الفصل 26 - السارق.
الفصل 26: السارق
نطق «زوريان»: “ماجارا.” منهياً التعويذة بالكلمة التي أراد لها أن تبحث عنها. شعر بالتعويذة تمتد من حوله، ماسحة الكتب في الرفوف المحيطة بحثاً عن أي ذكر للكلمة المنشودة، ثم ضخ المزيد من المانا فيها لتوسيع نطاقها.
كادت جهوده لإرهاق التعويذة بالطاقة أن تفككها، مما أجبره على إمضاء بضع ثوانٍ في تثبيت حدودها، غير أن تدفق المانا استقر أخيراً في مكانه الصحيح، وأتمت التعويذة مهمتها كما خُطط لها.
انبثقت سبعة خيوط ذهبية متوهجة إلى الوجود، بدا وكأنها تنبت من صدره لتربطه بكتب متفرقة في هذا القسم تحديداً من المكتبة.
ابتسم «زوريان». كانت هذه التعويذة إحدى تعاويذ عرافة الكتب التي علمتها إياه «إيبيري»، والتي تبحث عن الكتب التي تحوي كلمة محددة أو سلسلة من الكلمات. لقد كانت تعويذة هشة نوعاً ما، إذ تفشل إذا تجاوز عدد التطابقات الإيجابية حداً معيناً – والذي يعتمد بدوره على مهارة الملقي.
كانت تُستخدم في الغالب للبحث عن الاقتباسات أو المصطلحات النادرة جداً.
مصطلحات نادرة مثل، لِنَقُل، لغة ماجارا الميتة. لم يكن «زينومير» (أستاذ التاريخ لي سأله زوريان في الحلقة قبل السابقة واغتيل في نهايتها) يمزح حينما أخبر «زوريان» بأنه لن يتمكن من العثور على أي كتب عنها – فلم تكن هناك كتب مخصصة عن لغة ماجارا، بل إن القليل جداً من الكتب أتى على ذكرها أصلاً.
فحتى هذه اللحظة، لم يعثر سوى على 13 كتاباً آخر تحوي الكلمة، ومعظمها وردت في شكل تعليق عابر أو تعليقين.
كان من الوارد أن تكون المعرفة التي ينشدها موجودة في مكان ما داخل المكتبة، ولكن بتنسيق لا تدركه تعاويذ العرافة التي يستخدمها – فقد علمته «إيبيري» فقط الأساسيات البسيطة لـ ‘سحر المكتبات’، كما أسمته، لذا كانت عمليات بحثه بدائية بشكل مؤلم في المخطط الأكبر للأمور – بيْد أنه إن كان هذا هو الحال، فلم يكن بيده حيلة تُذكر حيال ذلك.
ألقى نظرة سفلية على الخيوط النابتة من صدره ولوح بيده خلالها، مراقباً إياها وهي تمر عبرها بلا أدنى تأثير.
لم يكل قط من فعل ذلك. حسناً، على الأرجح سيفعل ذلك بمرور الوقت، غير أن سحر التجربة لم يتبدد بعد. كانت الخيوط وهماً، لا وجود لها إلا في خصوصية عقله هو. فكل تعويذة عرافة تتطلب وسيطاً يمكن من خلاله عرض المعلومات على الملقي، نظراً لاستحالة معالجة العقول البشرية للمخرجات الخام لتعويذة العرافة. وكان إيجاد وهم ذاتي الصنع كالخيوط التي ينظر إليها حالياً يُعد متقدماً إلى حد ما كأوساط للعرافة، أو هكذا ادعت «إيبيري» حينما حاول إخبارها بأنه أفلح في تشغيل التعويذة في غضون 30 دقيقة من اطلاعه على كيفية أدائها.
ساوره انطباع واضح بأنها ظنت أنه يكذب. لم يفهم حقاً ما يُفترض أن يكون بهذا القدر من الصعوبة في الأمر، بصراحة – فالخيوط لم تكن سوى بناء عقلي بحت لم يتطلب حتى الكثير من مهارات التشكيل… بل مجرد التخيل. بدا الأمر بسيطاً جداً بالنسبة له. بل وفطرياً حتى.
