الفصل 29 - غشاشون.
الفصل 29: غشاشون
ما إن ظن «زوريان» أنهم سيبلغون المدخل بلا حوادث، حتى تخلى عنه حظه. إذ لمحتهم مجموعة كبيرة قوامها 30 ذئب شتاء أو نحو ذلك وتحركت لاعتراضهم. فتوقفت المجموعة على الفور، غير متيقنة مما يجب فعله بينما واصل القطيع اقترابه.
كان لزاماً عليهم المرور عبره لبلوغ الملاجئ، غير أن مقاتلة الذئاب كانت بمثابة انتحار. في حين انشغل «زاك» بإحراق مجموعة من ترول الحرب التي ظهرت أخيراً ولن يتمكن من تقديم يد العون لبعض الوقت.
تذمر أحد الفتيان: “لقد أخبرتكِ أنه كان يجدر بي إحضار سيفي. بيْد أنكِ قلتي لاااا، إنه غير ملائم لرقصة مدرسية. قلتي أنكِ مصاب بجنون العظمة أكثر مما ينبغي.”
فردت عليه بصوت أنثوي حاد: “أوه، اخرس.”
قاوم «زوريان» رغبته في إطلاق بضع قذائف على ذئاب الشتاء المتقدمة. فحتى وإن شُكلت كـ’مُخترقات’، لم يكن مضموناً أن تقتل كائناً بمرونة ذئب الشتاء بضربة واحدة، ولا يزال يميل للإخفاق في كثير من الأحيان حينما يحاول نسج وظيفة تتبع فيها، لذا لم يكن هناك ما يضمن إصابته لأي شيء أصلاً. توجب عليه استخدام المانا خاصته بذكاء.
غير أنه لم يشاطره الجميع الرأي ذاته.
فقد امتلك عدد من الناس صيغة تعويذة مخبأة عليهم في شكل خاتم أو قلادة، تماماً كما فعل هو، وألقوا قذيفة سحرية تلو الأخرى نحو الذئاب المتقدمة. لم تكن سوى فتاة واحدة قادرة على إلقاء صاعقة متتبعة سليمة، لذا أخطأ معظمهم الهدف، وحينما أصابوا لم تكن سوى ‘مُحطمات’ لذا لم تقتل أياً منها. رغم ذلك، فقد أبطأت القطيع وأجبرته على التجمع، نظراً لأن الفتاة القادرة على إطلاق صواعق متتبعة استهدفت أي ذئب حاول الانفصال عن القطيع لتطويقهم. وهو ما ألهمه بفكرة.
في اللحظة التي اقترب فيها القطيع بما يكفي، أطلق «زوريان» قاذف لهب مفرط القوة مباشرة نحو خطوطهم الأمامية. ولتجمعها معاً كما كانت، علق معظمها في الانفجار. فعوت ذئاب الشتاء، المعروفة بضعفها الشديد أمام النار، رعباً وألماً.
حينها أطلق شخص آخر قاذف لهب آخر نحو صفوفهم، بيْد أن هذا كان أضخم وأشد حرارة بكثير من خاصّة «زوريان»، فاستدارت ذئاب الشتاء على الفور ولاذت بالفرار. أي تلك التي لا تزال حية.
التفت «زوريان» ليرى من ألقى قاذف اللهب الآخر وتفاجأ برؤية «بريام» هناك، يحدق بزهو في الجثث المتفحمة أمامه. كان يحمل تنين النار خاصته بين ذراعيه كسلاح حي، بينما تلعق السحلية الصغيرة شدقيها وكأنها ترغب في التهام طرائدها.
هذا ما آلت إليه نظريته بأن التنين أصغر من أن ينفث ناراً.
بعد لحظة من الصدمة إثر الانقلاب المفاجئ، تدافعوا جميعاً نحو المبنى الذي يضم مدخل الزنزانة ونزلوا فوراً إلى الأنفاق السفلية. لتعترض «إيبيري» القلقة طريق «زوريان» على الفور، بدا عليها ارتياح بالغ لكونه حياً. رغم علمه بأن موتها لن يكون نهائياً، تحتم عليه الاعتراف بسعادته لنجاتها هي الأخرى.
رغم أنه، والآن وقد تسنى له الجلوس والتفكير في الأمر قليلاً، لم يكن نجاتها أمراً غير معتاد جداً.
