الفصل 28 - الصداع.
الفصل 28: صداع.
قالت «إيبيري»: “لا يستطيعون. أو هكذا تُروى القصة على الأقل. إذ يخضعون لنوع من القيود الصارمة على استخدامها. وهنا تحديداً يتجلى جانب ‘نظرية المؤامرة’ حول كيفية انتقاء الدول لمن يحق له استخدام الغرف السوداء. فالنظريات الأكثر تقليدية ترجح كونها مجرد مرافق متطورة لتدريب العملاء الخارقين للعمليات السوداء. أما النظريات الأكثر جنوناً فهي… حسناً، جنونية.”
همهم «زوريان» مفكراً: “إنها نظرية متقنة.” وأقرب للواقع بكثير من أي شيء آخر سمعه، رغم أنه لن يتفوه بذلك علانية قط، ولو على سبيل المزاح. فإن كان بوسعها أخذ شائعة بعيدة الاحتمال كهذه على محمل الجد، فهناك احتمال كبير أن تصدقه بالفعل متى سمعت الحقيقة، وسيكون ذلك محرجاً جداً في الوقت الحالي.
لربما يجدر به محاولة إقناعها في إحدى الإعادات القادمة؟ أمر يستحق التفكير فيه، على أقل تقدير.
ثم سأل: “بيْد أنه لو كان «زاك» قد أمضى سنوات في إحدى تلك الغرف السوداء، لمَ لم تظهر عليه علامات التقدم في السن بوضوح؟ ولماذا تحديداً قد يسمحون لـ«زاك» باستخدام واحدة منها؟”
أجابت «إيبيري»: “حسناً، لم يكن مضطراً لإمضاء سنوات حرفياً. فليس أي شيء فعله بهذا القدر من التقدم. فبضعة أشهر من التدريس المكثف قد تتمخض على الأرجح عن النتائج التي نراها. وحتى لو أمضى سنوات، فهنالك جرعات يمكنها إيقاف شيخوختك لعام أو عامين. وهي في الواقع ذات فعالية أكبر على صغار السن.”
قاوم «زوريان» رغبته في العبوس إثر إدراكه لشيء ما. فرغم ولع «زاك» بالتباهي، إلا أنه لم يطلق العنان حقاً لقدراته ليراها الجميع. فلو استعرض «زاك» ذلك النوع من السحر الذي استخدمه خلال الغزو، ما كانت «إيبيري» أو أي شخص آخر ليستخف ببراعة «زاك» واصفاً إياها بأنها ‘ليست بذلك التقدم’ بهذه السهولة.
من ناحية أخرى، لربما كان هذا هو بيت القصيد.
فـ«زاك» الماهر للغاية كان مفاجئاً، وربما حتى صادماً لمن عرفوه قبل هذا التحول. أما «زاك» كبير السحرة بين عشية وضحاها فكان ليكون على الأرجح مدعاة للقلق إلى أبعد الحدود ويثير موقفاً مشابهاً لدى المحيطين به.
لربما كان سلوك «زاك» محسوباً بكثير مما ظن؟
استطردت «إيبيري»: “أما عن سبب اختياره هو؟ حسناً، إنه من عائلة نوفيدا. لقد كانوا نافذين جداً قبل سقوطهم الحتمي، ولا أعني بذلك ثرائهم فقط. بل كانت أصابعهم تمتد في كل مكان. ويمكنني بسهولة تصور نجاة جزء من ذلك النفوذ القديم حتى يومنا هذا. فـ«زاك» هو آخر سلالته، ومصير عائلته ملقى على عاتقيه. لربما كان هذا ببساطة مناورة يائسة من قِبل أوصياء «زاك»، في محاولة لتحويله إلى خليفة جدير قادر على استعادة أمجاد نوفيدا الغابرة.”
اهتزت الأرض، ليعقبها انفجار يصم الآذان بعد أقل من ثانية. ارتجفت النوافذ، غير أنها لم تتحطم.
