الفصل 20 - رعب الحلقة.
رغم أن أن «زاك» كان قد بدأ بالفعل في حزم أمتعته، لم يسعَ «زوريان» سوى أن ينفخ بانزعاج ويتبعه. مع ذلك، أجاب انفجار «زاك» الصغير على بعض تساؤلاته. إذن لم تكن ذكرياته، ولا حتى عقله هو ما أُرسل إلى الماضي – بل كانت روحه.
ذلك يفسر بالتأكيد سبب عدم اختفاء براعته في إلقاء التعاويذ ومهارات التشكيل السحري في كل مرة يبدأ فيها من جديد. فمن المتعارف عليه أن السحر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح، حتى وإن لم يدرك أحد حقاً الآلية الدقيقة لتفاعلهما.
حينما بلغا النافورة أخيراً، بدا «زاك» في مزاج تأملي، لذا استغل «زوريان» اللحظة لتأمل أسراب الأسماك الزاهية الألوان التي تسبح في حوض النافورة.
في الواقع، رثى لحال تلك المخلوقات البائسة، إذ من المستبعد أن تعمر طويلاً. فقد ظلت النافورة مهملة لسنوات، ولم تُرمم إلا بفضل مهرجان الصيف الذي كان أضخم من المعتاد. فما هو احتمال أن تواصل الأكاديمية صيانتها بعد انقضاء المناسبة؟ ليس كبيراً. بل إن احتمال الحفاظ عليها في حالة جيدة بما يكفي لنجاة الأسماك كان أضعف من ذلك بكثير. أيامها معدودة لا محالة.
استحثه «زاك»: “زوريان…”
“همم؟”
“أخبرني… ماذا تعرف عن السفر عبر الزمن؟”
طرف «زوريان» بعينيه. حسناً. كان ذلك مباشراً جداً.
سأل «زوريان» متصنعاً قدراً كبيراً من الحيرة: “السفر عبر الزمن؟ ليس الكثير، كما أظن. ما علاقة ذلك بأي شيء؟”
تلعثم «زاك» بكلماته وهو يحك ذقنه بتوتر: “أخ، حسناً… لربما تظنني مجنوناً، بيْد أنني نوع من المسافرين عبر الزمن.”
واو، «زاك» لا يمتلك ذرة من الدهاء والمواربة في جسده، أليس كذلك؟
علق «زوريان»: “لا تبدو طاعناً في السن. إن كنت قادماً من المستقبل، فلا بد أنه ليس مستقبلاً بعيداً جداً.”
“لا، لا، الأمر أشبه بـ… العالم بأسره يعيد ضبط نفسه في ليلة مهرجان الصيف، وأنا الوحيد الذي يتذكر ما حدث.”
كانت تلك طريقة مثيرة للاهتمام في التفسير، رغم أن فكرة وجود تعويذة تؤثر على العالم بأسره بدت أشد سخافة من فكرة السحر الفعال للسفر عبر الزمن.
استطرد «زاك»: “لقد عشت هذا الشهر… يا إلهي، على الأقل 200 مرة حتى الآن. بصراحة، بدأت أفقد الحساب.”
{{{{{{انتو متخيلين الرقم؟ حوالي الستة عشر سنة ونصف من اعادة نفس الشهر مرارا وتكرار والموت..}}}}}}
قال «زوريان»، عاجزاً عن إخفاء نبرة من الهلع في صوته: “لحظة، أنت تتحدث عن الأمر وكأنك تعجز عن إيقافه.” ولحسن الحظ، بدا «زاك» مضطرباً جداً لدرجة لم تلحظ معها نبرته.
صاح «زاك»: “هذا هو الأمر تحديداً، أنا لا أعرف ما إن كان بوسعي إيقافه!” ثم أدرك ما يفعله فخفض صوته لئلا يجتذب انتباهاً لا طائل منه. “لقد أُصبت بهذه التعويذة في الإرجاع السابق، ولم تزل آثارها كلياً حينما أُرجعت إلى الماضي.”
قطب «زوريان» حاجبيه. ‘الإرجاع السابق’؟ وماذا عن الإعادات السبع الأخرى؟ هل تخطاها «زاك» بطريقة ما أم أنه ببساطة لا يتذكرها؟ تبادر إلى ذهن «زوريان» أن الآثار اللاحقة لتعويذة الليتش ربما كانت أكثر خطورة مما يبدو عليه الآن – ماذا لو أمضى «زاك» الإعادات السبع الماضية في غيبوبة؟ غير أن ذلك يطرح تساؤلاً حول سبب إبلاغ وصيه عن اختفائه بدلاً من إحضار معالج.
