الفصل 25 - أم التعلم.
الفصل 25: أم التعلم.
قالت «إيلسا»: “تفضل بالجلوس يا سيد كازينسكي. لقد ساورني شك نوعاً ما بأنني سأراك قريباً.”
سأل «زوريان»: “حقاً؟”
أجابت «إيلسا»: “أوه أجل. عادة ما يطرق الطلاب بابي فور انتهائهم من جلسة واحدة مع «كزفيم». غير أنك انتظرت فعلياً حتى الجلسة الثانية، لذا تُحسب لك نقاط على صبرك.”
قال «زوريان» بامتعاض: “صحيح.”
واستطردت: “بيْد أنه لا يسعني نقلك لمرشد آخر في الوقت الراهن، لذا أخشى أنه سيتعين عليك تحمله في الوقت الحالي.”
قال «زوريان»: “لقد توقعت ذلك نوعاً ما.” فَلِمَ قد تختلف إجابتها عما كانت عليه في المرة السابقة التي سألها فيها؟ فأردف: “لست هنا من أجل ذلك.”
سألت «إيلسا» رافعة حاجبها: “لا؟”
أكد «زوريان»: “لا. نظراً لأن كل ما سمعته واختبرته عن «كزفيم» يوحي بأننا لن نتجاوز قط المهارات الثلاث الأساسية، فقد قررت أن أكون استباقياً حيال دراستي الذاتية. كنت آمل الحصول على بعض التوجيهات منكِ – من أين يجدر بي البدء، ما الذي يجب عليّ الحذر منه، وما إلى ذلك من أمور.”
تنهدت «إيلسا» بعمق: “من الصعب إسداء هذا النوع من النصائح يا سيد كازينسكي. لهذا السبب توفر الأكاديمية مرشدين للطلاب – لعدم وجود حل واحد يناسب الجميع. رغم ذلك، أظن أنه بوسعي تقديم نصيحة لك حول مادتي الخاصة. ما مدى براعتك في المهارات الثلاث الأساسية؟”
أجاب «زوريان»: “يعتمد الأمر على من تسألين. فمعظم معلمي سنتي الثانية أخبروني بأنني أتقنتها. في حين يرى «كزفيم» أنني وصمة عار على السحرة في كل مكان.”
شخرت باستهزاء ثم ناولته قلماً. لقد ناولته إياه بالفعل، بدلاً من رميه نحوه كما كان ليفعل «كزفيم». آه، ما أروع متعة التعامل مع معلمين أسوياء…
أمرته «إيلسا»: “اجعل هذا يطفو.”
لم تكد تنهي حديثها حتى كان القلم يدور بالفعل فوق راحة يده الممدودة.
قالت «إيلسا» بنبرة راضية: “أوه، إذن يمكنك بالفعل جعل الجسم الطافي يدور؟ أراهن أن «كزفيم» كان سعيداً جداً بذلك.” لا، ليس حقاً. فسألته: “هل تعرف أي تنويعة أخرى؟”
أجاب «زوريان»: “لا. لا تخبريني أن تعلم تلك التنويعات يُعد إجراءً معتاداً؟”
أوضحت «إيلسا»: “ليس بالطريقة التي يعلمها بها «كزفيم». بيْد أنه نعم، معظم المرشدين سيكلفون طلابهم بتنويعات من المهارات الثلاث الأساسية بغية صقل مهاراتهم في التشكيل.”
سأل «زوريان»: “وكم عدد تلك التنويعات الموجودة؟”
قالت «إيلسا»، مؤكدة شكوك «زوريان»: “أوه، الآلاف. غير أن معظم الطلاب لا يتعلمون سوى 6 تقريباً بحلول نهاية عامهم الثالث. خذ هذا.”
دفعت كتاباً ثقيلاً نوعاً ما بين يديه، ثم انتظرت بصبر حتى يتصفحه. بدا أنه كتاب يصف 15 تنويعة “مثيرة للاهتمام بشكل خاص” من المهارات الثلاث الأساسية، بواقع 5 لكل تمرين.
تنهد «زوريان»: “دعيني أحزر: تريدين مني تعلم كل ما بداخل هذا الكتاب.”
شخرت «إيلسا» قائلة: “ستكون تلك حيلة رائعة بحق. ألم تسمع ما قلته؟ يتعلم معظم الناس 6 تنويعات أو أقل… في غضون عام. وعلى الأرجح ستكون قد أنهيت دراستك في الأكاديمية بحلول الوقت الذي تتعلم فيه كل ما بداخل ذلك الكتاب. هذا بافتراض رغبتك في ذلك طبعاً – فأنا لا أجبرك على فعل أي شيء.”
سأل «زوريان» بحذر، بينما تتبلور فكرة في ذهنه: “6 في عام، هاه؟”
أكدت «إيلسا»: “هذا صحيح.”
استطرد «زوريان»: “إذن ماذا لو تمكنت من إتقان الـ 15 جميعها قبل انقضاء هذا الشهر؟”
حملقت «إيلسا» فيه لثانية قبل أن تنفجر ضاحكة. ثم استغرقها الأمر بضع ثوانٍ لتهدأ.
قالت «إيلسا» ضاحكة بخفوت: “يا إلهي، ألست واثقاً من نفسك؟ لو كنت حقاً بتلك البراعة، لملأت استمارات النقل في هذه اللحظة بالذات، فلتذهب اللوائح للجحيم، ولاتخذتك تلميذاً لي. فلن أفوت قط فرصة لتعليم أسطورة في طور التكوين كهذه. رغم أنني لا أعتقد أنه بوسعك فعل ذلك، لكي نكون واضحين.”
اكتفى «زوريان» بمنحها ابتسامة شريرة.
