الفصل 58 - قتال تدريبي.
الفصل 58: قتال تدريبي.
[أعتذر إن بدا أسلوبي فظاً، غير أنني بحاجة ماسة للتحدث إلى >الأم الكبرى<.] قال زوريان ذلك وهو يبذل قصارى جهده لاستحضار وإرسال المفهوم الأراني الغريب “رمح العزيمة”، والذي سبق للأم الكبرى أن أخبرته بأنه يمثل اسمها، بدلاً من مناداتها بلقب “الأم الكبرى”.
لعل هذه الخطوة تفلح في إقناع الأرانيا بأخذه على محمل الجد حين يخبرها عن حزم الذاكرة القادمة من خط زمني آخر.
[لطالما كنت أستمع إلى محادثتك مع >العيون اليقظة التي لا تفوتها شاردة ولا واردة< منذ بعض الوقت يا زوريان كازينسكي،] أعلن الحضور المألوف للأم الكبرى عن نفسه.
{{{{{{خخخ ذوق تسمية اسوأ من ذوق تسمية صني}}}}}}
لا ريب أن امتلاك القدرة على قذف عقلك إلى أي بقعة يقطنها أحد أتباعك يُعد ميزة بالغة الراحة.
أكدت الأم الكبرى: [إنه كذلك بالفعل. أما الآن، فما رأيك أن تُعرّف عن نفسك وتخبرني كيف تسنى لك معرفة اسمي الحقيقي؟ حينها يمكننا الانتقال إلى تلك المعلومات البالغة الأهمية التي تحملها لي…]
أجاب زوريان: [أنا زوريان كازينسكي، ساحر متدرب. أما عن سبب معرفتي باسمك الحقيقي، فهو أنكِ أنتِ من أخبرني به… حدث ذلك قبيل أن تدفعي بحزمة ذاكرة داخل عقلي، وتطلبي مني إعادتها إليكِ لاحقاً.]
[أنا… لا أذكر شيئاً كهذا،] تمتمت الأم الكبرى بتردد.
[أدرك ذلك،] قال زوريان. [فلو كنتِ قادرة على الاحتفاظ بذكرى ذلك اللقاء، لما تكبدتِ عناء حشر حزمة الذاكرة في عقلي من الأساس.]
بعد صمت وجيز، قالت الأم الكبرى: [هذا ادعاء خطير. كيف لي أن أتحقق من صدق كلامك؟ قد يكون هذا فخاً، أو ربما تكون على صلة بأولئك الذين دأبوا على إرسال الغيلان لمهاجمتنا طيلة هذه الفترة.]
[بصراحة، ليس لدي أدنى فكرة عن كيفية إثبات صحة كلماتي لكِ،] اعترف زوريان. [لقد كانت نسختك الأخرى واثقة تماماً من امتلاكك لوسيلة تمكنك من التحقق من أصالة حزمة الذاكرة، حتى بدون أدلة إضافية، ولذا لم تخبرني بأي شيء قد أستخدمه لإقناعك.]
[فهمت،] قالت الأم الكبرى. لاذت بالصمت لثوانٍ معدودة بينما كانت تقلب الأمر في رأسها، ثم أضافت: [امنحني الإذن للولوج إلى عقلك حتى أتسنى رؤية حزمة الذاكرة هذه بنفسي.]
[بالطبع،] وافق زوريان، ولم يُبدِ أي مقاومة حين غاصت الأم الكبرى عميقاً داخل عقله.
التفت إثر ذلك نحو رفيقته، التي بدت وكأنها على شفا فقدان صوابها وهي تراقبه في حرب التحديق الصامتة تلك مع العنكبوت العملاق.
نطق أخيراً: “تايفن، أنا أتواصل مع العنكبوت ذهنياً. ينبغي أن تسير الأمور على ما يرام، غير أنني إذا سقطت أرضاً وبدأت أصرخ خلال الدقائق القليلة القادمة، فلا تترددي في سحقها ومحوها من الوجود.”
كان لا يزال يحتفظ بمكعبات الانتحار خاصته، بيْد أن اتخاذ المزيد من الاحتياطات لم يضر يوماً. أومأت تايفن برأسها فور سماع كلماته، في حين لمح زوريان الأرانيا الماثلة أمامه وهي تنفض أرجلها بانزعاج واضح من التهديد المبطن بالموت.
أما الأم الكبرى فلم تنبس ببنت شفة، إذ كانت غارقة تماماً في عملها.
بعد مرور عدة دقائق، انسحب حضور الأم الكبرى من عقله.
[أنا… أنا بحاجة إلى التفكير في هذا الأمر،] قالت الأم الكبرى في حالة من الذهول. [عُد إلينا بعد ثلاثة أيام وسنتحدث.]
[انتظري!] احتج زوريان. [أنا بحاجة إلى وسيلة للنزول إلى هنا دون المرور بأي من المداخل الرسمية. وإلا سأضطر لاصطحاب تايفن في كل مرة أرغب فيها بالمجيء، ولست واثقاً حتى من أنها سترغب في التحدث إلي بعد كل ما جرى.]