نفض رأسه وتبع أحد الخيوط الذهبية حتى بلغ الكتاب المرتبط به. كان كتاباً ضخماً ومهيباً يقع في 400 صفحة ويتناول تاريخ مياسينا، ولم يكن لدى «زوريان» أدنى نية في التمعن فيه حتى يصل إلى الجزء الضئيل الذي يثير اهتمامه فعلياً، لذا ألقى تعويذة عرافة أخرى علمتها إياه «إيبيري». عملت هذه التعويذة على إبراز كل ذكر للكلمة المختارة (في هذه الحالة ‘ماجارا’) بلون أخضر ساطع، لذا اكتفى بتصفح الكتاب حتى لمح وميضاً أخضر.
“زوريان؟ ماذا تفعل هنا؟”
أطبق «زوريان» الكتاب فوراً ودسه عائداً في الرف. ورغم أنه لم يكن يقترف أمراً محظوراً، إلا أنه لم يرغب حقاً في أن يشرح لـ«إيبيري» ماهية ماجارا، والسبب الذي يدفعه للبحث في المكتبة عن أي ذكر لها.
بيْد أن الرد اللاذع الذي خطط لاستخدامه مات على شفتيه حينما التفت أخيراً ليلقي نظرة فاحصة على زائرته. كانت «إيبيري» في حالة يُرثى لها. عيناها وأنفها محمران، وكأنها كانت تبكي للتو، وهناك بقعة أرجوانية بشعة تغطي خدها الأيمن وعنقها. لم تبدُ ككدمة، ليس بالضبط، بل أشبه بـ…
أوه، تباً، لا.
بدأ بتردد: “إيبيري… لا أظن أنكِ تدرسين في نفس صف شقيقي، أليس كذلك؟”
جفلت للوراء وأشاحت بنظرها. فتنهد بعمق. رائع جداً.
سألته بعد ثانية من الصمت: “كيف عرفت؟”
أجاب «زوريان»: “أتاني أخي العزيز في وقت سابق من اليوم. وأخبرني بأنه دفع فتاة داخل رقعة من نبات المتسلق الأرجواني وأراد مني أن أعد ‘جرعة مضادة للطفح الجلدي’. لم أكن في المزاج المناسب فصرفته نوعاً ما.”
(الترابط بين الدورات بدأ بالظهور…..)
كانت تلك كذبة في الواقع. فقد اكتشف، خلال الإعادات الثلاث الأخيرة، أن «فورتوف» كان إما عاجزاً أو غير راغب في تعقبه إن أخفق في العودة إلى غرفته بعد الحصص. وكان ذلك في الواقع السبب الرئيسي وراء إمضائه اليوم بأكمله في المكتبة بدلاً من البقاء داخل غرفته.
مع ذلك، وبفضل وضعه الفريد نوعاً ما، فقد كان على علم بما كان سيحدث لو كان حاضراً.
قالت بهدوء: “أوه. هذا…. هذا لا بأس به.”
عارض «زوريان»: “لا. لا، ليس كذلك. لو علمت أنه كان يتحدث عنكِ، لكنت ساعدته. حسناً… لكنت ساعدتكِ أنتِ. أما هو فيمكنه أن يحترق في الجحيم بالنسبة لي.” توقف لبرهة، مفكراً في الأمر. “تعلمين، ليس هنالك ما يمنعني من فعلها الآن. سيتوجب علي فقط التوقف عند غرفتي لجمع المكونات و-“
قاطعته «إيبيري» بسرعة: “لست مضطراً لفعل ذلك. إنه… ليس بتلك الأهمية.”
تفحص «زوريان» مظهرها مرة أخرى. أجل، لا شك أنها كانت تبكي قبل مجيئها إلى هنا. علاوة على ذلك، كان اختيارها للكلمات ملفتاً – فقد قالت إنه غير مضطر لفعل ذلك، وليس أنه لا ينبغي له ذلك، وأنه ليس بتلك الأهمية، وليس أنه غير مهم البتة.(خخخخخخ النساء)
طمأنها: “لا يشكل الأمر مشكلة حقاً. السبب الرئيسي لرفضي في المقام الأول هو أن «فورتوف» هو من طلب ذلك، وليس لكونه بالغ الصعوبة. فقط أخبريني أين يمكنني العثور عليكِ حينما أنتهي.”
