الفصل 1 - صباح الخير أخي.
فتحت عينا زوريان فجأة على اتساعهما، بعدما انفجر ألمٌ حاد في بطنه. انتفض جسده كله بعنف وهو ينثني تحت ثقل الشيء الذي هوى عليه، وفي لحظة تبدد عنه النعاس تمامًا، فلم يبقَ في ذهنه أدنى أثر للخمول.
“صباح الخير يا أخي!” دوّى فوقه مباشرة صوتٌ مفعمٌ بالحيوية على نحوٍ يبعث على الضيق. “صباح ، صباح ، صَبَاح!!!”
رمق زوريان أخته الصغرى بنظرة حادة، لكنها لم تزد على أن ابتسمت له ابتسامةً مشاكسة، وهي لا تزال متمددة فوق بطنه. كانت تدندن لنفسها في رضا واضح، وتلوّح بساقيها في الهواء بمرح، بينما تحدق في خريطة العالم الضخمة التي علّقها زوريان على الجدار المجاور لسريره.
أو بالأحرى، كانت تتظاهر بالنظر إليها؛ إذ كان زوريان يرى بطرف عينه أنها تراقبه عن كثب، مترقبةً أي رد فعل يصدر عنه.
هكذا تكون العاقبة عندما يهمل إقفال باب غرفته بقفلٍ سحري[1] ، ولا ينصب محيط إنذارٍ بسيطًا حول سريره.
قال لها، بأهدأ نبرة استطاع أن يستجمعها: “انزلي عني.”
أجابته بحزم، دون أن تتحرك قيد أنملة من مكانها: “أمي طلبت مني أن أوقظك.”
نفتحت عينا زوريان فجأةً على اتساعهما، بعدما انفجر ألمٌ حاد في معدته.
تمتم متذمرًا: “لكنها بالتأكيد لم تقصد بهذه الطريقة.”
ابتلع زوريان انزعاجه، وانتظر بصبر حتى ترخي حذرها. وكما توقع، لم تستطع كيرييل الاستمرار في تمثيل اللامبالاة طويلًا؛ فما هي إلا لحظات حتى بدأت علامات الضجر والقلق تظهر عليها بوضوح.
وقبل أن تنفجر غضبًا، بادر زوريان بسرعة، فأمسك بساقيها وصدرها، ثم قلبها دفعةً واحدة إلى خارج السرير. ارتطمت بالأرض ارتطامًا مكتومًا، مطلقتا صرخة احتجاج غاضبة.
أما زوريان، فقفز على قدميه في الحال، مستعدًا لأي هجوم قد تقرر شنه انتقامًا منه.
ثم أشاح بنظره إليها من علٍ، وأطلق شخيرًا ساخرًا ينم عن الاستخفاف، ثم قال: “سأتأكد من تذكر هذا جيدًا… في المرة القادمة التي يطلبون مني فيها إيقاظك.”
“حظا أوفر في ذلك….” ردّت بتحدٍّ: “أنت تنام دائمًا لمدة أطول مني.”
لم يكن بامكان زوريان سوى اطلاق تنهد في حالة تنم عن الاستسلام. تبًّا لتلك المشاكسة الصغيرة… على الرغم من كونها محقة في هذه النقطة.
بحماس واضح على تعابيرها، قفزت واقفة على قدميها: “إذًااا… هل أنت متحمس؟”
راقبها زوريان للحظة، وهي تقفز هنا وهناك في أرجاء غرفته كقردٍ احتسى جرعةً زائدة من الكافيين.
أحيانًا كان يتمنى لو امتلك شيئًا من تلك الطاقة اللامحدودة التي تتمتع بها.
لكن شيئًا منها فقط.
سأل زوريان ببراءة مصطنعة: “متحمس؟…لأي شيء ؟”، مدعيا الجهل.
كان يعلم، بالطبع، ما الذي تقصده. لكنه اكتشف منذ زمن أن أسرع وسيلة لإحباط أخته الصغرى ودفعها إلى إنهاء حديث لا يرغب في خوضه، هي أن يواصل طرح أسئلةٍ تكون إجاباتها بديهية.
“من أجل العودة إلى الأكاديمية!” تذمرت، وقد بدا واضحًا أنها أدركت تمامًا ما كان يحاول فعله.كان بحاجة ماسة إلى ابتكار حيلٍ جديدة. ثم أردفت بحماس: ” بالاضافة الى تعلّم السحر! هل يمكنك أن تريني بعضا من الحيل؟”
أطلق زوريان تنهيدةً طويلة، مثقلةً بالإرهاق. لطالما اعتبرت كيرييل أخاها أشبه برفيق لعب، رغم أنه بذل قصارى جهده كي لا يشجعها على ذلك. ومع هذا، كانت تلتزم عادةً بحدودٍ غير مكتوبة بينهما.
