الفصل 57 - الأرانيا.
الفصل 57: الأرانيا
من بين الأمور التي أثارت فضول زوريان بشأن الإعادات الزمنية، أن الخيارات الصغيرة التي تبدو بلا أهمية كانت تمارس تأثيراً هائلاً على مجريات الأحداث. في المقابل، تلك الأفعال التي ظن أنها ستقلب الأمور رأساً على عقب، غالباً ما كانت تفضي إلى نتائج باهتة أو حتى معدومة.
لعل خير دليل على ذلك، ما حدث في المرة السابقة التي نزل فيها إلى مجاري المدينة للقاء “الأم الكبرى”؛ إذ كان إقناع إيلسا بمنحه تصريح الدخول أمراً في غاية السهولة. بالتالي، حين خطا زوريان بخطى واثقة نحو مكتب إيلسا بعد بضعة أيام من بدء الفصول الدراسية، وذلك بعد إدراكه لقرار زاك بالتخلي عن مصادقته في هذه الإعادة بالذات، توقع أن يُلبّى طلبه دون عناء.
غير أنه كان مخطئاً. فمهما حاول المنطق والتوسل، رفضت إيلسا بشدة السماح لساحر مبتدئ مثله بالمخاطرة بحياته في ذلك العالم السفلي. حاول جاهداً استعراض مهاراته (التي غدت متقدمة إلى حد ما في هذه المرحلة) في السحر القتالي، بيْد أن إيلسا لم تُبدِ أي اهتمام، بل وطردته من مكتبها ببساطة. استغرق الأمر من زوريان قرابة الساعة ليهدأ روعه ويدرك سر ذلك الاختلاف.
في المرة السابقة، كان برفقته كايل. ذلك الساحر العبقري العصامي، والوالد الأعزب الذي سبق له على الأرجح مواجهة المخاطر في حياته.
فإذا كان كايل يرى أن زوريان مستعد للنزول إلى الأنفاق أسفل المدينة، بل ومستعداً لمرافقته لضمان سلامته، فقد كان ذلك ضماناً كافياً بالنسبة لإيلسا. أما هذه المرة، فقد جاء بمفرده. وبغياب كايل، غاب التصريح.
مع ذلك، لم يكن زوريان ليسمح لعقبة تافهة كهذه أن تثبط عزيمته. فهو يعرف شخصاً واحداً على الأقل يمتلك بالفعل تصريحاً للنزول إلى هناك، وربما ينجح في إقناعه بتقديم يد العون.
“أيها الصرصور، أنا أمقتك. أنت تدرك ذلك، أليس كذلك؟”
أطلق زوريان تنهيدة مثقلة بالمعاناة، مفضلاً إبقاء عينيه مسلطتين على النفق أمامه بدلاً من الالتفاف للنظر إلى تايفن. لم يكن بحاجة لاستدارة رأسه ليعلم أنها كانت تعبس في وجهه بملامح ممتعظة. فأجابها بتهكم: “لا يا تايفن، لا أدرك ذلك. في النهاية، لم تخبريني بهذا سوى خمس مرات فقط.
ربما سأتذكر إن كررتِها بضع مرات أخرى؟”
تذمرت تايفن متجاهلة سخريته اللاذعة: “أنا حقاً لا أفهمك. لقد رفضت مرافقتي إلى هنا حين طلبتُ منك ذلك، متذرعاً بأن الأمر شديد الخطورة. ثم تعود إليّ بعد بضعة أيام لتتوسلني أن آخذك إلى الأنفاق!”
بلى، وهو الآن يتجرع كأس الندم على ذلك. لِمَ لم يسعها الانتظار عند المدخل كما طلب منها؟ فهو حتى هذه اللحظة لا يملك أدنى فكرة عن كيفية تفسير أمر الـ “أرانيا” لها حين يعثرون على تلك العناكب الملعونة.
كان يأمل أن تمتلك الأرانيا من الدهاء ما يكفي للبقاء متوارية في الظلال ريثما يتحدث إليها ذهنياً – رغم أن ذلك سيكون مزعجاً بعض الشيء، إلا أنه سيفي بالغرض لترتيب لقاء لائق مستقبلاً في مكان يسهل الوصول إليه.