على الفور، قُصِف زوريان ذهنياً بصورة لخريطة الجزء المحلي من شبكة الأنفاق، مرفقة بثماني طرق مختلفة للوصول إليها من السطح دون المرور بأي نقاط تفتيش.
يا إلهي، لم يكن الناس يمزحون حين قالوا إن العالم السفلي المحلي مليء بالثقوب أكثر من الإسفنجة! على أية حال، بدا أن محادثته مع الأرانيا قد انتهت عند هذا الحد؛ إذ قفزت العنكبوت الماثلة أمامه برشاقة نحو الظلام وتوارت عن الأنظار، تاركة إياه وحيداً مع تايفن.
ألقى نظرة متعبة نحو الفتاة المعنية، ليرتد جافلاً أمام عبوسها الحاد المصوب نحوه.
“حسناً، بما أن العنكبوت قد غادرت الآن، أعتقد أنه بات بوسعك أن تشرح لي ماذا بحقك ما الذي تورطت فيه للتو. ابدأ بالكلام،” هكذا أمرته بلهجة قاطعة.
تباً لغباء الأرانيا وانعدام تكتّمها… ماذا عساه يخبر تايفن الآن ماذا بحقك؟ همم…
“قبل أن نخوض في ذلك، أود أن أشير إلى أنك لو انتظرتِني عند المدخل كما طلبتُ منكِ…”
“زوريان!”
“مجرد ملاحظة،” قالها زوريان بنبرة خفيفة. “حسناً، إليكِ الأمر. أنا متعاطف . هل تدركين معنى ذلك؟”
“ليس… تماماً…” تمتمت تايفن ببطء.
أوضح زوريان: “هذا يعني أنني أستطيع استشعار مشاعر الآخرين. وللأسف، هذه القدرة في وضعها الحالي مجرد ملكة غريزية. أنا لا أملك أي سيطرة واعية عليها، مما يوقعني في مشاكل متكررة، ولهذا كنت أبحث عمن يساعدني في السيطرة عليها. من المؤسف أنني لم أجد أي بشري مستعد لتقديم يد العون، لذا… وسّعت آفاقي. العنكبوت التي رأيتها للتو كانت إحدى الأرانيا – وهي فصيلة من العناكب الواعية التي تمتلك قدرات التخاطر، وكنت آمل في إقناعها بتعليمي كيفية التحكم في قواي.”
حدقت فيه تايفن لبرهة من الزمن، وفي لحظة ما فتحت فمها لتتحدث، غير أنها سرعان ما أغلقته مجدداً. وفي النهاية سألته: “وماذا كان ردهم؟”
هز زوريان كتفيه لامبالياً: “سيفكرون في الأمر.”
هزت تايفن رأسها غير مصدقة، وشرعت في السير نحو المخرج، مشيرة له باللحاق بها.
“دعنا نخرج من هنا يا مروّض الوحوش،” قالتها بتهكم. “يجب أن نناقش هذه الأمور في مكان آخر. مكان يمكنني فيه الجلوس واحتساء مشروب.”
فتبعها صامتاً.
وفاءً بكلمتها، قادته تايفن إلى حانة في الهواء الطلق ليتمكنا من الجلوس والاسترخاء أثناء الحديث.
حسناً، ليتمكن هي من الجلوس والاسترخاء – إذ لم يجد زوريان في التجربة أي متعة تذكر، لا سيما وأنها أجبرته على دفع ثمن مشروباتها من حر ماله. ومن الغريب أن تايفن تقبلت معظم تفسيراته دون تذمر، معتبرة أن قراره بطلب المساعدة من فصيلة من العناكب المتوحشة قرار “جريء” وليس متهوراً أو غبياً.
بيْد أن الأمور سرعان ما تدهورت بعد ذلك.
فقد أبدت استياءها الشديد من خطته الأصلية بلقاء الأرانيا دون دعم، وألحت في معرفة ما إذا كان قد أقدم على أفعال مشابهة من قبل، ومن كان يتولى حماية ظهره في تلك الحالات.
أشعل هذا تساؤلها جدالاً حامياً حول مدى الحكمة وراء فكرة “العمل المنفرد”، وقدرته الفعلية على القتال للخروج حياً إذا ساءت الأمور. وبصدق، لم يدرك زوريان ما إذا كانت غاضبة لتعريضه نفسه للخطر، أم لأنه لم يدعُها لمرافقته من الأساس.
على الأرجح كان السبب الأخير؛ إذ سرعان ما بدأت تُصر على ضرورة اصطحابها معه في المرة القادمة التي ينزل فيها إلى المجاري للقاء الأم الكبرى للأرانيا.
غير أنه كان موقناً بأنها لن تفعل شيئاً سوى إعاقته ومحاولة استدراجه لكشف أسراره، لذا رفض طلبها قاطعاً. لم يرق لها هذا الرفض البتة، لكنها أدركت على ما يبدو أن الضغط المباشر لن يجدي نفعاً. عِوضاً عن ذلك، غيرت مسار الحديث واقترحت أن تساعده في تطوير سحره القتالي.
