الفصل 65 - انهيار عائلة نوفيدا
الفصل 65: انهيار عائلة نوفيدا
قال “زاك”: “لِنَقُل فقط أن بيني وبينه بعض الخلافات، ولنترك الأمر عند هذا الحد.”
تساءلت “تايفين”: “أتعلم، لم أكتشف قط ما حل بعائلتك. كيف انتهى بك المطاف لتكون الناجي الأخير من سلالتك؟”
وكز “زوريان” “تايفين” في كتفها لجرأتها على طرح سؤال كهذا على مضيفهم، وأتبع ذلك بنظرة حازمة حين رمقته بنظرة مستنكرة. لم يكن واثقاً من مبعث استنكارها؛ هل كانت حقاً غافلة عن مدى وقاحة سؤالها، أم أنها تفاجأت بكونه من بادر بضربها هذه المرة بدلاً من العنف المعتاد الذي تمارسه هي ضده؟
قاطعهما “زاك” قائلاً: “أوه، دعها وشأنها، إنها صريحة بشأن فضولها فحسب.” وبطريقة ما، أدرك ما دار بينهما رغم أنه كان يوليهما ظهره حينها. وأردف: “أعجبني أسلوبها بصراحة.”
تذمر “زوريان” متمتماً: “هذا متوقع.” والآن بعد أن فكر في الأمر، أدرك أن كلاً من “تايفين” و”زاك” يشتركان في تلك اللامبالاة المتهورة تجاه الأمور؛ لذا، ربما لم تكن فكرة لقائهما صائبة على الإطلاق…
وإثر ذلك، شرع “زاك” في سرد مطول حول انهيار عائلة “نوفيدا”… وهو حديث تجاهله “زوريان” بالكامل تقريباً، مفضلاً تأمل اللوحات والصور الشخصية المتنوعة المتناثرة على طول الممر. فالحقيقة تقال، لقد سبق له أن تعقب كل شاردة وواردة أمكنه الوصول إليها عن “زاك” وعائلته، مما جعل حديث الفتى يخلو تقريباً من أي جديد بالنسبة له.
ورغم مأساوية قصة “زاك”، إلا أنها لم تكن فريدة من نوعها بأي حال، ويمكن تلخيصها في سببين رئيسيين: (حروب الانقسام) و(وباء النحيب).
كان (التحالف القديم) كياناً معقداً؛ إمبراطورية مرقعة تتألف من دويلات شبه مستقلة ومتناحرة، نادراً ما تنصاع للأوامر الصادرة من “إلديمار”.
غير أنه، ورغم كل عيوبه، حقق نجاحاً باهراً في قمع أي حروب صريحة بين الدول الأعضاء. فقد كانت النزاعات المسلحة نادرة الحدوث ومحدودة النطاق للغاية، لا سيما لافتقار التحالف لأي أعداء خارجيين بارزين يستدعون الاستنفار.
بناءً على ذلك، حين تفكك (التحالف القديم) وشرعت دوله في حشد قواتها للحرب، كانت تلك هي المرة الأولى منذ قرابة قرن التي تندلع فيها حرب فعلية في المنطقة.
كانت بمثابة دلو من الماء البارد أيقظ كل (ساحر معارك) في “ألتازيا”، إذ ستمثل المرة الأولى على الإطلاق التي تُستخدم فيها الأسلحة النارية على نطاق واسع في ساحات الوغى.
كانت الأسلحة النارية معروفة في “ألتازيا” منذ قرون، بيد أنها لم تحظَ بتقدير كبير من قِبل جنرالات “إلديمار” وصناع قرارها وغيرها من الدول الكبرى.
إذ أثبتت المحاولات الأولية لاستخدامها أنها غير عملية، بل وتكاد تشكل خطراً على مستخدمها يضاهي خطرها على الهدف.
فضلاً عن أن سحرة المدفعية كانوا أكثر مرونة وفعالية من أي مدفع تقليدي، ناهيك عن الأسلحة النارية المحمولة يدوياً التي كان الصمت بشأن عيوبها أبلغ من الحديث.
مع ذلك، ظل هناك من يهتم بها، مما حال دون اندثار هذه التقنية ودفع بها نحو التطور التدريجي بمرور الزمن.