واصلت تايفن حديثها، غير عابئة بصمته: “أقصد، هل كنت تحاول إثارة حنقي عمداً؟ لأنني أشعر بغضب عارم الآن، دعني أخبرك…”
قاطعها زوريان متوسلاً: “أرجوكِ يا تايفن! لقد قلت إنني آسف! كم مرة عليّ أن أعتذر؟ ينبغي أن تكوني أكثر من يتفهم موقفي، بالنظر إلى المرات التي أوقعتني فيها في مآزق مشابهة.”
غمغمت تايفن بامتعاض: “ليس على هذا النحو بالضبط. على الأقل أخبرني إلى أين نحن ذاهبان.”
أقر زوريان: “في الواقع، أنا لا أعرف.” كان يعول في ذلك على قيام أحد كشافة الأرانيا بالتواصل معه عن غير قصد أثناء محاولة قراءة أفكاره؛ إذ لم تكن لديه أي فكرة حقيقية عن موقع أراضيهم الأصلية. وأردف: “لكنني سأعرف المكان فور رؤيتي له.”
“زوريان، أقسم لك، إن كانت هذه فكرتك عن مزحة ثقيلة…”
طمأنها زوريان بجدية تامة: “أنا في غاية الجدية. أنا شبه واثق أننا نقترب، لن يستغرق الأمر الكثير من…”
فجأة، تسلل حضور غريب عبر سطح وعيه، ثم انسحب على الفور بمجرد إدراكه أن تدخله قد كُشف. لم تكن تلك اللمسة الذهنية ببراعة لمسة الأم الكبرى، بيْد أن زوريان التقط منها بصمة الأرانيا بوضوح لا لبس فيه.
هتف محتجاً، آملاً ألا تكون الأرانيا قد لاذت بالفرار الفعلي: “انتظري! أريد التحدث إليكِ أيتها الأرانيا! أحمل معلومات بالغة الأهمية لأمك الكبرى!”
سألته تايفن، وقد تملكها حيرة تامة من تصرفاته: “ماذا بحقك يا زوريان، عما تتحدث؟ ومع من تتكلم أصلاً؟ لا يوجد أحد هنا.”
آثر زوريان الصمت، مفضلاً الانتظار بهدوء لبعض الوقت.
مرت الثواني في سكون مطبق بينما ترقب الساحر الشاب رد العنكبوت بصبر، في حين بدت تايفن ممزقة بين انزعاجها من سلوكه الغريب، وقلقها المتصاعد من هذا الموقف المحفوف بالمخاطر.
في النهاية، قررت الأرانيا استئناف التواصل…
عبر الخروج إلى العلن، والمثول مباشرة أمام زوريان وتايفن.
شهقت تايفن في رعب من ظهور ذلك العنكبوت الضخم المشعر، وتحركت في لمح البصر لتسحب عصا التعاويذ خاصتها، لولا أن زوريان اختطف معصمها بسرعة وأشار لها بالثبات.
رمقته بنظرة مليئة بالحيرة قبل أن تحول بصرها نحو العنكبوت الماثل أمامهما. وقفت الأرانيا بلا حراك، تراقبهم في صمت بعينيها الضخمتين الحالكتين، دون أن تبدر منها أي إيماءة عدائية. هنا أدركت تايفن أن العنكبوت لا يشكل تهديداً في الوقت الراهن، فاسترخت ملامحها، وأبعدت يدها ببطء عن عصا التعاويذ المتدلية من وركها.
بدأت حديثها، وقد شعّ منها مزيج من الغضب والقلق نحوه: “زوريان…”
أجابها زوريان متنهداً: “سأشرح لكِ الأمر لاحقاً، أعدك بذلك.” ثم استدار ليتعامل مع الأرانيا موبخاً: “وأنتِ! ألم يكن بوسعك أن تكوني أكثر تكتماً؟ لِمَ لم تبقي متوارية في الظلال وتتواصلي معي ذهنياً؟”
أعادت الأرانيا الاتصال بعقله، وأرسلت إليه موجة من التسلية والسخرية المبطنة: [إذا كنت ترغب في التحدث إليّ ذهنياً، لِمَ لم تبادر أنت بالنداء الذهني منذ البداية؟ ألست أنت نفسك مستبصراً(أو منفتح)؟]
امتعض وجه زوريان. ليته كان بتلك السهولة. كان الحصول على معلومات حول سحر العقل من زملائه السحرة أشبه بانتزاع الأسنان بلا تخدير؛ إذ كانت نقابة السحرة تنظر بريبة شديدة تجاه سحر العقل بشتى أنواعه، مهما بلغت براءته. لم يملك أحد إجابة شافية عما يعنيه كونه “مستبصراً”، ناهيك عن تعليمه كيفية الاتصال الذهني بالآخرين.
