الفصل 2 - الوصول الى سيوريا
الفصل الثاني
في مرح واضح على وجهها قالت: “لست في ورطة يا سيد كازينسكي. جرت العادة في الأكاديمية أن نرسل مندوباً لطلاب السنة الثالثة لمناقشة مسائل شتى تهمهم. أعترف أنه كان ينبغي عليّ زيارتك في وقت أبكر، لكنني كنت مشغولة بعض الشيء هذا العام. أقدم لك اعتذاري.”
حدق فيها زوريان لثوانٍ معدودة.
سألته: “هل لي بالدخول؟”
تدارك زوريان قائلاً: “هاه؟ أوه! اعذري سوء أدبي يا آنسة زيليتي. تفضلي، تفضلي بالدخول.”
أجابته بلباقة: “شكراً لك”، وخطت إلى داخل المنزل.
وبعد تعارف سريع مع أمه وشقيقته، سألته إلسا عما إذا كان لديه مكان يمكنهما فيه مناقشة شؤون الأكاديمية على انفراد (أنا شايف الحتة ذي قبل كذا فين هيهيهي…). سرعان ما قررت الأم أنها مضطرة للذهاب إلى سوق البلدة واصطحبت معها كيريل، تاركة إياه بمفرده في المنزل مع الساحرة، التي سارعت بدورها بنثر أوراق عدة على طاولة المطبخ.
بدأت حديثها قائلة: “حسنًا يا زوريان، أنت تعلم بالفعل أنك اجتزت تقييم الاعتماد.”
أجاب زوريان: “أجل، تلقيت الإشعار الخطي. وبما أن مدينة ‘سيرين’ لا تضم برجاً للسحرة، كنت أعتزم تسلُّم الشارة فور عودتي إلى ‘سيوريا’.”
اكتفت إلسا بمناولته لفافة مختومة. تفحص زوريان اللفافة لثوانٍ، ثم حاول فك ختمها ليتمكن من قراءتها. لسوء الحظ، كان الختم عصياً على الكسر؛ بل وبصورة غير طبيعية.
قطب حاجبيه. لم تكن إلسا لتعطيه اللفافة على هذه الحال لو لم تكن تظن أنه يمتلك القدرة على فتحها. هل هذا اختبار من نوع ما؟ لم يكن شخصاً مميزاً على نحو استثنائي، لذا لا بد أن يكون الأمر في غاية السهولة. ما هي المهارة التي يمتلكها كل ساحر حديث العهد وتجعله قادراً على…
أوه. كاد أن يقلب عينيه حين أدرك مغزى الأمر برمته. ضخ القليل من الـ «مانا» في الختم، فانشطر فوراً إلى نصفين، مما سمح لزوريان أخيراً بفك طيات اللفافة. كانت مكتوبة بخط أنيق للغاية، وبدت وكأنها إثبات لهويته كساحر من «الدائرة الأولى». عاد بنظره إلى إلسا، التي أومأت برضا، مؤكدة لزوريان أنه قد اجتاز للتو اختباراً من نوع ما.
قالت: “لا يتعين عليك فعلياً استلام شارتك حتى تنهي دراستك. إنها باهظة الثمن، ولن يزعجك أحد بشأنها حقاً ما لم تكن تنوي افتتاح متجر أو بيع خبراتك السحرية بطريقة أو بأخرى. وإذا أزعجوك لأي سبب كان، فما عليك سوى إحالتهم إلى الأكاديمية وسنتولى نحن توضيح الأمور.”
هز زوريان كتفيه. فرغم أنه كان ينوي بالفعل الاستقلال عن عائلته، إلا أنه يفضل الانتظار حتى التخرج، وذلك يفصله عنه عامان. أشار لها بيده لتكمل حديثها.
“حسنًا إذن. تشير السجلات إلى أنك أقمت في سكن الأكاديمية طوال العامين الماضيين. أفترض أنك تنوي الاستمرار في ذلك؟”
أومأ زوريان برأسه، فأدخلت يدها في أحد جيوبها وناولته مفتاحاً غريباً بعض الشيء. كان زوريان ملمّاً بآلية عمل الأقفال عموماً، بل وكان بوسعه فتح الأقفال البسيطة متى ما توفر له الوقت الكافي، لكنه لم يستطع تخمين طريقة عمل هذا المفتاح؛ فلم تكن له «أسنان» تتطابق مع الأسطوانات الداخلية للقفل. واستجابةً لهاجس راوده، ضخ بعض الـ «مانا» فيه، لتتوهج على الفور خطوط ذهبية باهتة عبر سطح المعدن. نظر إلى إلسا متسائلاً في صمت.