رغم أن القوى البحرية شرعت في تسليح سفنها بالمدافع، ونجاح بعض فرق المرتزقة في استخدام البنادق، إلا أن الأسلحة النارية المحمولة ظلت تُعتبر في نهاية المطاف طريقاً مسدوداً.
فلم يكن بوسع رماة البنادق إنجاز أي شيء يعجز رامي سهام متمرس عن أدائه ببراعة تفوقهم. كما أن تعزيز الأقواس والسهام بالسحر كان أيسر بكثير من تعزيز البنادق وذخائرها.
تجلت الميزة الوحيدة للبنادق في عدم تطلبها لأي تدريب يُذكر لاستخدامها بفعالية، وهو أمر لم تجد فيه دول (التحالف القديم) أي منفعة، إذ لم تكن بحاجة لمجندين يفتقرون للتدريب.
غير أن الوضع تبدل جذرياً مع اندلاع (حروب الانقسام). فمع تفكك التحالف، سارعت كل دولة لتسليح نفسها استعداداً للصراع المرتقب.
وبات امتلاك جيش مقبول الكفاءة في التو واللحظة يفوق في أهميته بناء جيش نظامي متكامل بعد عقد من الزمان.
لما كانت الدول الصغرى عاجزة عن مجاراة قوة سحرية بحجم “إلديمار”، فقد استثمرت بكثافة في الأسلحة النارية كبديل لـ (سحر القتال). في المقابل، لم ترَ “إلديمار”، بجيشها التقليدي المتكامل، أي حاجة للعبث بهذه التي اعتبرتها “ألعاب عوام”.
لم يتوقع أحد حقاً أن تبلغ الأسلحة النارية هذا الحد من الفعالية المدمرة.
فحتى الدول التي اعتمدت عليها بكثافة لم تكن ترجو منها سوى عرقلة تقدم الجيوش الكلاسيكية، ولربما دفعها للبحث عن فرائس أسهل في أماكن أخرى.
إلا أن جيوش رماة البنادق الحاشدة فتكت بالجيوش التقليدية فتكاً ذريعاً، مباغتة القوى الراسخة وموقعة إياها في حالة من الشلل.
بدلاً من أن تبتلع القوى الكبرى ما حولها من دويلات ثم تتصارع فيما بينها (كما توقع الجميع)، انتهى بها المطاف إلى استنزاف قواها، وغالباً ما تشظت إلى مكوناتها الأصلية بمجرد أن استشعر أعداؤها الداخليون بوادر الضعف.
رغم تأقلم الأمم في النهاية مع تقنية الأسلحة النارية وتعديل عقائدها القتالية، إلا أن الضرر كان قد وقع بالفعل. ولم تزد كل حرب انقسام لاحقة المشهد السياسي في “ألتازيا” إلا تمزقاً وتشرذماً.
تجلى هذا بشكل خاص في الخسائر الفادحة التي ألحقتها الحروب بعائلات السحرة، والتي مثلت النخبة الفكرية والسياسية لأمم المنطقة.
كان السبب بسيطاً؛ إذ يُعد منصب (ساحر المعارك) مهنة بالغة المرموقية، وقد اتخذت العديد من العائلات من انخراطها العسكري وسيلة لجمع النفوذ والسمعة، لتسخيرهما كأوراق ضغط لتعزيز مصالحها السياسية والتجارية.
مع اندلاع الحروب، تضاعف الطلب على سحرة المعارك، مما دفع بالمزيد منهم للتجنيد في شتى الجيوش بحثاً عن المجد والثروة. غير أن هذا المسعى ارتد عليهم بنتائج كارثية مع تفاقم الخسائر البشرية.
فبسبب جهلهم بنقاط قوة وضعف الأسلحة النارية، وازدرائهم التام لها في أحيان كثيرة، سقط العديد من السحرة كفرائس سهلة لنيران القناصة، وضربات المدفعية، وزخات الرصاص الكثيفة.
مما أصاب العديد من العائلات النبيلة بشلل تام جراء ما تكبدته من خسائر، وكانت عائلة “نوفيدا” إحداها.