أما هذا العام، فقد أصبحت لا تُطاق حقًا.
وما زاد الطين بلة هو أن والدته لم تُبدِ أدنى تعاطف مع توسلاته بأن تكبح جماحها. فمن وجهة نظرها، كل ما يفعله هو الجلوس والقراءة طوال اليوم، وكأنه لا ينشغل بأي أمر ذي أهمية…
ولحسن الحظ، كانت العطلة الصيفية قد انتهت أخيرًا، وسيتمكن من الابتعاد عنهم جميعًا. “كيري، عليّ أن أحزم أمتعتي. لمَ لا تذهبين لإزعاج فورتوف هذه المرة بدلًا مني؟”
قطبت حاجبيها ونظرت إليه باستياء، دام ذلك للحظة، لأنه وفي اللحظة التالية أشرق وجهها، وكأن الوحي قد نزل عليها. ثم اندفعت خارج الغرفة في لمح البصر.
اتسعت عينا زوريان عندما أدرك، بعد فوات الأوان ، ما الذي كانت تنوي فعله.
“لااا!” صرخ وهو يندفع مسرعا خلفها، لكن باب الحمام أُغلق بقوة في وجهه. راح يطرق الباب بعنف وقد بلغ به الإحباط منتهاه.
“اللعنة يا كيري! كان أمامك متسع من الوقت لدخول الحمام قبل أن أستيقظ!”
جاءه ردها الوحيد من خلف الباب: “هذه مشكلتك.”
وبعد أن أمطر الباب ببضع شتائم لاذعة، استدار زوريان وعاد إلى غرفته بخطواتٍ غاضبة ليرتدي ملابسه، كان واثقًا أنها ستمكث في الداخل لعصور…اذا كان ذلك يعني اغاظته.
غير ملابس نومه بسرعة ثم ارتدى نظاراته، أخذ زوريان لحظة من أجل فحص غرفته. لقد كان شاكرا لفكرة أن كيريل لم تبحث في أشيائه قبل ايقاظه. فقد كان لديها فهم غامض لمعنى خصوصية الآخرين.
لم يأخذ حزم الأمتعة من وقت زوريان الكثير- في الواقع هو لم يفرغ أمتعته, ليكون صريحا, فقد كان ليعود الى سيوريا منذ أسبوع مضى لو علم أن والدته ستوافق. كان يحزم أدواته المدرسية حين أدرك أن بعضا من دفاتره غير موجودة. يمكنه تحديد موقعهم عبر تعويذة تتبع, لكنه قد كان متأكدا بشأن موقعهم – كيريل لديها عادة في أخذهم لغرفتها, لايهم كم عدد المرات التي طلب منها ابقاء أصابعها الصغيرة الشريرة بعيدة عن كتبه. وهكذا استجابةً لهاجسٍ راوده، عاد ليتفقد أدواته الكتابية، وكما توقع تماماً، وجد أنها قد نضبت بشدة.
لطالما تكرر هذا الأمر؛ ففي كل مرة يعود فيها إلى المنزل، كانت كيريل تسطو على أدواته المدرسية. وبصرف النظر عن المعضلة الأخلاقية الكامنة في اقتحام المرء لغرفة شقيقه لسرقة أشيائه، ما الذي كانت تفعله ماذا بحقك بكل تلك الأقلام والمماحي؟ لقد اشترى هذه المرة أدوات إضافية خصيصاً وهو يضع شقيقته في الحسبان، لكن حتى ذلك لم يكن كافياً؛ فلم يعثر على ممحاة واحدة في درجه، رغم أنه ابتاع علبة كاملة منها قبل عودته.
لم يستوعب زوريان قط السبب الذي يمنع كيريل من أن تطلب ببساطة من أمهما شراء كتب وأقلام خاصة بها. فهي الطفلة الصغرى، والابنة الوحيدة، لذا لطالما سُرَّت أمهما بتدليلها؛ فالدمى التي أقنعت كيريل أمها بشرائها كانت تفوق تكلفة كتابين ورزمة من الأقلام بخمسة أضعاف.
على أية حال، ورغم أن زوريان لم يوهم نفسه قط بإمكانية استرجاع أدواته الكتابية مجدداً، إلا أنه كان في أمسّ الحاجة إلى تلك الكتب الدراسية. وبناءً على ذلك، انطلق بخطى حازمة نحو غرفة شقيقته متجاهلاً لافتة “ممنوع الدخول!” المعلقة على الباب، وسرعان ما عثر على كتبه المفقودة في مخبأها المعتاد؛ مدسوسةً بدهاء تحت السرير، خلف عدة دمى محشوة رُتِّبت بعناية لتمويهها.