خيم صمت مشوب بالترقب على قاعة الرقص، لم يقطعه سوى الدمدمة الدورية لانفجارات أخرى أبعد.
سألت «إيبيري» بخوف: “ما… ما كان ذلك؟”
لم تكن الوحيدة التي تطرح هذا النوع من الأسئلة. فقد سرت همهمات مضطربة عبر الحشد المتجمع، وتيرتها ترتفع باطراد مصحوبة بالهلع. والضغط الملازم الذي لطالما استشعره «زوريان» جراء تواجده وسط الحشود اشتد و… تبدل.
فما كان عادة مجرد إزعاج يضغط على حواف وعيه، استحال فجأة غطاءً خانقاً من الخوف. فجاهد لئلا يفقد وعيه بينما تغزو مشاعر غريبة عقله. ماذا بحقك ما الذي كان يحدث له؟ لم يذكر أي شيء عن هجوم كهذا من تجربته السابقة للغزو.
انقضت دقيقة. ثم عشر دقائق. كاد «زوريان» يشعر فعلياً بقلق الحشد واضطرابه يتصاعدان بثبات. ففي المرة الأخيرة (والأولى) التي عاش فيها الغزو، كان واقفاً على السطح حينما انهمر ذلك الوابل الأول على الأرض، مما أفقده القدرة على الحركة مؤقتاً جراء ذلك. على الأقل، هذا ما ظنه. ويبدو أنه قد فقد وعيه لفترة أطول بكثير مما أدرك، فوفقاً لتقديراته كان يجدر بـ«إيلسا» و«كايرون» أن يهرعا إلى السطح لمعرفة ما يجري بحلول الآن. أمكنه رؤيتهما يتجادلان حول شيء ما في زاوية قريبة، ولم يقم أي منهما بأدنى حركة نحو السطح.
حاولت «إيبيري» للمرة الخامسة أو السادسة، لم يكن «زوريان» متيقناً: “زوريان؟ هل أنت واثق من أنك بخير؟ لربما يجدر بي الذهاب للبحث عن أحدهم-“
قال «زوريان»، متمكناً بطريقة ما من تنحية المشاعر القمعية جانباً في الوقت الحالي: “أنا بخير.” لقد توقفت الانفجارات أخيراً بيْد أن ذلك لم يؤدِ لتهدئة روع الناس.
إن كان من شيء، فالآن وبعد أن هدأت الأوضاع نوعاً ما، فقد أرادوا إجابات، وأرادوها الآن. لقد باتوا متململين. لحسن الحظ، بدا أن طاقم الأكاديمية قد أدرك ذلك أيضاً. فأردف: “انظري، «إيلسا» تحاول قول شيء ما.”
نادت «إيلسا» من على منصة الموسيقى، مستخدمة السحر ذاته الذي ينقل الموسيقى بالتساوي عبر قاعة الرقص لتسمع صوتها لكل الحاضرين: “أرجوكم حافظوا على هدوئكم! سأصعد أنا وزميلي إلى السطح الآن ونفتح قنوات اتصال مع سلطات المدينة لمعرفة ما يجري. أرجوكم ألا تبرحوا أماكنكم حتى نعود.”
حسناً… لم يُفلح ذلك كثيراً في تهدئة روع الناس. في الواقع، فقد غدوا أكثر شغباً مما كانوا عليه قبل خطاب «إيلسا»، تجاهل البعض تحذيراتها صراحة وغادروا قاعة الرقص في اللحظة التي صعدت فيها الدرج وتوارت عن الأنظار.
لم يسعه الحكم عليهم بقسوة مبالغ فيها، ففي خط زمني آخر اقترف هو الفعل ذاته تماماً. أما من الناحية الإيجابية، فقد انقشع الشعور القمعي وعاد مجدداً إلى ذلك الضغط المألوف المسبب للصداع. فتنفس الصعداء في ارتياح بالغ.