لطالما عُرفت عائلة “نوفيدا” بطابعها العسكري في الأساس، رغم نشاطها في مجالات أخرى عديدة. وبحسب ما رواه “زاك”، كانت قيادة العائلة تعتبر الخدمة العسكرية أساساً لبناء الشخصية، فكان لزاماً على كل فرد ذكر قضاء بضع سنوات من شبابه في صفوف الجيش.
كما تجند عدد لا بأس به من الإناث أيضاً. وبفضل صلاتها الوثيقة بالعائلة المالكة لـ “إلديمار” وميلها الشديد للتقاليد، دعمت “نوفيدا” طموحات المملكة العسكرية قلباً وقالباً، مجندة كل فرد قادر على القتال لخدمة المجهود الحربي.
مما يعني أنه حين استهلت “إلديمار” (حروب الانقسام) بشن هجوم كاسح ومتعدد المحاور على جيرانها الصغار، كان أفراد عائلة “نوفيدا” يقفون في طليعة الخطوط الأمامية.
وقد دفعوا ثمناً باهظاً لقاء ذلك.
وغم استنزاف قوى العائلة بشدة في أعقاب الحرب، إلا أنها لم تنتهِ تماماً.
فلو أُتيحت لها بضعة عقود أخرى، لربما تمكنت من التعافي واستعادة مجدها ونفوذها السياسي. وللأسف، حينها ضرب (وباء النحيب) ليدمر كل شيء.
لم يدرك أحد قط مصدر هذا الوباء. ففي يوم من الأيام، تفشى ببساطة بين الجنود؛ مرضاً مميتاً ومستعصياً على الشفاء، يفتك بكل من يصيبه، دونما اكتراث لعمر أو صحة أو حتى سحر. وما إن يُصاب المرء به، حتى يغدو موته أمراً محتوماً—إذ ينهار أولاً تحت وطأة الحمى والهذيان، ثم يُصاب بالعمى، قبل أن تنزف عيناه دماً ويلفظ أنفاسه الأخيرة.
وقفت جهود المعالجين العاديين عاجزة، ولم يفلح أي سحر في علاجه، بل إن الكنيسة ذاتها وما تملكه من أسرار الساميين المفقودة فشلت في كبح جماحه. وفي النهاية، لم يجد الناس مناصاً سوى الانتظار حتى يستنفد المرض نفسه، وهو ما حدث بالفعل. وكما ظهر بغموض، تلاشى (النحيب) بعد أن أحرق القارة بأسرها.
ورغم استمرار الجدل حول حصيلة الضحايا الدقيقة، إلا أن معظم المؤرخين أجمعوا على أن ما بين ثمانية إلى عشرة بالمائة من سكان “ألتازيا” قد لقوا حتفهم جراء الوباء.
عانت بعض الفئات أكثر من غيرها، بينما نجت أخرى تماماً، دون أي منطق أو سبب واضح. فعلى سبيل المثال، لم يُمسّ أفراد عائلة “زوريان” بأي أذى—نجا والداه وجميع إخوته من الوباء سالمين معافين، مما جعلهم محظوظين للغاية.
وفي المقابل، فقد “زاك” الجميع بلا استثناء. إذ أُصيبت القلة الناجية من عائلة “نوفيدا” بالمرض وهلكت، تاركين وراءهم قوقعة خاوية لعائلة لم يتبقَ منها سوى طفل صغير، أضعف من أن يعتني بنفسه.
أنهى “زاك” حديثه قائلاً: “…وهكذا تنتهي هذه القصة الحزينة. وإن لم يكن هناك من نفع آخر، فقد وضع ‘النحيب’ نهاية لـ (حروب الانقسام). لكن كفانا أحاديث كئيبة كهذه. لقد وصلنا!”
وبالفعل كانوا قد وصلوا، ويا لمدى سعادة “زوريان” بتحكمه البدائي في (استشعاره العاطفي).
إذ كانت القاعة التي اختارها “زاك” أصغر بكثير من قاعة الرقص بالأكاديمية، وسادها جو غير رسمي ومتحرر، مما جعل الحشود أكثر كثافة وصخباً. لولا تحكمه، لكان هذا المكان جحيماً لا يُطاق في حالته الطبيعية.
وفي اللحظة التي كان يفكر فيها بأفضل السبل للاختلاط بالطلاب الآخرين (آملاً في انتهاز الفرصة لانتزاع معلومات شخصية أثناء حديثهم)، سُلب منه هذا الخيار.