أخبرته قائلة: “نظام السكن لطلاب السنة الثالثة يختلف عما اعتدت عليه. وكما تعلم على الأرجح، بما أنك أصبحت الآن ساحراً معتمداً من الدائرة الأولى، فإن الأكاديمية مخولة بتعليمك تعاويذ الدائرة الأولى فما فوق. ولأنك ستتعامل مع مواد حساسة، كان لا بد من توفير مستوى أمان أعلى، لذا ستنتقل إلى مبنى مختلف. قفل بابك مضبوط على الـ «مانا» الخاصة بك، لذلك سيتعين عليك تمرير شيء من الـ «مانا» الشخصية إلى المفتاح، تماماً كما فعلت للتو، حتى يُفتح.”
قال زوريان: “آه”. وأخذ يدير المفتاح في يده بشرود، متسائلاً عن الكيفية التي تمكنوا بها تحديداً من الحصول على «بصمته السحرية». افترض أن هذا أمر سيبحث فيه لاحقاً.
“في العادة، كنت لأشرح لك بالتفصيل ما يعنيه أن تكون طالب سنة ثالثة في أكاديمية ‘سيوريا’ السحرية، لكنني علمت أن قطارك سيغادر قريباً، لذا لمَ لا ننتقل مباشرة إلى السبب الرئيسي لوجودي هنا: مُرشدك وموادك الاختيارية. ويمكنك سؤالي عما تشاء بعد ذلك.”
تهلل وجه زوريان عند سماع ذلك، لاسيما عند ذكر كلمة “مرشد”. فكل طالب في السنة الثالثة يُعيَّن له مرشد يلتقي به مرة واحدة أسبوعياً، وتُناط به مهمة تعليم الطلاب بأساليب لا تأتي في الفصول الدراسية التقليدية، ومساعدتهم على بلوغ أقصى إمكاناتهم. إن اختيار المرشد من شأنه أن يحدد مصير المسيرة السحرية للطالب، وكان زوريان يدرك جيداً أن عليه الاختيار بحرص. ولحسن الحظ، فقد استقصى الأمر بين الطلاب القدامى ليعرف الغث من السمين بينهم[1]، لذا افترض أنه سيتمكن على الأقل من الظفر بمرشد يفوق المستوى المتوسط.
سأل زوريان: “إذن، من هم المرشدون الذين يمكنني الاختيار من بينهم؟”
أجابت إلسا بنبرة اعتذارية: “حسناً، في الواقع، أخشى أنك لا تستطيع ذلك. كما أخبرتك، كان من المفترض أن أزورك في وقت أبكر. لسوء الحظ، استوفى جميع المرشدين -باستثناء واحد فقط- حصتهم المقررة من الطلاب في هذه المرحلة.”
راود زوريان شعور بالشؤم حيال هذا… “وهذا المرشد هو؟”
“كزفيم تشاو.”
{{{{{{{نعم أعرف الأسم غريب}}}}}}}
تأوه زوريان بضيق، ودفن وجهه بين كفيه. فمن بين جميع المعلمين، كان هناك إجماع تام على أن “كزفيم” هو أسوأ مرشد يمكن أن تُبتلى به على الإطلاق. كان لا بد أن يكون هو، أليس كذلك؟
طمأنته إلسا قائلة: “الأمر ليس بهذا السوء. الشائعات مبالغ فيها إلى حد كبير، وغالباً ما يروجها طلاب يتقاعسون عن أداء نوع العمل الذي يطلبه الأستاذ ‘كزفيم’ من تلاميذه. أنا واثقة من أن طالباً موهوباً ومجتهداً مثلك لن يواجه أية مشاكل معه.”
أطلق زوريان زفرة ساخرة وقال: “لا أفترض أن هناك أي فرصة للانتقال إلى مرشد آخر، أليس كذلك؟”
“لا، ليس حقاً. لقد حظينا بنسبة نجاح ممتازة العام الماضي، وجميع المرشدين مثقلون بالطلاب بالفعل. الأستاذ ‘كزفيم’ هو أقل المرشدين المتاحين عبئاً.”
