذ الدفاعية، الآن وقد فكرت في الأمر.
حسناً، يُستثنى من ذلك تلك التعويذة سيئة السمعة المدعوة بـ (فراغ العقل)، والتي تفصل العقل فعلياً عن (الشبكة العظيمة)، مما يجعل الشخص غير قابل للرصد تماماً عبر استشعار العقول، ومحصناً كلياً ضد سحر التأثير العقلي. إنه لأمر مرعب حقاً.]_
أدرك “زوريان” ماهية التعويذة التي تتحدث عنها. فـ (فراغ العقل) مشهورة كنوع من ‘الدفاع المطلق’ ضد سحر العقل، بيد أن سمعتها سيئة لكونها تسبب مشاكل نفسية إذا ما أُلقيت بشكل خاطئ أو استُخدمت بشكل مفرط.
وقد أصيب عدد من السحرة، الذين سيطر عليهم جنون الارتياب من اقتحام عقولهم، بالجنون المطبق بعد تركها مفعلة بصفة دائمة، مما أكسبها سمعة رديئة نوعاً ما بين السحرة.
كانت هناك وسائل حماية أخرى، أقل تطرفاً، تفي بالغرض في معظم الحالات.
سأل “زوريان” ببراءة مصطنعة: “هذا غريب. لقد أخبرتني الأم الحاكمة أنه لا يوجد سحر بشري هش يسعه حمايتي منها إن عقدت العزم على النيل مني، لكنكِ تخبرينني الآن بوجود تعويذة يمكنني تعلمها لأجعل نفسي محصناً تماماً ضد القدرات الروحانية.”
تلعثمت “نوفلتي”: [آه، حسناً، كما ترى… لقد كانت محقة في الواقع لأن، لأن هذين شيئان مختلفان تماماً، أتفهم؟ الدرع شيء—ويسعنا تحطيمه أو تجاوزه كلياً. غير أن فصل نفسك عن (الشبكة العظيمة)، يبدو وكأنك لست موجوداً على الإطلاق! يتعين عليك أولاً استشعار عقل لتتمكن من الاتصال به، وإن كنت عاجزاً عن الاتصال به-]
قاطعها “زوريان”: “فهمت. لا رابط تخاطري، ولا سحر عقل أرانيا. ولا يسعك الاتصال بشيء تعجزين عن استشعاره تخاطرياً.
همم، من الواضح أن مبتكر تعويذة (فراغ العقل) كان ملماً بالقدرات الروحانية—فيبدو أن التعويذة صُممت خصيصاً للتصدي لها.”
تذمرت “نوفلتي”: _[الفكرة ليست ثورية لتلك الدرجة.
فأي روحاني بمهارة كافية يسعه الانفصال عن (الشبكة العظيمة) ببعض الجهد.
يُطلق على هذا الأمر ‘الخفوت التام’. بيد أنها مهارة مريبة نوعاً ما، وتُستخدم في الغالب من قبل القتلة، واللصوص، والمخربين.
على أية حال، المعضلة لا تكمن في (فراغ العقل) فحسب—بل في حقيقة أن أي ساحر بقوة تكفي لإلقائها، هو أيضاً قوي بما يكفي لمجابهة شبكة الأرانيا بأكملها بمفرده.
لدينا طرقنا الخاصة للتعامل مع أمثاله، لكنني لا أستطيع إخبارك بها مطلقاً لأن الآخرين سيمزقونني إرباً إن فُهت بكلمة عنها—بسبب، كما تعلم، الدفاعات السرية وما شابه.]_
“حسناً،” قال “زوريان”. لم يكن ينتوي إثارة المشاكل لـ “نوفلتي” في موطنها، لذا لن يسترسل في هذا الموضوع. ومن المرجح أن خطط دفاعاتهم البالغة السرية تتلخص في النهاية في ‘إسقاط النفق بأكمله فوق رؤوسهم’ على أية حال. “إذن (فراغ العقل) ليست سوى مهارة روحانية تُرجمت إلى تعويذة. لا أظن أن هذا مفاجئ—فالسحرة يهوون اقتباس قدرات الكائنات السحرية وتحويلها إلى تعاويذ لاستخدامهم الخاص.”
سألت “نوفلتي” بدهشة: [حقاً؟ ظننت أن السحر البشري متفوق لدرجة أنه لا يوجد ما قد تتعلمونه من الآخرين. فالأم الحاكمة لطالما تتغنى بمدى روعة سحركم وكيف أن لا أحد يضاهيه…]
أوضح “زوريان”: “كلا، هذا محض هراء. فسحرة التقاليد الإيكوسية—والتي تشمل تقريباً كل ساحر قد تصادفينه—يتمحورون كلياً حول الاستيلاء على سحر الآخرين وجعله خاصاً بهم.
فقد صُمم النظام بأكمله للسحر المهيكل خصيصاً ليُتوسع فيه حسب الحاجة. صحيح أننا نادراً ما نعثر على شيء يستحق التعلم بين التقاليد السحرية الأخرى هذه الأيام، لكن ذلك يُعزى في الغالب إلى أننا قد سرقنا وقايضنا بالفعل كل ما كان يستحق الاستيلاء عليه.”
أقرت “نوفلتي”: [هذه… ليست القصة ذاتها التي قُصت عليّ.]
“لا تبتئسي كثيراً—فمعظم البشر يظنون أيضاً أن تقليدنا السحري بأكمله انبثق مكتملاً في الأيام الأولى للإمبراطورية الإيكوسية،” أردف “زوريان”. “لكن لنعد إلى حديثنا عن الدفاعات العقلية. لقد أشرتِ إلى أن أي أرانيا يسعها تحطيم أو تجاوز أي سحر دفاعي بخلاف (فراغ العقل). هل يشملك ذلك شخصياً؟”
احتجت “نوفلتي”: [بالطبع! من تظنني؟ لو كنت عاجزة عن القتال تخاطرياً، لكنت التُهمت وأنا لا أزال في المفقس!]
رمش “زوريان” بذهول: “ماذا، هل تتحدثين بجدية؟ أعني، أن تُلتهمي فعلياً أو…؟”
سارعت “نوفلتي” بتغيير الموضوع: _[إيه، كلا، ليس حرفياً.
لم نسمح للصغار بالتهام بعضهم البعض منذ… إيه، في الواقع، دَعنا لا نتطرق لذلك. كان مجرد تعبير مجازي، وهذا هو الأهم.
على أية حال! لا أعلم كيف تسير الأمور بين البشر، بيد أن صغار الأرانيا حديثي الولادة يُحتجزون في المفقس خلال الأشهر القليلة الأولى من حياتهم.
وعادة ما نكون حشداً كبيراً، وكلنا محتجزون في هذه الغرفة الصغيرة الكئيبة دون أي شيء نفعله سوى إزعاج المربيات بطلب القصص وافتعال الشجارات مع بعضنا البعض، والمربيات لا يحبذن تشاجر الصغار جسدياً. غير أنهن أكثر تساهلاً حيال… تجربة… قدراتنا الروحانية.
فمن المتوقع حدوث بعض المشاحنات التخاطرية، لذا تتعلم بسرعة بديهيات الدفاع عن عقلك.]_
++++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one