الفصل 7 - الواقع المرير.
لو سأل أحدهم «زوريان» في نهاية الأسبوع الأول عن المواد التي يعتقد أنه سيواجه فيها الصعوبة الأكبر، لأجاب بلا تردد: “صيغ التعاويذ” و”الرياضيات المتقدمة”، وربما “السحر القتالي”. بيْد أنه، وبعد مرور أسبوعين، بات بوسعه القول بكل ثقة إن الإجابة هي “سحر التحصين”.
كان سحر التحصين—وهو فن حماية الأشياء باستخدام السحر—مجالاً معقداً على نحو مفاجئ.
إذ يتعين عليك أن تأخذ في الحسبان المادة التي صُنع منها الشيء المراد حمايته، وأبعاده وهندسته، وكيف سيتفاعل التحصين مع السحر الموجود مسبقاً… أو يمكنك ببساطة إلقاء استدعاء تحصين عام الأغراض على هدفك وتأمل أن تسير الأمور على ما يرام. غير أن الأستاذة سترسبك حتماً على إجابة كهذه، مما يعني أن هذا الخيار لم يكن مطروحاً داخل قاعة الدرس.
وبغض النظر عن هذه التعقيدات، كان يُفترض أن تكون المادة في غاية السهولة، أو على الأقل ألا تكون بهذا القدر من الإرباك؛ فـ«زوريان» شخص صبور ومنهجي عندما يتعلق الأمر بالفنون السحرية، وقد سبق له أن كافح لتجاوز عقبات أسوأ بكثير من سحر التحصين محققاً نتائج معقولة.
تكمن المشكلة الحقيقية في أن معلمتهم—وهي امرأة صارمة بقصة شعر قصيرة جداً لدرجة أنه كان حرياً بها المضي قدماً وحلاقة رأسها بالكامل—لم تكن تجيد التدريس على الإطلاق. نعم، كان جلياً أنها تلم بمادتها العلمية بشكل ممتاز، لكنها ببساطة لم تكن تعرف كيف تترجم تلك المعرفة إلى محاضرة سليمة.
علاوة على ذلك، كانت تتخطى الكثير من التفاصيل في شروحاتها، غير مدركة على ما يبدو أن وضوح الأمور بالنسبة لها لا يعني بالضرورة وضوحها لطلابها. فضلاً عن أن الكتاب المدرسي الذي اعتمدته للمادة لم يكن أفضل حالاً؛ إذ بدا أقرب إلى دليل إرشادي لمُحصّن محترف منه إلى كتاب دراسي مخصص للطلاب.
{{{{{{{{{{{{{{{{{خلصونا من لغط الدراسة بليز}}}}}}}}}}}}}}}}}
فرك «زوريان» عينيه بإحباط. كيف يُفترض به أن يجيب عن أسئلة كهذه؟ فهو لم يسجل في مادة العمارة الاختيارية، ولم يكن يدرك أساساً أن عليه دراستها ليحقق نتائج جيدة في حصة التحصين.
ناهيك عن أن الأسئلة تفترض معرفتهم بأسعار السوق السائدة لشراء المواد اللازمة، أو درايتهم بموقع مرتفعات «ساروكيان». ورغم أن «زوريان» كان بارعاً جداً في الجغرافيا، إلا أنه لم يكن يملك أدنى فكرة عن مكانها؛ وإن كان يرجح—بالنظر إلى وجود وحوش مثل ذئاب الشتاء—أنها تقع في مكان ما داخل الغابة الشمالية.
++++++أنا تخليت عن ترجمة حتة عبيطة من تحليل الأسئلة الخاصة بالامتحان هنا لن تفيد في شي++++++
قاطعت أفكاره ضحكة طفولية أنثوية منبعثة من آخر القاعة. لم يضطر «زوريان» حتى للالتفات ليعرف ما يجري؛ لقد كان «زاك» يسلي الطلاب من حوله مجدداً. تمنى لو أن المعلمة تعاقب هذا الفتى على الفوضى التي يثيرها، خصوصاً في منتصف امتحان، غير أن «زاك» كان يحظى بمكانة أثيرة لدى المرأة الصارمة لكونه الطالب الوحيد الذي يحصل على العلامة الكاملة في اختباراتها.