تمتم زوريان: “يا للعجب، تُرى ما السبب! حسناً، لا بأس. ماذا عن المواد الاختيارية؟”
ناولته إلسا لفافة أخرى، غير مختومة هذه المرة، تضم قائمة بكافة المواد الاختيارية التي تقدمها الأكاديمية. كانت طويلة. طويلة جداً. كان بوسعك التسجيل في أي شيء تقريباً، حتى في المجالات التي لا تكتسي طابعاً سحرياً بحتاً: كالرياضيات المتقدمة، والأدب الكلاسيكي، والهندسة المعمارية. وكان هذا أمراً متوقعاً في الواقع، إذ لطالما ارتبطت التقاليد السحرية الإيكوسية ارتباطاً وثيقاً لا ينفصم بالمساعي الفكرية الأخرى.
“يمكنك اختيار ما يصل إلى خمس مواد، على ألا تقل عن ثلاث مواد اختيارية هذا العام. سيكون من الأنسب لنا بكثير أن تفعل ذلك الآن، حتى نتمكن من إعداد الجداول النهائية خلال عطلة نهاية الأسبوع قبل بدء الدراسة. لا تدع حجم القائمة الهائل يرهبك؛ فحتى لو اخترت مادة لم ترق لك، يمكنك الانتقال إلى مادة اختيارية أخرى خلال الشهر الأول من الدراسة.”
قطب زوريان حاجبيه. كان هناك الكثير من المواد الاختيارية، ولم يكن متأكداً تماماً مما يريد دراسته منها. لقد ابتُلي بالفعل في مسألة المرشد، لذا فهو حقاً لا يمتلك رفاهية الإخفاق هنا. سيستغرق هذا بعض الوقت.
“أرجو ألا تسيئي فهمي يا آنسة زيليتي، ولكن هل تمانعين في أن نأخذ استراحة قصيرة قبل أن نمضي قُدماً في هذا الأمر؟”
قالت: “بالطبع لا. هل هناك خطب ما؟”
طمأنها زوريان قائلاً: “على الإطلاق. كل ما في الأمر أنني بحاجة ماسة لدخول الحمام.”
ربما لم تكن هذه أفضل طريقة لترك انطباع أول. ستدفع كيريل غالياً ثمن وضعه في هذا الموقف المحرج.
{{{{{{{{{خخخخخ ذكرتني بأخت البطل في متاهة الوحوش}}}}}}}}}
مضى زوريان متتبعاً خطى عائلته في صمت وهم يدخلون محطة قطار “سيرين”، متجاهلاً ترحيب فورتوف الصاخب ببعض من يدعوهم بـ “أصدقائه”. جال بنظره في الحشود المتجمهرة بالمحطة بحثاً عن أي وجه مألوف، لكن وكما هو متوقع، خاب مسعاه. فهو في الواقع لم يكن يعرف الكثير من الناس في مسقط رأسه، وهي حقيقة طالما راق لوالديه تذكيره بها. شعر بنظرات أمه تخترقه بينما كان يبحث عبثاً عن مقعد شاغر، لكنه أبى أن يبادلها النظر؛ لعلمه أنها ستتخذ من ذلك ذريعة لفتح باب الحديث، وهو يعلم سلفاً ما ستتفوه به.
‘لماذا لا تنضم إلى فورتوف وأصدقائه يا زوريان؟’
لأنهم زمرة من الحمقى الطائشين، تماماً كفورتوف؛ هذا هو السبب ببساطة.
تنهد ونظر إلى مسارات القطار الخالية بامتعاض. لقد تأخر القطار. لم يكن يمانع الانتظار في حد ذاته، بينما أن الانتظار وسط الزحام كان عذاباً لا يُطاق. لن تستوعب عائلته ذلك قط، لكن زوريان كان يمقت الحشود.
{{{{{{{{تذكرو كرهه للتجمعات ذي جيدا بني، بني،بني……}}}}}}}}
لم يكن الأمر ملموساً حقاً؛ بل كان أشبه بأن التجمعات البشرية تبث نوعاً من الحضور الطاغي الذي يثقل كاهله بلا هوادة. كان الأمر مزعجاً في أغلب الأحيان، رغم أن له فوائده أحياناً؛ فقد كف والداه عن اصطحابه إلى الكنيسة حين أدركا أن جره إلى قاعة صغيرة مكتظة بالناس ينتهي به دائماً إلى الدوار والإغماء في غضون دقائق معدودة.