قالت بتردد: “إم، أود مرافقتك، إن لم يكن في ذلك إزعاج. أود رؤية كيف يُصنع الترياق. تحسباً لأي طارئ.”
توقف «زوريان» قليلاً. كان ذلك… ينطوي على مشكلة محتملة. ففي النهاية، ستكون ورشة الخيمياء مغلقة في هذا الوقت المتأخر من المساء، وسيتعين عليه اللجوء إلى بعض الأساليب، إيه، غير التقليدية للدخول. بيْد أنه تباً للأمر، ليس وكأنها ستتذكر هذا في الإعادة القادمة.
وهكذا انطلقا نحو شقة «زوريان». بالطبع، لم يكن وقوف «إيبيري» وهي تراقبه من فوق كتفه كافياً، فبمجرد وصوله إلى غرفته أخيراً وجد شخصاً مألوفاً آخر في انتظاره. «زاك»، على وجه التحديد.
للأمانة، لم يكن متفاجئاً جداً برؤية «زاك» ينتظره. فقد كان الفتى يزداد توتراً باطراد خلال جلسات تدريبهم مع اقتراب مهرجان الصيف، ولا شك أن الغزو الوشيك قد أفقده صوابه. ليس وكأنه أخبر «زوريان» قط عن الغزو – فقد كان «زاك» كتوماً بعناد حيال ذلك، بغض النظر عن مدى محاولات «زوريان» لاستفزازه ليزل لسانه بشيء ما.
خلال الأيام القليلة الماضية، استجوبه مسافره الآخر عبر الزمن بشأن خططه لمهرجان الصيف عدة مرات، ملمحاً بشكل غير خفي البتة إلى أن البقاء داخل غرفته سيكون فكرة سيئة. ولأن «زوريان» لا يزال يذكر بوضوح تام كيف سوت إحدى ‘التوهجات’ مبناه السكني بأكمله بالأرض عند بدء الغزو، فقد مال للاتفاق مع «زاك» في هذا الشأن.
لسوء الحظ، بدا أن «زاك» يواجه صعوبة في تصديق أن «زوريان» يتفق معه في هذه النقطة. ولا ريب أنه جاء خصيصاً ليتأكد (مجدداً) من حضور «زوريان» للرقصة.
تساءل «زوريان»، للمرة التي يعلمها الله وحده، عما حدث بالضبط بين «زاك» وتجسيداته السابقة ليترك هذا النوع من الانطباع. هل كان حقاً بهذا العناد قبل الحلقة الزمنية؟
سار مقترباً من «زاك»، الذي كان جالساً على الأرض بجوار بابه، غافلاً تماماً عما يحيط به بينما كان يركز على شيء في راحة يده. لا، الآن وقد اقترب بات بوسعه رؤية أنه كان في الواقع شيئاً فوق راحة يده. قلم رصاص، يدور بكسل في الهواء فوق راحة «زاك». ويبدو أن «زاك» يتقن تمرين دوران القلم أيضاً، وكان يتدرب عليه حالياً بينما ينتظر. ساور «زوريان» رغبة عارمة في رمي كرة زجاجية على جبهة «زاك» ومطالبته بالبدء من جديد، غير أنه عدل عن الفكرة.
يُعزى ذلك بالأساس لعدم حيازته لأي كرات زجاجية في الوقت الحالي.
قال «زوريان»، مفزعاً «زاك» ومخرجاً إياه من شروده: “مرحباً يا «زاك». هل تنتظرني؟”
أكد «زاك»: “أجل.” فتح فمه ليقول شيئاً آخر لكنه لاحظ «إيبيري» تسير خلف «زوريان» فأطبق فمه فجأة. “إيه، هل أقاطع شيئاً ما؟”
تنهد «زوريان»: “لا، ليس حقاً. لقد جئت فقط لأخذ بعض المؤن الخيميائية ثم سأذهب لأصنع شيئاً للآنسة «آمبركومب» هنا. ماذا أردت مني؟”
قال «زاك» بازدراء: “إيه، يمكن للأمر أن ينتظر قليلاً. ماذا تصنع؟ لربما يمكنني المساعدة – فأنا بارع جداً في الخيمياء.”