فقد كانت طالبة في السنة الرابعة، وكانوا في مقدمة الموكب لسبب ما. كان ذلك مؤسفاً جداً، لأن طلاب السنة الرابعة كانوا، كما يُفترض، أكثر قدرة على الدفاع عن أنفسهم بكثير من طلاب السنة الثالثة… وهم من بلغوا أمان الملاجئ أولاً، تاركين زملاءهم الأصغر سناً لتدبر أمورهم بأنفسهم.
لاحظ «بريام» من يساره، وهو يداعب تابعه السحري بحنان: “لم أكن أعلم أنك تتقن أي تعاويذ نارية. أخمن أن هذا أحد الأشياء التي كان «زاك» يعلمك إياها طوال هذا الشهر المنصرم، هاه؟”
اعترف «زوريان»: “أجل.” رمق سحلية النار بنظرة مريبة، لتبادله الزاحفة نظرة متحدية. “هل أحضرت حقاً تابعك السحري إلى الرقصة المدرسية؟”
ضحك «بريام»: “أوه، مستحيل. لست متعلقاً به إلى هذا الحد. لا، لقد استخدمت تعويذة استدعاء لجلبه إلى جانبي حينما بدأت ذئاب الشتاء بالتدفق.”
سأل «زوريان»: “أليس الاستدعاء مستنزفاً جداً للمانا، مع ذلك؟”
قال «بريام»: “ليس إن كنت تستدعي تابعك السحري. نحن مرتبطان معاً، هو وأنا. متصلان عبر الروح. فمن الأسهل بكثير والأقل إرهاقاً إلقاء تعاويذ معينة حينما تتعلق به.”
همهم «زوريان»: “هاه.”
انقضت ساعة، دون أي جديد يُذكر.
استمع «زوريان» لقصص الأشخاص من حوله، محاولاً استيعاب ما جرى والتفكير فيما يمكنه تغييره في الإعادة القادمة ليجعل عملية الإخلاء هذه أقل فشلاً. لتقطع مجموعة من المعلمين أفكاره حينما تعثروا أخيراً داخل الملاجئ.
كانوا ستة وبدوا متعبين ومذعورين، تماماً كالطلاب الذين تجمعوا حولهم بحثاً عن التفسيرات والتطمينات. لم يكن بينهم من يوحي بالثقة لـ«زوريان» سوى «كايرون»، الذي ظل رواقياً كعادته. لم يعد عاري الصدر، مفضلاً ارتداء درع كامل للجسم يشبه نوعاً ما الصدفة الكيتينية لـ ‘حشرة قديسة’ (saint bug)، وتدلت مجموعة كبيرة من صولجانات التعاويذ من حزامه بالإضافة إلى طاقم القتال الذي كان يقبض عليه بحزم بيد واحدة.
حمل «كايرون» أخباراً سيئة – فالهجوم على الأكاديمية لم يكن سوى جزء من غزو شامل يستهدف المدينة بأكملها. كان «زوريان» يعلم ذلك بالفعل بالطبع، غير أن الجميع صُدموا كما ينبغي لهم.
كان الغزو معداً بعناية، وقُهر معظم المدافعين منذ البداية. كانت المدينة على وشك السقوط. وما إن يحدث ذلك، ستستحيل الملاجئ مجرد فخ موت عملاق. سيتعين عليهم الخروج والقتال لشق طريقهم خارج المدينة قبل أن يتمكن الغزاة من تأمين كل ما يحمل أهمية بالغة ويوجهوا انتباههم إليهم.
تقبل الناس الأمر بصعوبة بالغة.
صاح أحدهم: “لمَ لا تنقلوننا آنياً للخارج فحسب!؟ يُفترض أن تكونوا قادرين على فعل ذلك!”
أجاب «كايرون» بهدوء: “تم اختراق التحكم بتعاويذ الأكاديمية. لقد قلب الغزاة طلاسم النقل الآني خاصتنا ضدنا. لا يسعنا النقل الآني للداخل أو للخارج.”
تأوه «زوريان». العدو يسيطر على الطلاسم؟ كيف بحق الأرض فعلوا ذلك؟ لم تكن الأكاديمية مجرد منزل عشوائي بنظام تحصين عادي – بل يُفترض أن تكون آمنة ومتطورة جداً لذلك!
استمرت الأسئلة لدقيقة أو نحو ذلك قبل أن يكتفي «كايرون» منها ويبدأ في الصياح بالأوامر. كان عليهم التحرك.
بيْد أن «زوريان» كان يولي انتباهه لشيء آخر. فقد كان الطالب المجاور له يتصرف بغرابة منذ دخول «كايرون» ومجموعته إلى الملاجئ. كاد «زوريان» يشعر فعلياً بحماس الفتى وترقبه. لأي شيء، لم يسعه القول، غير أنه ساوره شعور بأنه ليس بأمر محمود.