وما إن انتهى من حزم أمتعته، نزل إلى الطابق السفلي ليتناول شيئاً من الطعام، ويرى ما الذي تريده منه أمه.
رغم أن عائلته كانت تظن أنه ببساطة يهوى الاستغراق في النوم، إلا أن لزوريان في الواقع سبباً وجيهاً يدفعه للاستيقاظ متأخراً. فهذه العادة تضمن له تناول طعامه بسلام، بما أن الجميع يكونون قد فرغوا بالفعل من إفطارهم بحلول ذلك الوقت. فقلةٌ من الأشياء كانت تثير حنقه أكثر من محاولة أحدهم تجاذب أطراف الحديث معه أثناء الأكل، وذلك الصباح كان بالتحديد هو الوقت الذي تبلغ فيه ثرثرة بقية أفراد عائلته ذروتها. لسوء الحظ، لم تكن أمه مستعدة لانتظاره اليوم، وانقضت عليه فور رؤيتها إياه ينزل الدرج. فلم يكد ينهي نزوله، حتى كانت قد وجدت بالفعل ما يثير استياءها فيه.
سألته: “أنت لا تنوي حقاً الخروج بهذا المظهر، أليس كذلك؟”
سأل زوريان: “ما العيب في هذا؟” كان يرتدي زياً بنياً بسيطاً، لا يكاد يختلف عما يرتديه بقية الفتية عند ذهابهم إلى المدينة. وبدا له الزي مناسباً تماماً.
أطلقت أمه تنهيدة مثقلة بنفاد الصبر وقالت: “لا يمكنك الخروج بهذا المظهر. ماذا تظن أن الناس سيقولون حين يرونك ترتدي هذا؟”
أجاب زوريان محاولاً التخمين: “لا شيء؟”
زجرته قائلة: “زوريان، لا تكن صعب المراس هكذا. عائلتنا من أعمدة هذه البلدة، ونحن محط أنظار الجميع في كل مرة نغادر فيها المنزل. أعلم أنك لا تكترث لمثل هذه الأمور، لكن المظاهر تعني الكثير للعديد من الناس. عليك أن تدرك أنك لست جزيرة منعزلة[2]، ولا يمكنك اتخاذ قراراتك وكأنك تعيش وحدك في هذا العالم. أنت فرد من هذه العائلة، وتصرفاتك تنعكس بالضرورة على سمعتنا. ولن أسمح لك بإحراجي عبر الظهور بمظهر عامل مصنع من العوام. عُد إلى غرفتك وارتدِ ثياباً لائقة.”
تمالك زوريان نفسه عن قلب عينيه ضجراً، على الأقل بما يكفي ليدير ظهره لها. ربما كان لمحاولتها استدرار شعوره بالذنب أثر أكبر لو كانت هذه هي المرة الأولى التي تمارس فيها هذا الأسلوب عليه. مع ذلك، لم يكن الأمر يستحق عناء الجدال، لذا بدّل ثيابه مرتدياً طقماً أغلى ثمناً. كان الأمر مبالغاً فيه تماماً بالنظر إلى أنه سيقضي اليوم بأكمله في القطار، لكن أمه أومأت برضا حين رأته ينزل الدرج. جعلته يستدير ويقف مستعرضاً كحيوان في سيرك لبعض الوقت، قبل أن تحكم عليه بأنه “مقبول إلى حد ما”. توجه إلى المطبخ، ومما أثار استياءه أن أمه تبعته. يبدو أنه لن ينعم بتناول طعامه في سلام اليوم.
لحسن الحظ، كان والده في إحدى “رحلات عمله”، لذا لن يُضطر للتعامل معه اليوم.
دخل المطبخ وقطب حاجبيه حين لمح وعاءً من العصيدة ينتظره مسبقاً على الطاولة. في العادة، كان يعد إفطاره بنفسه، وكان يفضل ذلك، لكنه كان يعلم أن أمه لم تتقبل هذا قط. كانت هذه فكرتها عن مبادرة السلام، وهو ما يعني أنها توشك على أن تطلب منه شيئاً لن يروق له.
قالت: “فكرت في أن أعد لك شيئاً اليوم، وأعلم أنك لطالما أحببت العصيدة.” أحجم زوريان عن الإشارة إلى أنه لم يعد يحبها منذ أن كان في الثامنة من عمره تقريباً. تابعت: “لكنك نمت لفترة أطول مما توقعت، وقد بردت بينما كنت أنتظرك.”