لحسن الحظ، لم تكن المحطة مكتظة بما يكفي في الوقت الحالي لإحداث تلك الأعراض الحادة، لكن زوريان كان يعلم يقيناً أن البقاء طويلاً سيستنزفه لا محالة. كان يأمل ألا يتأخر القطار أكثر من ذلك، فهو لا يحبذ فكرة قضاء بقية يومه فريسة لصداع يفتك برأسه.
انتشلته ضحكات فورتوف الصاخبة من غياهب تلك الأفكار الكئيبة. فمن المؤكد أن شقيقه الأكبر لا يعاني من مشاكل كهذه. كعادته دائماً، كان مبتهجاً، واجتماعياً، ويتمتع بابتسامة قادرة على إضاءة العالم بأسره. كان الملتفون حوله مأخوذين به بوضوح، وكان يبرز بينهم من النظرة الأولى، رغم امتلاكه ذات البنية النحيلة التي يمتلكها زوريان. كان يتمتع ببساطة بذلك النوع الآسر من الحضور. كان يشبه “دايمين” في هذه الناحية، إلا أن دايمين كان يمتلك مهارات حقيقية تدعم سحره الشخصي.
أطلق سخريته هازاً رأسه. لم يعرف زوريان على وجه اليقين كيف قُبل فورتوف في مؤسسة يُفترض أنها نخبوية كأكاديمية “سيوريا” السحرية، لكن ساوره شك قوي بأن والده قد دفع بعض الرشاوى ليضمن قبوله. لم يكن فورتوف غبياً بقدر ما كان كسولاً وعاجزاً تماماً عن صب تركيزه على أي مهمة، مهما بلغت أهميتها.
بالطبع، لم يكن أغلب الناس يدركون ذلك؛ فالفتى يتمتع بجاذبية لا تُقاوم، وكان بارعاً للغاية في التستر على نقائصه وإخفائها عن الأعين بمهارة.
لطالما مازحهما والده قائلاً إن كلاً من فورتوف وزوريان قد ورث نصف ما يملكه “دايمين”؛ فقد نال فورتوف سحره الشخصي، في حين نال زوريان كفاءته.
لم يرق لزوريان قط حس الدعابة هذا لدى والده.
شق صفير حاد سكون الهواء، ودخل القطار إلى المحطة مصحوباً بصرير حاد للعجلات المعدنية وهي تحتك بمسارات السكة الحديدية لتكبح سرعتها. في الماضي، كانت القطارات الأولى تعمل بمحركات بخارية تنفث سحب الدخان أينما حلت، وتلتهم كميات مهولة من الفحم لمواصلة السير. أما هذا القطار، فكان يعمل بمحركات “التكنولوجيا السحرية” الأحدث، التي تستهلك الـ “مانا” المُتبلورة بدلاً من الفحم. كانت أنظف، وأقل تكلفة، ولا تتطلب سوى القليل من الصيانة. كان بوسع زوريان أن يشعر فعلياً بطاقة الـ “مانا” وهي تنبعث من القطار كلما اقترب منه، رغم أن قدرته على استشعار السحر كانت أضعف من أن تمنحه أي تفاصيل دقيقة. لطالما راودته الرغبة في إلقاء نظرة على غرفة المحركات في إحدى هذه الآلات، لكنه لم يجد قط حجة مناسبة للاقتراب من طاقم تشغيل القطار.
لكن هذا التفكير مؤجل لوقت آخر. ودَّع أمه وكيريل باقتضاب، وصعد إلى القطار ليبحث لنفسه عن مقعد. تعمد اختيار مقصورة فارغة، وهو أمر كان العثور عليه سهلاً على نحو يثير الدهشة. فعلى ما يبدو، ورغم الحشود المتجمعة، قلة قليلة منهم فقط هي من ستستقل هذا القطار بالتحديد.
وبعد خمس دقائق، أطلق القطار صفيراً آخر يصم الآذان، ومضى في رحلته الطويلة نحو “سيوريا”.
تناهى إلى سمعه صوت أزيز حاد، أعقبه رنين جرس. تردد صدى صوتٍ خفي قائلاً: “نتوقف الآن في كورسا”. ثم عاد صوت الأزيز مجدداً. “أكرر، نتوقف الآن في كورسا. شكراً لكم.” طقطقت مكبرات الصوت لمرة أخيرة قبل أن يخيم عليها الصمت.
