الفصل 21 - السحر القتالي.
الفصل 21: السحر القتالي
حينما عاد «زوريان» أخيراً إلى المدرسة، بعد تفويته لما تبقى من حصة “الاستدعاءات الأساسية” والمحاضرة التالية حول القانون السحري، وجد نفسه محاصراً بزملاء صفه الفضوليين وبـ«أكو». كان التعامل مع «أكو» يسيراً، إذ اقتصر مبتغاها على توبيخه لتأخره وتحذيره من تسجيلها لغيابه في كشف الحضور.
كان «زوريان» شبه متيقن من أن «أكوجا» هي الشخص الوحيد—بما في ذلك المعلمون—الذي يكترث لما يُدون في تلك القائمة. أما أولئك الذين أرادوا معرفة ما ألمّ بـ«زاك»، فكان التعامل معهم سهلاً أيضاً. حادث خيميائي.
ماذا؟ إنه العذر ذاته الذي استخدمه «زاك»!
لسوء الحظ، أراد الكثيرون أيضاً معرفة سبب تطوعه المفاجئ لإيصاله إلى المنزل، أو ما الذي أخره كل هذا الوقت. أناس فضوليون، حشريون حقاً. لقد كانوا ملحّين جدا، إذ أبوا تركه وشأنه لبقية اليوم. حينما بلغ «زوريان» غرفته أخيراً، أوصد بابه على الفور وتنفس الصعداء. لقد حظي أخيراً بالوقت الكافي للتفكير ملياً فيما اكتشفه اليوم.
كان «زاك» واثقاً من تعافيه بحلول الغد، ومن استعادة ذاكرته. بيْد أن «زوريان» لم يشاركه تلك الثقة البتة. فكون «زاك» يعاني من فجوة مدتها 7 أشهر في ذاكرته (وربما في وجوده أصلاً) يوحي بأن أمراً بالغ الخطورة قد اقتُرف بحقه. لماذا لم يعانِ «زوريان» من أي شيء من هذا القبيل؟ حسناً… لربما عانى بالفعل. لقد شعر بإرهاق غير معهود في إعادته الأولى، لكنه أرجع ذلك للإجهاد الذهني. ربما لم يطله سوى أطراف التعويذة فتعرض لضرر طفيف فحسب، أو ربما كانت “إعادته الأولى” مجرد الأولى التي يحتفظ بذكرى لها.
كان احتمالاً مزعجاً، بيْد أنه لم يرَ طائلاً من التفكير فيه مطولاً.
في واقع الأمر، لم يكن ذلك مستبعداً تماماً عند التفكير فيه بتمعن. فتأثير السفر عبر الزمن الغريب الذي يخضعان له قد حوّلهما فعلياً إلى كيانات روحية. والليتش، في جوهره، كان كياناً روحياً أيضاً. فهم سحرة قتلوا أنفسهم طقوسياً وربطوا أرواحهم بأداة – جرة أرواحهم (فايلاكتري) – قبل أن يتسنى لها الانتقال إلى الحياة الآخرة.
إن دُمر الشكل الذي يقطنونه حالياً، فسيعودون بسرعة لوعاء أرواحهم، ثم يستحوذون ببساطة على شخص آخر. ومن المنطقي أن يعرف الليتش كيف يقاتل ليتشاً آخر. والأسلوب الذي ينجح ضد ليتش سينجح بنفس الكفاءة ضده وضد «زاك».
لقد تفوه «زاك» بغباء بهذا المعنى تحديداً أمام الليتش في نهاية معركتهما! “ليس وكأنني سأموت للأبد”، بالفعل! ربما لم يدرك الليتش ماهية «زاك» بالضبط، بيْد أن تصريحاً كهذا يوحي بشدة بأنه إما ليتش هو الآخر أو نوع من كيانات الاستحواذ، ومن الناحية العملية لم يكن ذلك بعيداً عن الحقيقة.
غير أن هذا كله لم يكن لب المشكلة. فالسؤال الحقيقي كان: ما الذي سيفعله الآن؟ حتى لو استعاد «زاك» ذكرياته (وهو أمر مستبعد)، فلا شك أنه سيرغب في استمرار الحلقة الزمنية حتى يجد سبيلاً لهزيمة الليتش. وإن كان شجار الفتى السابق مع الساحر من الأموات الأحياء يحمل أي دلالة، فقد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً. وهذا بافتراض أن «زاك» هو منشئ التعويذة من الأساس. فإن حدث الأمر مرة، فقد يحدث مرتين.