أردف «زاك»: “أخمن أنها كانت حقاً تعويذة سحر الروح كما قلت. لا بد لي من الحذر من أمثالها من الآن فصاعداً. على أية حال، ظننت في البداية أنه مجرد مرض خبيث وسيزول، وكنت محقاً إلى حد ما. أشعر الآن بتحسن كبير مقارنة بما كنت عليه هذا الصباح. بيْد أن الأمر لم يقتصر على جسدي – فعقلي مشوش بعض الشيء منذ أن استيقظت.”
أوه لا…
اختتم «زاك» حديثه، مؤكداً مخاوف «زوريان»: “لا أتذكر كيف بدأت هذه الحلقة الزمنية. أو ما إن كنت أنا من بدأها من الأساس. ذاكرتي مليئة بالفجوات هكذا في الوقت الراهن. آمل أن تعود إلي كل ذكرياتي بيْد أن…”
حملق «زوريان» في الفتى الآخر بوجه متحجر. باختصار، كلاهما غارقان في ورطة حقيقية.
إلا أن «زاك» بدا وكأنه فسر نظرة «زوريان» الجادة بشكل مختلف قليلاً.
استنتج: “أنت لا تصدقني.”
قال «زوريان»: “الأمر مستبعد جداً.” ولولا أنه عاشه بنفسه، لما صدقه قط. “لكنني شخص متفتح الذهن. لنتظاهر بأنك محق في الوقت الحالي. ما علاقة ذلك بي؟”
رفع «زاك» حاجبه نحوه، غير مصدق لأمر ما على ما يبدو.
وقال: “هاه. أنت مختلف تماماً عن نسختك الأخرى.”
سأل «زوريان» بفضول: “نسختي الأخرى؟”
أومأ «زاك» موافقاً: “أجل. قد تكون ذاكرتي مشوشة حيال بعض الأمور، بيْد أنني أتذكرك حتماً. في الغالب لأنك ظللت تموت في بداية الهجوم…”
تمتم «زاك» بالجملة الأخيرة بصوت خافت لم يُقصد له على الأرجح أن يُسمع، لكنه سُمع. فتظاهر «زوريان» بعدم سماعه.
قال «زاك»: “أنت مختلف عما اعتدت أن تكون عليه. كنت أكثر سرعة في الانفعال، ومشغولاً دائماً بأمر أو بآخر. لم تصدقني قط حينما حاولت إخبارك بشأن مسألة السفر عبر الزمن برمتها – ظننتني أحاول السخرية منك.”
حسناً… بدت هذه القصة مطابقة تماماً لما قد يختلقه شقيقاه لخداعه. وكان «زاك» يمتلك بالفعل العديد من القواسم المشتركة مع هذين الاثنين.
استنتج «زاك»: “لقد تغيرت. أنت أهدأ بكثير. أكثر استرخاءً، كما أظن.”
قطب «زوريان» حاجبيه. لم يظن أن شخصيته قد تغيرت إلى هذا الحد، بيْد أنه خمّن أنه من الصعب ألا يتغير المرء عند مروره بتجربة كهذه. ناهيك عن حقيقة انقضاء أكثر من 8 أشهر منذ بدأت الإعادات بالنسبة لـ«زوريان».
سأل «زوريان»: “إذن، مهلاً… لماذا تغيرت إذن؟ ألم تقل إن العالم بأسره يعيد ضبط نفسه؟”
هز «زاك» كتفيه مجيباً: “لا أدري.” ثم رمقه بنظرة متفحصة. “الآن وقد فكرت في الأمر، أنت كنت هناك أيضاً، أليس كذلك؟”
رمقه «زوريان» بنظرة حائرة. لم يكن ليقع في الفخ بهذه السهولة.
تنهد «زاك»: “لا، بالطبع لا تتذكر. هل تشعر على الأقل باختلاف طفيف مؤخراً أو ما شابه؟”
أكد «زوريان»: “الآن وقد فكرت في الأمر… أجل. لقد اخترت مواد اختيارية مختلفة عما كنت أنوي، بلا سبب وجيه حقاً، وقمت بمجموعة من التصرفات الغريبة الأخرى منذ مجيئي إلى «سيوريا».”
كان دافع «زوريان» لقول ذلك مزدوجاً. فمن ناحية، أراد اختبار رد فعل «زاك» تجاه فكرة وجود شخص آخر يرافقه في الحلقة الزمنية. ومن ناحية أخرى، أراد التمهيد لتفسير سبب تصرفه بشكل مختلف في كل إعادة، في حال قرر عدم البوح لـ«زاك» بحقيقته.