ومما لا شك فيه أن الفتى قد أنهى امتحانه بالفعل بدقة تبلغ 100%.
وهو أمر لا يمت للمنطق بصلة؛ فخلال عاميهما الأولين، كان «زاك» طالباً دون المتوسط، واشتُهر بجاذبيته أكثر من موهبته السحرية، بل كان في الواقع أشبه بنسخة ألطف من «فورتوف». أما هذا العام، فإنه يتفوق في كل شيء. كل شيء بلا استثناء. لقد امتلك ثروة من المعرفة وأخلاقيات عمل لم تكن لديه في نهاية عامهم الثاني، متجاوزاً بكثير ما يمكن اكتسابه خلال المرور الطبيعي للوقت.
كيف يمكن للمرء أن يتحسن بهذا القدر الهائل في غضون صيف واحد؟
بعد 15 دقيقة، رمى قلمه على الطاولة معلناً استسلامه. لم يجب سوى عن ثمانية أسئلة من أصل عشرة، ولم يكن متأكداً حتى من مدى صحة هذه الثمانية، لكن هذا ما كان بوسعه فعله. أدرك أن عليه تخصيص بضعة أيام للدراسة الذاتية في سحر التحصين، حيث أصبحت المحاضرات تفقد معناها يوماً بعد يوم.
الطالبة الوحيدة التي بقيت في القاعة لنفس المدة التي قضاها كانت «أكوجا»، والتي سلمت ورقتها بعده بثوانٍ معدودة ولحقت به إلى الخارج. بالطبع، بقاؤهما في القاعة طوال هذا الوقت كان لسببين مختلفين تماماً؛ فهو مكث ليتمكن من اقتناص بضع درجات شاردة، في حين بقيت هي لأنها مهووسة بالكمال وتريد التحقق من كل شيء ثلاث مرات لضمان عدم نسيان أي تفصيل.
“زوريان، انتظر!”
أبطأ «زوريان» خطواته ليسمح لـ«أكوجا» باللحاق به. قد تكون الفتاة لا تُطاق في بعض الأحيان، لكنها في جوهرها شخص طيب، ولم يرغب في أن ينفجر غضباً في وجهها لمجرد أن الامتحان لم يسر كما يشتهي.
سألته: “كيف تظن أنك أبليت بالداخل؟”
أجابها بصدق، إذ لم يرَ مبرراً للكذب: “بشكل سيء.”
“أجل، وأنا كذلك.”
أدار «زوريان» عينيه. فتعريفه لكلمة “سيء” يختلف اختلافاً جذرياً عن تعريفها.
بعد صمت قصير، قالت «أكوجا»: “أنهت «نيولو» الامتحان في نصف ساعة فقط. أراهن أنها ستحصل على الدرجة الكاملة مجدداً.”
تنهد «زوريان»: “أكو…”
قالت بصوت خافت لكنه مشحون بالانفعال: “أعلم أن الجميع يظنني غيورة، لكن هذا ليس طبيعياً! أنا ذكية جداً وأدرس طوال الوقت، ومع ذلك لا أزال أواجه صعوبات مع المنهج. لقد كنا معاً في نفس الفصل مع «نيولو» طوال العامين الماضيين ولم تكن قط بهذه البراعة. و… والآن تتفوق عليّ في كل مادة!”
قال «زوريان»: “أشبه بحالة «زاك» نوعاً ما.”
وافقت بحماس: “بالضبط مثل «زاك»! حتى أنهما يتسكعان معاً؛ هما وفتاة أخرى لا أعرفها، ويتصرفون وكأنهم… وكأنهم في عالمهم الخاص.”