ساوره شك خفي بأن «زاك» قد يكون متطفلاً على الحلقة بقدر ما كان هو. هل كان هناك شخص ثالث يدور في الحلقة ويجوب الأرجاء؟
فجأة، لم يعد يشعر باليأس للخروج من هذا المأزق كما كان في بدايته. فالخروج قد لا يعني بالضرورة العودة إلى الوضع الطبيعي. كان من الجلي أن الغزو أضخم من مجرد هجوم إرهابي عشوائي، ساور «زوريان» شك في أن إيقافه لن يكون نهاية المطاف. ثمة أمر جسيم يحدث، ولم يكن «زوريان» سوى سمكة صغيرة جداً.
صرصور، كما يحلو لـ«تايفين» أن تنعته بلطافة. وفي داخل الحلقة الزمنية، كان يمتلك فرصة لتأمين مستقبله. أما خارجها، فلم يكن سوى ضحية أخرى.
علاوة على ذلك، إن كان لـ«زاك» أن يُصدق، فإن “الوضع الطبيعي” بالنسبة لـ«زوريان» كان يعني قتله في بداية الغزو. ولم يكن يكترث كثيراً لهذا النوع من “الوضع الطبيعي”. في الواقع، كلما أمعن التفكير في الأمر، بدا له هذا الموقف برمته بمثابة فرصة عظيمة بدلاً من كونه مصدر إزعاج. ففي سالف الزمان، عندما كان «زوريان» أصغر سناً، حلم بأن يكون ساحراً عظيماً.
من ذلك النوع الذي تُنسج حوله الأساطير، والذي يُحدث ثورة في مجالات السحر بأكملها بمفرده. وبمرور الوقت، تهاوى هذا الحلم حينما غدا جلياً افتقاره للموهبة، وأخلاقيات العمل، والعلاقات المناسبة لتحقيق ذلك. لم يكن سوى طالب من أصل مدني، يتجاوز المتوسط بقليل، ولا يمتلك أي مزايا خاصة تُنسب إليه. لكن الآن؟ بات يمتلك كل الوقت الذي يحتاجه لبناء تفوق على أقرانه، ليصبح عظيماً بحق. أعظم من «دايمن».
{{{{{{{دايمن هو أخوه لي في قارة أخرى }}}}}}}
نفض رأسه، متخلياً عن حبل أفكاره هذا. لقد كان يستبق الأحداث. كان بحاجة لشيء أكثر واقعية من مفهوم غائم للعظمة ليرشده – مجموعة واضحة من الأهداف ليحققها، ومسارات عمل ليتبعها.
في الوقت الراهن، جل ما أمكنه التفكير فيه هو إزعاج «زاك» للحصول على بعض النصائح، والإغارة على المكتبة بحثاً عن المزيد من التعاويذ، واستغلال وضعه المالي الغريب لتطوير مهاراته الخيميائية.
كان متوجساً من الاعتماد على «زاك» للحصول على المساعدة. فحتى لو أبدى الفتى تعاوناً، فإن ما يمكنه تعلمه من المسافر الآخر عبر الزمن يظل محدوداً دون أن يكشف أنه هو الآخر يحتفظ بذكرياته في كل مرة يُرجعون فيها إلى الماضي.
بالطبع، كانت المكتبة تزخر بالتعاويذ، بيْد أن أي شيء “جدي” (أي ما يمكن استخدامه في القتال، أو الجريمة، أو التجسس) كان مقيداً، وعلم من خلال حديثه مع الطلاب الأكبر سناً أن المعلمين كانوا بخلاء جداً في منح تصاريح الإذن. فحتى «فورتوف» لم يفلح في الحصول على واحد، وهو من يمكنه بسحره إقناع غول ترول بعدم التهامه.
أما صقل مهاراته الخيميائية فكان بالتأكيد خياراً متاحاً. فالسبب الوحيد الذي جعله يركز بشكل أكبر على الاستدعاء حتى الآن هو اضطراره لشراء أي مكونات يرغب في العمل بها، ومحاولاته لادخار المال. فأي دراسة جادة للخيمياء تتطلب الكثير من الأموال – فالمكونات الخيميائية باهظة الثمن.
غير أنه، ومع تجدد رصيد مدخراته تلقائياً بعد كل إعادة، لم تعد المخاوف المالية تعيقه كما كان الحال في السابق.