حيا «زاك»، مقترباً من «زوريان»: “مرحباً يا «زوريان».” بالطبع سيأتي للتحدث إليه الآن… “جلبة عارمة، هاه؟ وأرى أنك أقنعت الآنسة «آمبركومب» لتكون رفيقتك لهذه الأمسية! تهانينا! لم أكن أعلم قط أنك تميل للفتيات الأكبر سناً.”
احتجت «إيبيري»: “أنا أكبر منه بعام واحد فقط.” ثم اختلست نظرة سريعة نحو «زوريان» لترى ما إن كان سيشير لكونها هي من دعته للخروج، واسترخت حينما أدركت أنه لن يفعل.
تعين على «زوريان» كبح نفسه عن إدارة عينيه. فتساءلت: “ولمَ أنت هنا بمفردك تماماً؟ لمَ لا تعرفنا على رفيقتيك؟”
إن ظنت «إيبيري» أنها ستربك «زاك» بتسليطها الضوء على طبيعة الجمع لشريكتيه في هذه الأمسية، فستصاب بخيبة أمل مريرة. وبالفعل، اكتفى «زاك» بالتبسم لها، غير متأثر البتة بتلك الوخزة.
هز «زاك» كتفيه: “لقد قررتا المغادرة للمنزل مبكراً. وهو الأفضل على الأرجح، بالنظر لما حدث.”
سأل «زوريان»: “ما الذي حدث فعلياً؟” لم يتوقع الحصول على إجابة صريحة من «زاك»، بطبيعة الحال، غير أن الأمر استحق المحاولة.
أجاب «زاك»، مشيراً لأسفل الدرج المؤدي للسطح، حيث كانت «إيلسا» تتحدث لمجموعة من الطلاب: “أخمن أننا سنعرف قريباً.” وبعد بضع ثوانٍ أدرك «زوريان» أن «أكوجا» من ضمنهم، وتعرف على وجوه عدة أخرى أيضاً.
سألت «إيبيري»: “مع من تتحدث؟”
أجاب «زوريان»: “ممثلي الفصول، على ما أظن. على الأقل، من تعرفت عليهم جميعهم ممثلو فصول لمجموعاتهم.”
كان الأمر بطيئاً حد الإحباط. لربما كان «زوريان» يتوقع الكثير جداً من مجرد مؤسسة تعليمية، بيْد أن استجابتهم للغزو كانت مخيبة للآمال بحق. فعلى أقل تقدير، توقع منهم أن يشرعوا في إجلاء الناس للملاجئ بحلول الآن، أو ينظموا نوعاً من قوة الدفاع، أو… حسناً، أي شيء، حقاً. وقد بدأ يتولد لديه انطباع بأن «إيلسا» و«كايرون» لم يدركا حتى مدى خطورة الوضع بعد.
أخيراً، بدا أن «إيلسا» قد انتهت من تعليماتها ليتفرق حشد ممثلي الفصول وسط الجموع.
لم يستغرق الأمر من «زوريان» سوى دقيقة ليدرك ما كانوا يفعلونه – فقد شرع كل واحد منهم في جمع زملائه في مجموعة واحدة. فودع «إيبيري» وانطلق نحو مجموعته برفقة «زاك».
بمجرد اكتمال حضور الجميع، أطلعتهم «أكوجا» على تفاصيل الخطة. كانت الأكاديمية تعتزم استخدام قدراتها المحدودة في النقل الآني لإخراج كبار الشخصيات الأجنبية والمهمين من المدينة، في حين سينزل الطلاب للأنفاق أسفل المدينة لبلوغ الملاجئ سيراً على الأقدام – دون وجود معلمين لإرشادهم والدفاع عنهم، لانشغالهم بواجبات أخرى حالياً ولأن ممثلي الفصول كان يتوجب عليهم معرفة مسارات الإخلاء لإنجاز المهمة على أية حال.