قال «زوريان» قبل أن يعبس: “أو كأنهم حبيبين… مهلاً، ثنائي؟ ما هي الكلمة التي تصف علاقة رومانسية بين ثلاثة أشخاص؟”
شخرت «أكوجا» ساخرة: “أياً يكن. المهم أن الثلاثة لا يفعلون شيئاً سوى إضاعة الوقت معاً واستفزاز المعلمين، ورغم ذلك يحصلون على الدرجات الكاملة. حتى أنهم رفضوا فرصة النقل إلى مجموعات الفئة الأولى، هل يمكنك تصديق ذلك!؟”
حذرها «زوريان»: “أنتِ منفعلة جداً حيال هذا الأمر.”
سألته «أكوجا»: “ألا يثير فضولك قليلاً كيف يفعلون ذلك؟”
سخر «زوريان»: “بالطبع يثير فضولي؛ فمن الصعب ألا أفعل. لكن ما عساي أن أصنع حيال ذلك؟ فضلاً عن أن «زاك» لم يسئ إليّ قط. لا أريد أن أثير له المشاكل لمجرد أنه اكتشف فجأة عبقريته الدفينة.”
شعر «زوريان» بـ«بينسيك» ينضم إليهما فجأة، حيث ظهر بغتة من خلف إحدى الزوايا ليمشي بجوارهما. أحياناً كان «زوريان» يتساءل عما إذا كان هذا الفتى البدين قادراً على شم رائحة الثرثرة.
قال «بينسيك»: “أعرف ما تعنينه. لطالما اعتقدت أن «زاك» لا يجيد أي شيء. تعلمين، مثلي تماماً؟”
قال «زوريان»: “هاه. حسناً، من المستحيل أن يكون قد أصبح بهذا القدر من البراعة في كل شيء خلال عطلة صيفية واحدة. أظن أنه كان يذر الرماد[1] في عيوننا طوال هذا الوقت.”
قال «بينسيك»: “يا رجل، هذا في غاية الغباء. لو كنت بهذه البراعة، لتأكدت من أن الجميع يعلمون بذلك.”
تذمرت «أكوجا»: “لا أعتقد أنه كان يزيف افتقاره للمهارة لعامين متتاليين. كان سيزلّ على الأقل بين الحين والآخر.”
سأل «زوريان»: “حسناً، ما الذي يتبقى إذن؟” امتنع عن سرد بعض الطرق الغامضة التي يمكن من خلالها تحقيق مثل هذا النمو السريع بالسحر؛ إذ كان معظمها إجرامياً، وكان متيقناً من أن الأكاديمية قد فحصت «زاك» للتأكد من أنه ليس محتالاً متخفياً بسحر تغيير الشكل أو ممسوساً بشبح ساحر مات منذ زمن بعيد.
اقترحت «أكوجا»: “ربما يعرف الإجابات سلفاً.”
علق «بينسيك» قائلاً: “إلا إذا كان عرّافاً. فقد أجرى له «بول» امتحاناً شفهياً يوم الثلاثاء الماضي حينما غادرتَ مبكراً، وكان يسرد الإجابات بطلاقة وكأنه ابتلع الكتاب المدرسي بأكمله.”
خفتت وتيرة الحديث بمجرد ولوج الثلاثة إلى قاعة الخيمياء، التي كانت في واقع الأمر أشبه بورشة عمل ضخمة منها إلى فصل دراسي تقليدي. إذ اصطفت بداخلها قرابة عشرين طاولة، تكدست جميعها بشتى الأوعية والمعدات المختلفة. فضلاً عن ذلك، كانت كافة المكونات اللازمة لدرس اليوم مجهزة سلفاً أمامهم، وإن كان بعضها سيتطلب تحضيراً إضافياً قبل الشروع في استخدامه ضمن العملية التعليمية المحددة لذلك اليوم؛ فقد كان واثقاً تماماً، على سبيل المثال، أنهم لن يلقوا بـ”صراصير الكهوف” الحية في المحلول المغلي.