وبكل صراحة، لم يكن هذا كافياً. كان بحاجة لخطة أفضل. مع تنهيدة أخرى، أخرج «زوريان» دفتر ملاحظاته الموثوق وشرع في التخطيط والتدوين.
سأل «كايرون»: “هل هناك ما يمكنني فعله لأجلك يا بني؟ لقد انتهت الحصة، في حال لم تلحظ ذلك.”
أجاب «زوريان»: “إيه، لقد لاحظت. أردت فقط التحدث إليك بشأن أمر ما.” فأشار له «كايرون» بمواصلة الحديث. “آمل ألا تعتبر الأمر إهانة، بيْد أن برنامجك المعلن يبدو… سهلاً بعض الشيء. فالتدرب على القذيفة السحرية لشهر كامل يبدو لي بلا جدوى نوعاً ما، إذ أنني أتقنها بالفعل إلى حد كبير.”
حدق فيه «كايرون» لثوانٍ معدودة. فكبح «زوريان» غريزته للتململ بتوتر في مكانه وبادله التحديق. بدا «كايرون» كشخص قد يثير إعجابه تصرف كهذا.
قال «كايرون» أخيراً: “آمل ألا تعتبر الأمر إهانة يا بني، بيْد أنك ببساطة لا تمتلك القوة الكافية لتكون ساحر قتال حقيقي. مهاراتك في التشكيل مثيرة للإعجاب حقاً بالنسبة لسنك، لكنك تتعب بعد 10 طلقات فقط من الصولجان. وهذا لن يجدي نفعاً في أي قتال جدي.”
اعترف «زوريان»: “حسناً، أنا أدرك ذلك نوعاً ما.” لقد زادت احتياطياته قليلاً عما كانت عليه حينما بدأ هذه الحصة لأول مرة، لذا كانت 10 طلقات تُعد تحسناً في الواقع. “بالمناسبة، هل هناك أي شيء يمكنني فعله حيال ذلك؟”
أجاب «كايرون» وهو يهز رأسه: “لا شيء يمكنني التوصية به. ستنمو احتياطياتك من المانا مع تنامي براعتك في السحر بالطبع، بيْد أن هذا ينطبق على الجميع أيضاً. ستكون دائماً في موقف ضعف أمام الخصوم الأقوياء بالفطرة، والذين يشكلون غالبية سحرة القتال المحترفين. بالطبع، لا يمكنني منعك من السعي لمهنة ساحر قتال، بيْد أنني أنصحك بشدة بعدم فعل ذلك. هناك الكثير من التخصصات السحرية التي تُعد فيها مهارات التشكيل العظيمة ميزة، غير أن السحر القتالي يتمحور في الغالب حول القوة.”
قال «زوريان»: “فهمت.” لم يكن ينوي أن يصبح ساحر قتال، بيْد أنه ساوره شعور بأنه سيحتاج لبعض السحر القتالي، سواء راق له الأمر أم لا. فقد رغب على أقل تقدير في أن يكون قادراً على التعامل مع أي ذئاب شتاء أو ترول طائشة قد يصادفها أثناء الغزو. “رغم ذلك، لا تزال وجهة نظري قائمة. بما أنني أستطيع بالفعل إلقاء التعويذة بشكل جيد بما يكفي، وهذا هو الشيء الوحيد الذي تنوي تعليمنا إياه في المستقبل المنظور، فلا أرى جدوى تذكر من حضور الحصة في المستقبل المنظور.”
شخر «كايرون» باستهزاء: “همف. هل تحاول ابتزازي يا بني؟”
“إيه…”
فرك «كايرون» ذقنه لثانية، مقلباً فكرة ما في رأسه: “لا بأس، لا أمانع. وأنا أتفهم وجهة نظرك هنا… انتظر هنا.”
وبعد 15 دقيقة عاد «كايرون» حاملاً صولجاناً سحرياً آخر، وكتيباً صغيراً، وأربعة أطباق سيراميك. فرمى الأطباق نحو «زوريان»، الذي سارع بالتقاطها قبل أن تتحطم على الأرض.
أثنى «كايرون»: “ردود أفعال جيدة. إنها مقواة في الواقع، لذا لا داعي للقلق كثيراً من إسقاطها.” ثم أخذ أحد الصولجانات السحرية التي استخدموها في الحصة وقبض عليه بحزم. “دعني أوضح لك شيئاً. ارمِ أحد الأطباق إلى يساري.”