فقد رغبت “تايفين” هي الأخرى في الاختلاط، ورغم أن دوافعها كانت أكثر براءة من دوافعه بلا شك، إلا أنها ارتأت أن أفضل طريقة لذلك هي أن يقدمها “زوريان” للآخرين. يا للملائمة.
وبعد التحدث إلى بضعة أشخاص مألوفين يسعه التحدث إليهم بحرية، كـ “كايل” و”بينيسيك” في المقام الأول، انتقل “زوريان” نحو من يبدون وكأنهم لا يمانعون المقاطعة. وبطبيعة الحال، في حشد بهذا الحجم، كان من السخف توقع أن يكونوا هم المبادرين دوماً بالاقتراب.
سألت “تايفين”: “حسناً، مَن تعرف أيضاً هنا؟”
“حسناً، تلك الفتاة الطويلة ذات الشعر الأخضر التي تخوض جدالاً محتدماً مع هذين الشابين هي ‘كوبريفا ريد’.”
قاطعتها “تايفين” بحدة: “مهلاً، هل هي من عائلة ‘ريد’ تلك؟ إحدى هؤلاء العصابات تدرس معك في نفس الفصل؟”
سألها “زوريان” بابتسامة خفيفة: “عجباً يا ‘تايفين’، هل تلمحين إلى تورط عائلة ‘ريد’ في الجرائم المنظمة؟ هذا اتهام خطير كما تعلمين. ففي النهاية، لم يثبت عليهم شيء قط.”
“أياً يكن. الخلاصة أنني لن أقترب قيد أنملة من أميرة العصابات تلك. هل من أحد آخر؟”
مسح “زوريان” الحشد بنظره مجدداً. وللأمانة، لطالما وجد “كوبريفا” شخصاً لطيفاً يسع المرء التحدث إليه، على الأقل في المرات القليلة التي تفاعلا فيها. كانت فظة بعض الشيء وتعتاد السب كبحار حين لا تسير الأمور وفق هواها، لكنها لم تفعل يوماً أي شيء… حسناً، يوحي بالعصابات.
فجأة، لفتت انتباهه مجموعة صغيرة من الفتيات يختلسن النظر إليه.
أشار لـ “تايفين” قائلاً: “أترين تلك المجموعة المكونة من خمس فتيات هناك؟ هؤلاء هن ‘جايد’، و’نيولو’، و’مايا’، و’كيانا’، و’إيلسي’.”
علقت “تايفين” بملامح ممتعضة: “يبدون… مهووسات بالقهقهة. لنتجاوزهن.”
رد “زوريان”: “أوه، فات الأوان على ذلك. أترين كيف يرمقننا بنظراتهن؟ لقد لاحظننا بالفعل ويتباحثن الآن حول أفضل السبل للاقتراب منا واستجوابنا.”
حذرته “تايفين”: “زوريان، لا تستفز القدر.”
“هذا ليس استفزازاً للقدر، بل معرفة بالعدو. لقد لمحوا للتو أحد زملائهم يتجول بصحبة فتاة يجهلون عنها كل شيء—ومن سابع المستحيلات أن تدع تلك الخمس الأمر يمر دون تمحيص،” قال “زوريان” ذلك، تزامناً مع إيماءة تبادلتها الفتيات قبل أن يشرعن في الزحف نحوهم.
“أرأيتِ؟ ماذا قلت لكِ؟ إنهن قادمات في طريقنا بالفعل.”
أطلقت “تايفين” تأوهاً مكتوماً، لكنها سرعان ما رسمت على وجهها قناعاً لطيفاً مع اقتراب الفتيات. وتفهم “زوريان” موقفها تماماً؛ فهو أيضاً لم يكن يتطلع البتة لهذه المحادثة الوشيكة، بيد أنه أيقن بحدوثها لحظة ولوجه الغرفة، فكان مستعداً لها.
رغم استبعاده لكون أي من هؤلاء الخمس هي المسافرة الثالثة عبر الزمن، إلا أنه أخذ عهداً على نفسه بألا يتخطى أي مرشح محتمل دون إخضاعه، على الأقل، لتدقيق عابر.
سيكون هذا المساء طويلاً بحق.
++++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one