ولهذا السبب، حينما ألقى الفتى بقارورة مليئة بسائل أخضر مقزز على الأرض وسحقها بقدمه، حبس «زوريان» أنفاسه وأطلق ‘مُحطماً’ مباشرة نحو صدر الفتى. اندلع دخان أخضر كريه الرائحة من القارورة المحطمة، وعمت الفوضى في الملاجئ.
لم يتمكن «زوريان» من رؤية أي شيء عبر الدخان السام بلا شك، بيْد أن أصوات القتال كانت لا لبس فيها.
تعثر عبر الدخان، محاولاً العثور على نهايته دون جدوى. وأدرك من خلال سعال الطلاب المتواصل من حوله أن الاستنشاق سيكون فكرة سيئة. والحمد لله أنه لم يهيج العينين أيضاً وإلا لما تمكن أبداً من إلقاء درع في الوقت المناسب لإيقاف قذيفة سحرية من التحطم في وجهه. ومض مستوى دائري من القوة إلى الوجود أمامه، ممتصاً الضربة. فترنح الدرع لثانيةالا أنه صمد.
حينها سمع «زوريان» «كايرون» يصرخ بسلسلة من الكلمات، فاندفع الدخان من حوله نحو مصدر صوت «كايرون»، وكأنه عُلق في نوع من الفراغ. امتلك «زوريان» ما يكفي من الوقت ليرى «كايرون» رافعاً يده اليسرى في الهواء، وكرة خضراء دخانية تنضغط فوقها، قبل أن يُجبر على إقامة درع مجدداً.
على الأقل يمكنه التنفس الآن. الحمد للسامين على النعم الصغيرة.
قبل أن يتمكن المهاجمون – الذين نُقلوا آنياً على الأرجح تحت غطاء الدخان، لأن «زوريان» كان ليذكر وجود مجموعة من الرجال في منتصف العمر يرتدون أردية بنية لو كانوا حاضرين حينما دخل الملاجئ – من استعادة المبادرة، طقطق «كايرون» إحدى يديه فومض سوط ساطع عبر الهواء. فتهاوى الغزاة على الفور، وانزلقت أنصاف أجسادهم العلوية عن السفلية وكأنها لم تكن متصلة ببعضها قط.
حملق «زوريان» في «كايرون» بصدمة. كان يعلم أن ساحر القتال المتقاعد مقتدر، غير أن رؤية ذلك كانت شيئاً آخر.
لقد قيّم الرجل الموقف في غضون لحظات وحله بتعويذتين اثنتين فقط. تساءل عما كان سيحدث خلال الإخلاء الأولي لو كان «كايرون» يقود الطلاب. لم يسعه سوى التفكير في أن «كايرون» كان ليجد طريقة لصد هجوم ذئاب الشتاء الأولي دون أن يفقد أحداً. فمن المؤكد أن الطلاب سيكونون أكثر ميلاً للاستماع لـ«كايرون» من ممثلي فصولهم – فقد أحاطت بالرجل هالة معينة من القيادة.
تهدج صوت «زاك» ليس ببعيد عنه: “كيف… ماذا بحقك… لا تزال… واقفاً؟” ويبدو أنه قد استنشق بعض الدخان، وتأثر كأي شخص آخر. فيبدو أنه حتى المسافرين عبر الزمن لعدة عقود يمكن إسقاطهم ببعض الحيل.
كاد «زوريان» أن يجيب حينما انفجرت الأرض بجواره، لتمطره بشظايا حجرية وتطرحه على ظهره. سمع «كايرون» يرتل شيئاً، بيْد أن الأوان كان قد فات بالنسبة له – فالدودة البنية العملاقة التي انبثقت من الأرض كانت أسرع بكثير مما ينبغي لها أن تكون وكان «زوريان» يتألم بشدة تمنعه من الحركة. فرأى فكاً ضخماً مليئاً بالأسنان يطبق عليه، وبعدها لم يعرف سوى السواد.
كانت أفكاره الأخيرة بأن الأمر ليس عادلاً. كم عدد الخطط البديلة التي يمتلكها هؤلاء الناس؟ هؤلاء الغزاة كانوا غشاشين بحق!
+++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
مات مجددا هههههههههههههههههه…..
حسنا الى هنا تنتهي دفعة اليوم نلتقي بعد يومين ان شاء الله ……