امتثل «زوريان» على الفور، فوجه «كايرون» الصولجان بصمت نحو الاتجاه العام للطبق وأطلق النار. ورغم أن تصويبته كانت بعيدة عن الهدف، إلا أن صاعقة القوة تتبعت الطبق في الواقع، منحنية في الهواء لاعتراضه. فتحطم الطبق وتحول إلى غبار وشظايا حادة.
صاح «كايرون»: “مجدداً.”
رمى «زوريان» طبقاً آخر، فانطلقت نحوه صاعقة قوة أخرى. بيْد أن هذه كانت مختلفة – كانت أطول وأرفع، كإبرة ضخمة. ضربت الطبق، ولكن بدلاً من تحطيمه إلى أشلاء، نفذت عبره مباشرة، محدثة ثقباً في وسطه قبل أن تتلاشى.
أمره «كايرون»: “ارمِ الطبقين الأخيرين معاً.”
تطاير الطبقان في الهواء، ووجه «كايرون» الصولجان مجدداً نحو اتجاههما العام. انتظر «زوريان» صاعقة القوة، بيْد أنه لم يظهر أي شيء. وعوضاً عن ذلك، قُطع كلا الطبقين فجأة إلى نصفين بشفرات غير مرئية.
أنزل «كايرون» يده وبدأ في التحدث.
قال «كايرون»: “السبب الذي يجعلني أمضي كل هذا الوقت في التدريب على القذيفة السحرية هو كونها تعويذة بالغة التنوع. ففي أبسط صورها، تتخذ شكل صاعقة ساطعة من القوة تنطلق في خط مستقيم، لتسدد ضربات ارتجاجية من القوة لأي شيء تصطدم به. يُطلق على هذا المتغير غالباً اسم ‘المُحطم’ (smasher)، وهو تعويذة بسيطة جداً وفعالة. غير أن الساحر الماهر يمكنه فعل الكثير بها. يمكنك استخدام سحر التحريك لجعلها تتتبع هدفاً. ويمكنك شحذها لتصبح نقطة تخترق الأشياء بدلاً من تحطيمها، أو خطاً لقطعها – ‘المُخترق’ (piercer) و’القاطع’ (cutter)، على التوالي. يمكنك إطلاق قذائف متعددة بدلاً من واحدة – حتى كسرب، إن كنت تمتلك الاحتياطيات والمهارة لتنفيذ ذلك. وبالطبع، يمكنك جعل المقذوف غير مرئي.”
سأل «زوريان»: “غير مرئي؟”
أكد «كايرون»: “أجل. تعويذة القوة المُلقاة بصورة مثالية تكون شفافة تماماً. عرض الضوء الذي تراه عادة هو تسرب سحري ناتج عن حدود تعويذة غير مثالية. فالسرعة التي يُلقى بها السحر القتالي تضمن تقريباً وقوع بعض الأخطاء في بناء حدود التعويذة، وحتى في حال عدم وقوع أي أخطاء، فإن الكميات الهائلة من المانا التي تُضخ في البنى السحرية يمكن أن تشوه بسهولة بعض الأجزاء أو تفككها.”
لخص «زوريان» الأمر وهو يفكر في المقذوفات الساطعة الإشعاع التي يحصل عليها دائماً حينما يستخدم الصولجان: “إذن أنا أفسد التعويذة؟ لحظة، قذائفك تضيء عادة أيضاً. هل هذا-“
ضحك «كايرون» بخفوت: “كما قلت في البداية – هناك الكثير من التخصصات السحرية التي تُعد فيها مهارات التشكيل العظيمة ميزة، غير أن السحر القتالي يتمحور في الغالب حول القوة. لا يستطيع معظم سحرة القتال حتى جعل قذيفة سحرية بسيطة شفافة، ناهيك عن تعاويذ القوة ذات المستويات الأعلى. ولا يعيقهم ذلك البتة. حتى أنا عادة لا أكلف نفسي عناء ذلك، نظراً لأن الفوائد هامشية جداً. أما أنت، من ناحية أخرى، فتحتاج إلى كل ميزة يمكنك الحصول عليها.”
دفع «كايرون» الصولجان السحري والكتيب المرفق به بين يدي «زوريان».
++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
غبت عنكم لمدة يومين تقريبا بعد اخر دفعة حسنا ها انا ذا بذفعة جديدة اليوم….