نظر «زوريان» نحو «زاك» لتقييم رد فعله فرأى أن تعابير الفتى كانت متجهمة وشديدة التركيز.
تمتم «زاك»: “حسناً. حان وقت العرض.”
ساور «زوريان» شعور سيء حيال هذا.
للمفاجأة، لم يكن «زاك» من دق ناقوس الخطر – بل كانت «رايني»، من بين الجميع. فكيفية تمكنها تحديداً من استشعار ذئاب الشتاء قبل 5 دقائق من ظهورها كانت أمراً يجهله تماماً، بيْد أنها لاحظتهم بالفعل ودقت ناقوس الخطر على الفور.
لم يصدقها الكثير من الطلاب، غير أن معظمهم لم يرغبوا في المخاطرة. فبدأ موكب الطلاب بأكمله في التحرك بوتيرة أسرع نحو المبنى الأسطواني الصغير الذي ميز الدرج المؤدي نزولاً للملاجئ.
غير أنهم لم يبلغوه قط قبل أن تدركهم ذئاب الشتاء.
لم يكن «زوريان» جندياً، ولن يدعي قط أنه خبير في التكتيكات، بيْد أن ما اقترفه حشد الطلاب فور رؤيتهم لقطيع ذئاب الشتاء يطاردهم ظل يتبدى له كغباء مدقع. لقد تفرقوا.
فاندفع الأقرب لمدخل الزنزانة نحوه، في حين سارع الآخرون للبحث عن أقرب ملجأ. أمكنه سماع صياح «زاك» المحموم، آمراً الناس بعدم الانفصال عن المجموعة الرئيسية غير أن ذلك ذهب أدراج الرياح.
مع سيل من الشتائم، أمسك «زوريان» بـ«أكوجا» من معصمها قبل أن يتسنى لها الركض نحو المبنى السكني القريب وأشار بصمت نحو مدخل الزنزانة. فكر للحظة في شرح مبرراته بتفصيل أكبر، بيْد أنه أدرك افتقاره للوقت الكافي لذلك. فأفلتها وبدأ في الركض، آملاً أن تمتلك من رباطة الجأش ما يكفي لتتبعه.
لحسن الحظ، فقد تبعته بالفعل، كما فعل العديد من الطلاب الآخرين الذين شهدوا التبادل الصامت وأدركوا مدى أهميته. وبينما يركضون، انضم إليهم المزيد من الناس، باحثين عن الأمان في الكثرة.
من حوله، سادت الفوضى العارمة. كانت ذئاب الشتاء تتدفق بالمئات، وعلى عكس الطلاب الفارين، تميزت بتنسيق مرعب حقاً. إذ تنفصل مجموعات صغيرة من 3 إلى 4 ذئاب دورياً عن القطيع الرئيسي لاعتراض الأهداف المنعزلة قبل الانضمام للقطيع مجدداً، مستغلة تفوقها العددي لتطويق خصومها ومراوغتهم.
ففراؤها الأبيض والصمت المدهش الذي تحركت به جعلها تبدو كجيش من الأشباح بعث من العالم السفلي لمعاقبة الأحياء. صرخات. صياح. ومضات من الضوء وعواء كلبي من الألم أيضاً – فلم يكن كل طالب عاجزاً تماماً. وفي المقدمة كان «زاك» يستميت في الدفاع عن مدخل الأنفاق بشراسة، مرسلاً أسراباً تلو الأسراب من قذائف القوة التي تضرب بقوة تفوق بكثير مقذوفاتك السحرية العادية، لتسقط العشرات من ذئاب الشتاء مع كل وابل. في حين بلغ عدد من الناس أمان مبنى قريب وسارعوا بالتحصن بداخله، متجاهلين توسلات من بالخارج للسماح لهم بالدخول.
+++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
الدنيا ولعت…….