غير أنه فوجئ باستعداد «زاك» التام لتصديقه. يبدو أنه حتى بعد كل هذا الوقت (قرابة 17 عاماً، إن كان للفتى الآخر أن يُصدق)، لم يطور «زاك» بعد قدرة على قراءة نوايا الناس بفعالية. هذا، أو أن «زوريان» كان حقاً ممثلاً بارعاً لهذه الدرجة.
اكتفى «زاك» بالقول: “غريب.”
وافقه «زوريان»: “أجل. إذن… أي نصيحة يمكن لمسافر عبر الزمن أن يسديها لفان مثلي؟ تعويذة سرية خارقة، ربما؟”
اعترف «زاك»: “بصراحة، معظم التعاويذ التي أعرفها قتالية. أنا بارع جداً في السحر القتالي، وهو أمر جيد لأنني بحاجة للبراعة فيه. ثمة… شيء أحاول إيقافه.”
استدرجه «زوريان»: “شيء يتعلق بالخصم الغامض الذي أوسعك ضرباً؟” كان يستميت لإقحام الغزو في المحادثة بيْد أنه لم يعرف كيف يبرر معرفته بأي شيء عنه. “هل تتذكر كيف حدث ذلك، على الأقل؟”
تذمر «زاك»: “أخ. في الغالب. أتذكر بوضوح أنك كنت هناك، غير أنك مت على الأرجح في بداية المعركة – لا أقصد الإهانة يا زوريان، لكنك لست محارباً بارعاً – ثم اندفعت أنا بغباء للقتال، ظناً مني أنني لا أُقهر.”
سأل «زوريان» بحيرة صادقة: “لماذا قد تظن ذلك أصلاً؟ أعني أنك لا تُقهر. ألا يبدو لك من الغرور الخطير أن تتصور نفسك منيعاً لا تُهزم؟”
احتج «زاك»: “هل تعلم كم مرة مت في هذه الإرجاعات؟ ذاكرتي تخونني مجدداً، بيْد أنها كانت مرات كثيرة. تميل لعدم أخذ الأمر على محمل الجد بعد فترة. وليس وكأنني كنت مخطئاً تماماً – جل ما علي فعله هو الحذر من النيكرومانسي في المرة القادمة، أليس كذلك؟”
أجاب «زوريان» بتنهيدة عميقة: “ليس النيكرومانسي فحسب. بل ثمة سحر العقل لتخشاه أيضاً. فبغض النظر عن الاحتمال الجلي بانتهاء المطاف بك كعبد مسلوب الإرادة، قد ينتهي بك الأمر أيضاً بفجوات كبيرة في ذاكرتك – أو قد تُمحى ذاكرتك بالكامل. وهناك احتمالية أن تُفرض عليك تعويذة ‘جياس’ إن كنت مفرطاً في الاستهتار، والتي ترتبط بالروح أيضاً على حد علمي. بعض المخلوقات، كالأطياف، تقتات على الأرواح – وهذا أمر آخر يدعو للقلق. ناهيك عن وجود بضعة أساليب لختم قدرة الساحر على استخدام السحر، والتي قد تظل تلازمك حينما… ‘تُرجَع’ إلى الماضي.”
لزم «زاك» الصمت، بيْد أن «زوريان» كاد أن يقسم أنه ازداد شحوباً وهو يصغي لكلامه.
اختتم «زوريان» حديثه: “وهذه مجرد بضع نقاط خطرت ببالي الآن. أنا مجرد طالب في الأكاديمية، ولا أعرف شيئاً. من الواضح أننـ- إيه، أنك لست شخصاً لا يُقهر. حسناً؟”
ازدرد «زوريان» ريقه بصعوبة. لقد كان ذلك وشيكاً. من حسن حظه أن «زاك» كان غافلاً لهذه الدرجة، فلو انعكس الموقف، لكان قد فضح «زاك» منذ زمن بعيد.
قال «زاك» أخيراً بضحكة عصبية: “واو، تبدو وكأنك تكترث لأمري حقاً. أنت تصدق حقاً أنني مسافر عبر الزمن الآن، هاه؟”
هز «زوريان» كتفيه: “لست مقتنعاً تماماً، بيْد أنه في رأيي ليس أمراً يستحق الشجار حوله. إن كنت تقول إنك مسافر عبر الزمن، فسنتظاهر بأنك مسافر عبر الزمن.”
أجل. حتى يتسنى له فهم شخصية «زاك» بشكل أفضل ومعرفة حقيقة الحلقة الزمنية، سيتظاهر بذلك.
+++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
الوضع عن الحلقة الزمنية يزداد غرابة وغموض ورعب ايضا تخيلو سبع عشرة سنة من الاعادات لنفس الشهر دون معرفة من اين بدا اي شيء والى اين يذهب…هذا غير ان زاك صارت عنده فجوات في ذكرياته وبالتالي ربما دامت اكثر من ذلك…….