صحيح أنه تمكن من اقتفاء أثر تعويذة تتيح للساحر إرساء اتصال توارد خواطر، لكنها كانت تعويذة بدائية بشكل مؤلم؛ فهي لا تعمل إلا على البشر، وتشترط أن يكون الهدف راغباً وقادراً على خفض مقاومته السحرية، علاوة على أن الرابط لم يسمح سوى بتواصل لفظي جاف، خالٍ من أي مشاعر أو دلالات أخرى.
اعترف زوريان بمرارة: [أنا أفتقر إلى التدريب. لا أملك أدنى فكرة عن كيفية الاتصال الذهني بأي شخص. كل ما أجيده هو التطفل بردودي عبر رابط ذهني فتحه شخص آخر.]
في الواقع، لطالما تساءل عن هذا الأمر. فلم يعلمه أحد كيفية القيام بذلك، ومع ذلك بدا المفهوم بديهياً يتدفق بطبيعته داخله. هل هذا هو المعنى الحقيقي لكونه “مستبصراً”؟ لربما عنى الأمر ببساطة أنه نوع من سحرة العقل الغريزيين، يمتلك مهارات فطرية تولد معه في هذا المجال.
ردت الأرانيا: [هذا أمر مؤسف حقاً. أنت كائن غير مكتمل. لكنني أفترض أن الوضع كان من الممكن أن يكون أسوأ. كان من الممكن أن تكون “عقلاً وامضاً” مثل صديقتك الواقفة هناك.]
استرق زوريان نظرة خاطفة نحو تايفن، قامعاً شخرة من الضحك بالكاد. من حسن حظه أنه كان يتواصل مع الأرانيا ذهنياً، فقد تخيل للتو حجم الكارثة وردة فعل تايفن لو نعتها أحدهم بـ “العقل الوامض”.
“ماذا؟” سألته تايفن، التي لاحظت نظراته على ما يبدو.
غمغم زوريان وهو يهز رأسه نفياً: “لا شيء.” ثم عاد للتواصل الذهني: [أيتها الآنسة أرانيا، أنا – أقصد، أنتِ أنثى، أليس كذلك؟]
كان من الصعب الجزم بذلك، بيْد أنه كان شبه واثق من أن الأرانيا التي يتحدث إليها تحمل “طابعاً أنثوياً”. فضلاً عن أن مجتمع الأرانيا تقوده “أم كبرى”، مما يجعل من المنطقي بالنسبة للغرباء أمثاله أن يلتقوا في الغالب بالإناث من هذا الفصيل.
أجابته العنكبوت: [جميع الأرانيا إناث.]
تساءل زوريان بذهول: [عفواً، أهذا صحيح؟ كيف يمكن لهذا أن يحدث ماذا بحقك؟ هل تنقسمن كالميكروبات، أم تحملن ذاتياً، أم ماذا؟]
أوضحت العنكبوت: [ليس الأمر بتلك الغرابة. كل ما في الأمر أن فصيلتنا تتميز بازدواجية شكلية جنسية مفرطة؛ فالذكور أصغر حجماً بكثير، وشبه فاقدين للإدراك. نحن حتى لا نعتبرهم أرانيا حقيقيين.
إذا تحدثت إلى إحدانا ووجدتها تملك من الذكاء ما يكفي للرد عليك، فهي حتماً أنثى.
أما الذكور، فمن المرجح أن يهاجموك بدلاً من تبادل أطراف الحديث، رغم أنه من المستبعد جداً أن تلتقي بأحدهم يوماً ما، إلا إذا تمكنت بطريقة ما من التسلل إلى إحدى مستوطناتنا.]
استوعب زوريان تلك المعلومات لبرهة من الزمن، ثم قرر طي صفحة الأسئلة حول هذا الموضوع. كان أمراً مثيراً للاهتمام حقاً، غير أنه لم يكن ذو صلة بما يجري حالياً، ناهيك عن جهله بالوقت المتبقي قبل أن تنفجر تايفن من شدة الضغط وتبدأ في إلقاء التعاويذ ذات اليمين وذات الشمال مطالبة بإجابات فورية.
فصديقته لم تكن يوماً نموذجاً يُحتذى به في الصبر.
++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one