بالطبع، لم تكن هناك أدنى فرصة ليتمكن «زوريان» من إتقان كافة التمارين الـ 15 في هذه الإعادة تحديداً، بيْد أن ذلك لم يكن بيت القصيد. فبفضل أعجوبة الحلقة الزمنية، امتلك ما يفوق بضعة أسابيع بائسة بكثير لتعلم محتويات الكتاب. كما أنه كان متاحاً في مكتبة الأكاديمية، لذا فلن يضطر للجوء إلى «إيلسا» في الإعادة القادمة للحصول عليه. ومن يدري، لربما لو تعلمها لتمكن من دفع «كزفيم» للتساهل معه قليلاً أيضاً. يحق للمرء أن يحلم.
علاوة على ذلك، كان الكتاب في الواقع مثيراً للاهتمام إلى حد ما. فهو لم يكتفِ بشرح كيفية أداء كل تنويعة بتفصيل دقيق، بل أوضح أيضاً الدوافع وراء إدراج كل تمرين بعينه، فضلاً عن تقديمه خلفية لفهم سبب تلقين المهارات الثلاث الأساسية للطلاب في المقام الأول. فألقى «زوريان» نظرة سريعة للتعرف على كل تنويعة من التنويعات قبل أن يشرع في القراءة بجدية من البداية.
جعل جسم يتوهج، أو يطفو، أو يشتعل… كانت تلك تأثيرات بسيطة جداً، ولا تتطلب سوى مهارات تشكيل بدائية.
فتمرين الطفو، على سبيل المثال، لم يكن سوى قوة تنافر تنبعث من راحة الساحر. ولا يمكن للأمر أن يكون أبسط من ذلك.
لقد كان هناك في الواقع الكثير من هذه التأثيرات البسيطة، والتي تفوق يقيناً الثلاثة التي تعلموها، غير أن هذه الثلاثة اعتبرت أولوية. فإصدار الضوء، أو الحرارة، أو القوة الحركية، شكلت مكونات شائعة في العديد من التعاويذ، مما أضفى على المهارات الثلاث الأساسية نوعاً من الفائدة العامة التي تفتقر إليها معظم التمارين البسيطة الأخرى.
أما التنويعات المدرجة في الكتاب، فلم تندرج ضمن نفس فئة هذه التمارين البسيطة أو التمهيدية. ورغم أن «كزفيم»، و«إيلسا»، والكتاب ذاته أشاروا إليها بـ ‘التنويعات’، فقد أدرك «زوريان» أنها أقرب لـ ‘ترقيات’، أو ربما ‘إصدارات متقدمة’.
لم يدرك ذلك في حينه، بيْد أن تمرين دوران القلم – والذي كان أول تنويعة موجزة في الكتاب، وإن كان تحت مسمى أكثر فخامة – انتمى لفئة صعوبة مختلفة تماماً عن مجرد جعل القلم يطفو فوق راحة يده. إذ لم يقتصر الأمر على الحفاظ على تأثير الطفو على القلم، بل تحتم عليه أيضاً تشكيل تأثير إضافي لجعله يدور. وكان يُفترض بهذه التنويعة تعليم السحرة كيفية القيام بمهام متعددة، عبر إجبارهم على الحفاظ على تأثيرين في آن واحد.
ورغم أن «كزفيم» كان ليعترض، اعتبر «زوريان» تمرين دوران القلم خاصته متقناً، بدا أن التوجيهات الواردة في الكتاب تتفق معه.
بناءً على ذلك، انكب على دراسة التنويعات الأربع الأخرى لتمرين الطفو، محاولاً تحديد أيسرها. ليدرك سريعاً أنها لم تُرتب بترتيب تصاعدي في الصعوبة فحسب، بل إن إتقان التنويعات اللاحقة يتطلب على الأرجح إتقان السابقة لها أولاً.
فالطفو العمودي تطلب منه جعل جسم يلتصق براحة يده بقوة تجاذب، ثم توجيه راحته عمودياً، وبعدها جعل الجسم ينفصل عن راحته دون أن يسقط. كان جزء الالتصاق سهلاً، ومما يتقنه «زوريان» سلفاً، غير أن جعل الجسم يطفو مبتعداً عن الراحة دون أن يسقط استوجب منه موازنة قوة التجاذب التي تربط الجسم براحته مع قوة التنافر التي تجعله ينفصل عنها.
لولا قدرته على تعدد المهام التي اكتسبها من تمرين دوران القلم، لاستغرق منه إتقان هذا التمرين دهراً على الأرجح.
تلا ذلك طفو الموضع الثابت، والذي تطلب القدرة على الحفاظ على موضع الجسم الطافي في الفضاء رغم الاضطرابات والتغيرات في الظروف الأولية. بعبارة أخرى، توجب عليه أن يكون قادراً على تحريك يده لأعلى ولأسفل، يميناً ويساراً، مع الإبقاء على الجسم الطافي ثابتاً في الفضاء. مما تطلب القدرة على موازنة قوة التجاذب والتنافر التي يُفترض أنه اكتسبها من تمرين الطفو العمودي، بيْد أنه كان ملزماً هذه المرة بتعديل التوازن باستمرار استجابة للتغيرات.
وهلم جرا. ولرؤيته أن هناك ترتيباً صحيحاً واحداً فقط لتعلم هذه التمارين، شرع «زوريان» في التدرب على الطفو العمودي. وللأسف، فلن يتسنى له إنجاز الكثير في هذه الإعادة تحديداً.
فمهرجان الصيف بات يقترب.
++++++++++++++++++++++
التدقيق والترجمة: the honord one
حسنا يبدو ان دفعة اليوم ستقتصر على هذا…..