سأل «زوريان» بشخرة ساخرة: “وهل هنالك شيء لست بارعاً فيه؟”
تمتم «زاك»: “ستتفاجأ.”
راقبت «إيبيري» تفاعلهما بصمت، غير أن «زاك» كان شخصاً اجتماعياً للغاية، لذا فبحلول الوقت الذي عاد فيه «زوريان» من غرفته حاملاً صندوقاً من المؤن، كان الاثنان منخرطين في محادثة حيوية. والتي تمحورت في الغالب حول حالة «إيبيري» الحالية.
علق «زاك»: “يا رجل، لم أكن أعلم أن شقيقك وغد هكذا يا «زوريان». لا عجب أنك أصبحت… إيه…”
وتلاشى صوته حينما رفع «زوريان» حاجبه نحوه، متحدياً إياه أن يكمل تلك الجملة. بيْد أن رد فعل «إيبيري» كان أكثر وضوحاً.
احتجت: “إنه ليس وغداً! لم يقصد أن يحدث هذا.”
أصر «زاك»: “غير أنه كان ينبغي عليه إصلاح الأمر. سواء عن قصد أم لا، لقد كان ذلك خطأه. ولم يكن يجدر به إلقاء مسؤوليته على عاتق شقيقه الأصغر هكذا.”
قالت «إيبيري»: “لم يجبر أحد «زوريان» على فعل أي شيء. إنه يفعل هذا بمحض إرادته. أليس كذلك يا «زوريان»؟”
وافق «زوريان»: “صحيح. أنا أفعل هذا لأنني أرغب في ذلك.”
لقد اتفق في الواقع مع «زاك»، بيْد أنه آثر عدم قول ذلك. فإن كان قد تعلم شيئاً عن «إيبيري» من إمضائه إعادة كاملة بصحبتها، فهو أنها تكن إعجاباً هائلاً لـ«فورتوف». ولن يتأتى أي خير من التحدث عنه بسوء أمامها. علاوة على ذلك، وإن كان صادقاً مع نفسه، تعين على «زوريان» الاعتراف بعجزه عن التزام الموضوعية حيال «فورتوف». فلطالما كانت هناك دماء فاسدة كثيرة بينهما.
لحسن الحظ، اتفق الاثنان سريعاً على ألا يتحدثا حول هذا الموضوع، خيم صمت مريح على المجموعة. حسناً، كان مريحاً لـ«زوريان» – الا أن «زاك» لم يشاطره الرأي.
سأل «زاك»: “مهلاً يا «زوريان»، لماذا نتجه نحو الأكاديمية نفسها؟”
أجاب «زوريان»: “لكي أتمكن من دخول ورشة الخيمياء، بالطبع.” كان يدرك ما يرمي إليه «زاك» بطبيعة الحال، بيْد أنه لا يزال يأمل في الإفلات دون الكشف عن إحدى أكثر حيله التي يبقيها طي الكتمان.
للأسف لم يحالفه الحظ في ذلك.
لاحظ «زاك»: “لكن كافة الورش تكون مغلقة في هذا الوقت المتأخر من المساء.”
هتفت «إيبيري»: “آه! إنه محق! لقد أُغلقت منذ ساعتين!”
طمأنهم «زوريان»: “لن يشكل الأمر مشكلة. طالما أننا نظفنا المكان خلفنا، فلن يعلم أحد قط بوجودنا هناك.”
أشار «زاك»: “بيْد أن الباب مقفل.”
تنهد «زوريان»: “ليس أمام السحر.”
سأل «زاك» بنبرة متفاجئة: “أنت تعرف تعاويذ فك الأقفال؟”
تفهم «زوريان» دهشته – فتعاويذ فك الأقفال تُعد من السحر المقيد، نظراً لاحتمالية إساءة استخدامها الجلية. وما لم تكن تمتلك ترخيصاً خاصاً، فحتى مجرد معرفة كيفية إلقائها يُعد جريمة. لم تكن جريمة خطيرة بشكل خاص، بيْد أنها ظلت جريمة في نهاية المطاف.
لربما كان من حسن الحظ، إذن، أن «زوريان» لم يكن يعرف تعويذة فك أقفال واحدة.
+++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
حسنا قررت ترجمة بصع فصول قبل ان اسافر….