أطلق زوريان تنهيدة طويلة تنم عن الانزعاج وفتح عينيه. كان يمقت القطارات؛ فالملل، والحرارة، وأصوات الدق الإيقاعية المنتظمة… كلها تآمرت لتجلب له النعاس، لكن في كل مرة كان يغفو فيها أخيرًا، كان يوقظه مذيع المحطة بفظاظة. لم يغب عن بال زوريان أن هذا هو الغرض الأساسي للمذيع —إيقاظ الركاب الذين قد يغطون في النوم متجاوزين وجهاتهم— لكن ذلك لم يقلل من حجم انزعاجه البتة.
نظر عبر النافذة، فلم يرَ سوى محطة قطار كسائر المحطات. في الواقع، كانت نسخة مطابقة تماماً للمحطات الخمس السابقة، حتى في الإطار الأزرق الذي يحيط باللوحة البيضاء الكبيرة التي تحمل اسم “كورسا”. بدا جلياً أن بناة المحطات باتوا يعتمدون قالباً موحداً هذه الأيام. وبالنظر إلى رصيف المحطة الذي توقفوا عنده، أمكنه رؤية حشد غفير من الناس ينتظرون صعود القطار.
كانت كورسا مركزاً تجارياً رئيسياً، وتقطنها العديد من عائلات التجار حديثي النعمة، الذين يرسلون أبناءهم إلى أكاديمية “سيوريا” المرموقة ليصبحوا سحرة ويختلطوا بأبناء أصحاب النفوذ الآخرين. وجد زوريان نفسه يتمنى ألا ينضم إليه أي من زملائه الطلاب في مقصورته، لكنه كان يعلم أنها أمنية واهية؛ فقد كانت أعدادهم هائلة، ومقصورته فارغة تماماً باستثنائه. فعل كل ما بوسعه ليستريح في مقعده وأغمض عينيه مجدداً.
أول من انضم إليه في المقصورة كانت فتاة ممتلئة ترتدي نظارة وسترة خضراء بياقة عالية. رمقته بنظرة خاطفة ثم شرعت في قراءة كتاب بصمت. كان زوريان ليطير فرحاً برفيقة سفر لطيفة كهذه، لكن سرعان ما اقتحمت المكان مجموعة من أربع فتيات أخريات واستولين على المقاعد الأربعة المتبقية لأنفسهن.
كانت القادمات الجدد صاخبات للغاية وعرضة لنوبات من القهقهة، وغالب زوريان دافعٌ قوي للنهوض والبحث عن مقصورة أخرى ليحتلها.
قضى بقية الرحلة يتناوب بين النظر عبر النافذة إلى الحقول الممتدة بلا نهاية التي يمرون بها، وتبادل النظرات الممتعضة مع فتاة السترة الخضراء، التي بدت مستاءة بالقدر ذاته من التصرفات الصبيانية للفتيات الأخريات.
أدرك أنهم يقتربون من “سيوريا” حين لاحت له الأشجار في الأفق. لم تكن هناك سوى مدينة واحدة على هذا المسار قريبة بهذا الشكل من غابة الشمال العظيمة، وعادة ما كانت القطارات تتجنب الاقتراب من مكان سيئ السمعة كهذا. التقط زوريان حقيبته ووقف بجوار المخرج. كانت خطته هي أن يكون من أوائل المترجلين، متجنباً بذلك الزحام المعتاد الذي يحدث دائماً بمجرد وصولهم إلى “سيوريا”، لكنه تأخر؛ فقد كان هناك حشد متجمع بالفعل عند المخرج حين اقترب منه. استند إلى النافذة المجاورة وانتظر، مستمعاً إلى نقاش حماسي بين ثلاثة من طلاب السنة الأولى بجواره، كانوا يتحدثون بانفعال فيما بينهم عن كيف سيبدؤون في تعلم السحر وما إلى ذلك. يا إلهي، كم ستكون خيبتهم مدوية؛ فالسنة الأولى بأكملها مقتصرة على النظريات، وتمارين التأمل، وتعلم كيفية الوصول إلى الـ «مانا» الخاصة بك بشكل ثابت.
+++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
[1] : عندما نقول “ليعرف الغث من السمين” (أو ليميز الغث من السمين)، فنحن نقصد الفرز والتفريق بين الشيء الرديء أو عديم الفائدة (الغث) والشيء القيم أو الجيد (السمين).
وهاقد بدأت رحلتنا نحو سيوريا، نحو الغموض و المؤامرات من هنا يبدأ كل شيء……..