لطالما عُدت الخيمياء فناً معقداً تماماً كسحر التحصين، غير أن معلمتهم كانت ملمة بمادتها وتجيد أصول التدريس ببراعة، مما جنّب «زوريان» مواجهة أي عقبات تُذكر في هذه المادة. ومن الناحية العملية، تحتم عليهم العمل في مجموعات من طالبين أو ثلاثة نظراً لنقص الطاولات والمعدات، بيْد أن «زوريان» كان يتعاون دائماً مع «بينسيك»، وهو ما يُترجم فعلياً إلى العمل بمفرده. لذا، اقتصرت مشكلته الوحيدة على إجبار رفيقه الثرثار على الصمت والكف عن تشتيت انتباهه أثناء الحصة.
همس «بينسيك» بصوت لم يخلُ من الارتفاع: “يا زوريان، لم ألحظ ذلك إلا الآن، لكن معلمتنا جذابة نوعاً ما!”
صر «زوريان» على أسنانه حنقاً؛ فهذا الأبله الملعون عاجز عن خفض صوته حتى لو كانت حياته على المحك. ولا شك مطلقاً في أنها قد سمعت تعليقه.
رد هامساً لزميله: “بينسيك، أحتاج إلى درجات ممتازة في الخيمياء لأظفر بوظيفة أحلامي فور تخرجي. فإن أفسدت عليّ هذا الأمر، فلن أتحدث إليك مجدداً ما حييت.”
تذمر «بينسيك» بتمرد قبل أن يستأنف التحديق بوقاحة. إثر ذلك، أعاد «زوريان» تركيزه على طحن قشور الدبابير الثاقبة لتحويلها إلى المسحوق الناعم المطلوب لصناعة نوع الغراء المحدد لدرسهم.
والحق يقال، إن «آزلين ماريفوسكي» كانت تبدو فاتنة بشكل لافت لامرأة في الخمسين من عمرها. ربما خضعت لنوع من العلاجات التجميلية، فهي في النهاية معلمة الخيمياء. أو لعلها تناولت جرعة شباب حقيقية، مع أن تلك الجرعات نادرة للغاية وغالباً ما تشوبها بعض العيوب.
استمر «بينسيك» في تذمره: “لا أفهم سر ولعك الشديد بهذه المادة. لست متأكداً حتى من إمكانية وصفها بالسحرية، إذ لا تتطلب استهلاك المانا إطلاقاً. يقتصر الأمر برمته على البحث عن الأعشاب هنا، وقطع الجذور بالطريقة الصحيحة هناك… إنها أقرب إلى الطهو. ماذا بحقك، نحن نصنع الغراء من بين كل الأشياء الممكنة! كان حرياً بك ترك هذه المهام للفتيات.”
{{{{{{{{{{{{{{{{{{{{أكثر شخص طبيعي في الرواية اقسم بالله}}}}}}}}}}}}}}}}}}}}
“بينسيك…”
احتج قائلاً: “إنها الحقيقة! حتى معلمتنا امرأة. امرأة جذابة صحيح، لكنها تظل امرأة. لقد قرأت في مكان ما أن الخيمياء تمتد جذورها إلى تجمعات الساحرات، بجرعاتهن وما إلى ذلك. بل إن أفضل العائلات الخيميائية في وقتنا الحاضر تنحدر من سلالاتهن. أراهن أنك كنت تجهل هذه المعلومة، أليس كذلك؟”
في واقع الأمر، كان «زوريان» ملماً بتلك المعلومة. فهو، في نهاية المطاف، قد تلقى تعليمه في الخيمياء على يد ساحرة تقليدية أصيلة قبل التحاقه بالأكاديمية. بل إنها كانت شديدة التمسك بالتقاليد لدرجة دفعتها للسخرية من مسمى “الخيمياء”، مفضلة الإشارة إلى مهارتها بشكل صارم على أنها “صناعة الجرعات”.
بيْد[2] أن هذه هي بالضبط نوعية الأخبار التي لا تود إفشاءها للآخرين، وذلك لجملة واسعة من الأسباب.