أدرك زوريان أن هذا مجرد فخ – وأنها ببساطة تود مسح الأرض به في “مبارزة ودية” لتثبت له مدى عجزه أمام خصم جدي (وبالتالي يصبح أكثر انصياعاً لاصطحابها كما طلبت) – ومع ذلك فقد وافق.
كان يدفعه فضول خالص لمعرفة المدة التي سيصمد فيها أمامها، فضلاً عن أنه لم يكن لديه ما يخسره، باستثناء كبريائه ربما.
وهكذا وجد نفسه واقفاً في مواجهة تايفن داخل قاعة التدريب الخاصة بعائلتها، يتحسس عصا “القذيفة السحرية” بين أصابعه، محاولاً تحديد الطريقة المثلى لمقاربة هذه… المبارزة التدريبية. كانت قاعة التدريب، وفقاً لتايفن، محصنة بتعاويذ حماية مكثفة لوقاية المتواجدين بداخلها من أضرار السحر، بيْد أن استخدام التعاويذ القاتلة كان لا يزال أمراً غير محبذ. وللأسف، رغم أن حظر التعاويذ القاتلة كان منطقياً تماماً في مبارزة ودية، إلا أنه جرده من جزء كبير من ترسانته السحرية.
فهو لم يُعِر يوماً أي اهتمام حقيقي للمعارك التي لا تندرج تحت قاعدة “اقتل أو تُقتل”، مما جعل اختياراته للتعاويذ تميل بشدة نحو الجانب المدمر.
رمقته تايفن بابتسامة واثقة وقالت: “أرى أنك استثمرت في شراء عصا تعاويذ. لا بد أنها كلفتك مبلغاً محترماً.”
ما لم تقله (ولكنه سُمع بوضوح تام) هو التلميح بأن ماله قد ذُهب أدراج الرياح. فلم تكن لزوريان أي فرصة تُذكر لاختراق دفاعات تايفن باستخدام القذائف السحرية، وكلاهما كان يدرك هذه الحقيقة جيداً.
لهذا السبب تحديداً لم ينوِ حتى المحاولة؛ فالدخول في حرب استنزاف مع شخص يمتلك احتياطيات “مانا” تفوق ما لديه هو مجرد حماقة مطلقة. لم تكن عصا التعاويذ المعروضة بوضوح سوى أداة تضليل، تهدف إلى إعطاء تايفن فكرة خاطئة عن حركاته الافتتاحية.
بينما كانت ورقته الرابحة الحقيقية هي سوار الدرع السحري المخبأ بعناية تحت كمه الأيمن.
رد زوريان ببرود: “لقد صنعتها بنفسي، لذا لم تكلفني شيئاً.”
“حقاً؟” هتفت تايفن متفاجئة. “لم أكن أعلم أنك بارع إلى هذا الحد في الصياغة السحرية. أقصد، كنت أعرف أنك مهتم بها، لكن…”
“أنتِ تمتلكين موهبتك في القتال، وأنا أمتلك موهبتي،” قالها زوريان بزهو.
كان راضياً تماماً عن نفسه لبلوغه هذا المستوى من البراعة في الصياغة السحرية؛ فلم يكن هذا مجرد شغف لازمه منذ ما قبل الحلقة الزمنية، بل كان أيضاً وسيلة ستكفل له استقلاله المالي بسهولة بمجرد إيجاده لمخرج من هذه الحلقة. كان من المعروف على نطاق واسع أن الصياغة السحرية مجال عسير الإتقان، وأن الخبراء فيه يتقاضون أجوراً مجزية لقاء خدماتهم.
وزوريان كان بالفعل بارعاً بما يكفي للبدء في تلقي طلبات العمل من اليوم إذا رغب في ذلك، ومن المؤكد أن مهارته ستزداد صقلاً مع توالي الإعادات الزمنية.
“مهما يكن. في النهاية، أنك تعاني من نقص في التكافؤ حتى في قسم المعدات، رغم عصا التعاويذ الأنيقة التي صنعتها بنفسك،” قالت تايفن ذلك بينما مدت يدها نحو جانبها، مستدعية عصاً مثبتة على جدار قريب لتطير وتستقر مباشرة في راحة يدها. أدرك زوريان أنها عصا تعاويذ حتى قبل أن تضخ تايفن دفعة من “المانا” بداخلها، متسببة في إضاءة سلسلة من الخطوط الصفراء المتوهجة على طول سطحها.
“مستعرضة،” تمتم زوريان. لقد حسم أمره؛ سيتعلم حتماً كيفية القيام بتلك الحركة بنفسه في أحد هذه الأيام.
سألته تايفن وهي تصوب العصا نحوه بتهديد: “جاهز؟”
“جاهز،” أكد زوريان وهو يلف عصا التعاويذ ببراعة بين أصابعه.
+++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one