حذره «زوريان» بنبرة جادة: “إن لم تصمت حالاً، فلن أسمح لك بمشاركتي العمل مرة أخرى.”
اعترض «بينسيك»: “مهلاً! من سيساعدني في هذه الأشياء إذن؟ فأنا لا أمتلك أي مهارة فيها!”
أجابه «زوريان» ببراءة مصطنعة: “لا أدري، ربما يجدر بك العثور على فتاة لتساعدك.”
لحسن الحظ، كانت المعلمة منشغلة تماماً في تلك اللحظة بالانبهار بأحدث روائع «زاك»، مما صرف انتباهها عن طاولة «زوريان». إذ تمكن الفتى—بطريقة ما—من تركيب نوع من جرعات التعزيز باستخدام المكونات المقدمة لهم، وهو إنجاز بدا مثيراً للإعجاب حقاً. علاوة على ذلك، لم تبدِ «آزلين» أي انزعاج من تجاهل «زاك» التام لمهمة صناعة الغراء السحري وتفرغه للقيام بما يحلو له.
هز «زوريان» رأسه محاولاً التركيز على عمله الخاص. وتساءل في قرارة نفسه عما إذا كان سيحظى برد الفعل ذاته لو أقدم على فعل مشابه، أم سيُتهم بالاستعراض المبتذل. ففي المرات القليلة التي حاول فيها إبهار معلميه، تلقى توجيهات جافة بضرورة التركيز على الأساسيات وتجنب الغرور، لأن الغطرسة قد تكون قاتلة. هل يُعزى هذا التمييز لكون «زاك» وريثاً لعائلة “نوفيدا” النبيلة؟ أم لسبب آخر خفي؟
في لحظات كهذه تحديداً، أدرك بدقة تامة حقيقة المشاعر التي تعتمل في صدر «أكوجا» تجاه هذا الموقف بأسره.
أعلنت «إيلسا»: “وبهذا نختتم درس اليوم. ومع ذلك، قبل انصرافكم، لدي إعلان هام. كما يعلم بعضكم، جرت العادة أن تنظم الأكاديمية حفلاً راقصاً عشية مهرجان الصيف، وهذا العام لا يشكل استثناءً. سيُقام الحفل في بهو المدخل يوم السبت المقبل. ولمن يجهل الأمر منكم، فإن الحضور إلزامي هذا العام.”
أطلق «زوريان» أنة خافتة، ضارباً جبهته بسطح الطاولة أمامه، مما أثار ضحكات مكتومة من بقية الطلاب. في حين تعمدت «إيلسا» تجاهل رد فعله تماماً.
{{{{{{{{{أتفق معك يارجل التجمعات ما منها خير}}}}}}}}}
تابعت حديثها: “بالنسبة لمن لا يتقن الرقص، ستُعقد دروس للتدريب كل يوم في الثامنة مساءً بالقاعة السادسة. أما من يمتلك هذه المهارة بالفعل، فلا يزال يتعين عليه حضور درس واحد على الأقل لإثبات ذلك؛ فأنا لن أسمح لكم بإحراجي ليلة الحفل. يمكنكم الانصراف الآن. الآنسة «ستروز»، والسيد «كازينسكي»، أرجو منكما البقاء بعد انتهاء الحصة.”
تمتم «زوريان» بانزعاج: “يا للروعة.” ربما كان يجدر به كبح جماح انفعاله العنيف تجاه هذا الإعلان. ففي واقع الأمر، كان عاقداً العزم على التغيب عن الحفل، بغض النظر عن مدى إلزاميته. هل تفطنت «إيلسا» لذلك؟ كلا، إذ لم يلحظ أي علامة استياء في وقفتها، فضلاً عن يقينه بأنها كانت لتستشيط غضباً لو استشفت نواياه.
بدأت «إيلسا» حديثها بمجرد أن أضحى هو و«أكوجا» الطالبين الوحيدين المتبقيين في القاعة: “حسناً إذن… أفترض أن كلاكما يجيد الرقص؟”
أجاب «زوريان»: “بالتأكيد.”
تململت «أكوجا» بارتباك: “أممم… لست بارعة جداً فيه.”
طمأنتها «إيلسا»: “لا يهم. سنسد أي ثغرات في مهاراتك بسهولة تامة. في الواقع، السبب الذي دفعني لطلب بقائكما هو رغبتي في مساعدتكما لي في دروس الرقص.”
فكر «زوريان» في الرفض القاطع—فلم تكن هذه المهمة أمراً يود إهدار وقته فيه—بيْد أنه استنتج إمكانية استغلال هذا الموقف كخدمة تجعل «إيلسا» تتغاضى عن زلة أو زلتين له مستقبلاً. كأن يتخلف عن حضور الحفل الإلزامي على سبيل المثال؟ ومع ذلك، وقبل أن يتسنى له الإعراب عن موافقته المبدئية، اتخذت «أكوجا» القرار نيابة عنه.
تساءلت بحماس، وقد بدا جلياً شعورها بالسعادة لاختيارهما لنيل هذا “الشرف”: “كيف يمكننا المساعدة؟”. رفع «زوريان» حاجبه تعجباً من طريقتها في التحدث نيابة عنه، لكنه آثر التغاضي عن الأمر مؤقتاً.
أوضحت «إيلسا»: “لا نملك سوى خمسة أيام لتعليم الجميع كيفية الرقص. لهذا السبب تحديداً سنستعين بالسحر للمساعدة.”
خمن «زوريان»: “تعاويذ التحريك.”
أكدت «إيلسا»: “أجل.” ثم سارعت بتقديم شرح إضافي من أجل «أكوجا»: “توجد تعويذة تقوم بتوجيه أطراف الشخص وجسده لأداء أي رقصة صُممت من أجلها. هي لا تصلح حقاً كبديل لمهارة الرقص الفعلية، غير أن التدرب تحت تأثيرها يسرع من عملية التعلم بوتيرة تفوق الأساليب التقليدية بكثير.”
سألت «أكوجا» بفضول: “وكيف تعمل هذه التعويذة؟”
أجابها «زوريان»: “تحركك التعويذة وكأنك دمية مربوطة بخيوط، إلى أن تتعلمي كيفية التناغم مع حركاتها، حتى لو كان الدافع الوحيد هو التخلص من الشعور البغيض بأن شيئاً ما يشدك بعنف في كل اتجاه. وبمرور الوقت، تستغنين تماماً عن الحاجة للسحر لتأدية الرقصة بشكل صحيح.”
رمقته «إيلسا» بابتسامة قائلة: “أرى أن لديك تجربة شخصية مع هذا الأسلوب.”
قاوم «زوريان» رغبته العارمة في العبوس. فقد كان خضوعه لتلك التعويذة على يد شقيقه «دايمن» إحدى صدمات طفولته المروعة، ولم يكن الأمر مدعاة للتسلية على الإطلاق.
قال بجدية: “آمل بصدق أن تكون نيتك هي منح الطلاب خيار الرفض.”
وافقته «إيلسا» قائلة: “بالطبع. ورغم ذلك، سيتعين على من يرفضون هذه الطريقة حضور ثلاث جلسات على الأقل بدلاً من جلسة واحدة، لذا أتوقع أن يميل الأغلبية لاختيار هذا المسار عوضاً عن الأسلوب التقليدي. على أية حال، أريد منكما مساعدتي في إلقاء التعويذة على الطلاب أثناء الدروس. إذ أتوقع أن أضطر لتبديدها وإعادة إلقائها مراراً وتكراراً، وسيكون العون مفيداً جداً لي.”
تساءل «زوريان»: “وما الذي دفعك لاختيارنا نحن على وجه التحديد؟”
++++++++++++++++++++
التدقيق والترجمة: the honord one
[1] :يذر الرماد هنا بمعنى (كان يخدعنا).
[2] : في الفصل استعملت عدة مرات ومعناها (الا أن)، (غير أن)، (لكنه)
همممم الرقص…..