قلب زوريان عينيه، وألقى تعويذة “تسخين الماء” مُعدلة قليلاً على العصيدة، لتعود حرارتها في الحال إلى درجة مقبولة.
تناول إفطاره في صمت بينما أطالت أمه الحديث عن نزاع متعلق بالمحاصيل تورط فيه أحد مورديهم، تحوم وتدور حول الموضوع الذي تود طرحه حقاً. وقد عزل نفسه عن ثرثرتها بلا أدنى جهد (استعمل تعويذة لمنع الصوت من دخول أذنيه). كانت هذه مهارة بقاء أساسية تقريباً لكل طفل في عائلة “كازينسكي”، فكلا الوالدين كانا يميلان لإلقاء محاضرات مطولة في كل موضوع يمكن تخيله، لكن الأمر كان مضاعفاً بالنسبة لزوريان؛ الابن المنبوذ في العائلة، والذي كان بالتالي يتعرض لهذه المونولوجات بوتيرة أكبر من البقية. لحسن الحظ، لم تعر أمه صمته أي اهتمام، فزوريان كان يلوذ بالصمت قدر الإمكان في حضور عائلته دائماً؛ إذ تعلم منذ سنوات طوال أن هذه هي أسهل طريقة للتعايش معهم.
قاطعها قائلاً: “أمي، لقد استيقظت للتو على إثر قفز كيري فوقي، ولم تسنح لي الفرصة حتى لدخول الحمام، والآن تنغصين عليّ طعامي. إما أن تدخلي في صلب الموضوع، أو تنتظري بضع دقائق حتى أنهي إفطاري.”
سألته أمه، والتسلية جلية في نبرتها: “هل فعلتها مجددًا؟”
فرك زوريان عينيه دون أن ينبس ببنت شفة، قبل أن يدس خلسة تفاحة من الوعاء الموضوع على الطاولة في جيبه بينما كانت أمه غافلة. كانت كيريل تكرر الكثير من الأفعال المستفزة مرارًا وتكرارًا، لكن الشكوى منها لأمه كانت مضيعة للوقت؛ فلا أحد في هذه العائلة يقف في صفه.
قالت أمه بعدما لاحظت امتعاضه الواضح: “أوه، لا تأخذ الأمور بهذه الحساسية. إنها تشعر بالملل فحسب وتلعب معك. أنت تأخذ الأمور بجدية مبالغ فيها، تمامًا كأبيك.”
صاح زوريان رافعًا صوته وهو يرمقها بغضب: “أنا لا أشبه أبي على الإطلاق!”. لهذا السبب بالتحديد كان يمقت تناول الطعام مع الآخرين. عاد إلى إفطاره بهمة متجددة، توقًا لإنهاء هذه الوجبة في أسرع وقت ممكن.
ردت أمه باستهانة: “بالطبع لست مثله،” قبل أن تغير الموضوع فجأة: “في الواقع، يذكرني هذا بشيء. سأذهب أنا ووالدك إلى قارة كوث لزيارة دايمين.”
عض زوريان على الملعقة في فمه ليمنع نفسه من إلقاء تعليق لاذع. لطالما كانت الأسطوانة هكذا؛ دايمين فعل كذا، دايمين قال كذا. كانت تمر أيام يتساءل فيها زوريان عن السبب الذي دفع والديه لإنجاب ثلاثة أطفال آخرين ما داما متيمين هكذا بابنهما البكر. حقًا، هل سيسافران إلى قارة أخرى لمجرد زيارته؟ ماذا، هل سيفارقان الحياة إن لم يرياه لعام واحد؟
سأل زوريان: “وما شأني أنا بهذا؟”
أجابت: “ستكون زيارة مطولة، سنمكث هناك لنحو ستة أشهر، وسنقضي أغلبها في التنقل من مكان إلى آخر. بالطبع، ستكون أنت وفورتوف في الأكاديمية، لكني قلقة بشأن كيريل. إنها في التاسعة فقط ولا أشعر بالارتياح لاصطحابها معنا.”
شحب وجه زوريان، وقد أدرك أخيرًا ما تريده منه. مستحيل. ألف لا.
احتج قائلاً: “أمي، أنا في الخامسة عشرة من عمري.”
سألته: “وماذا في ذلك؟ لقد كنت أنا ووالدك متزوجين بالفعل حين كنا في مثل سنك.”
رد زوريان: “لقد تغيرت الأزمان. فضلًا عن أنني أقضي معظم اليوم في الأكاديمية. لماذا لا تطلبين من فورتوف الاعتناء بها؟ إنه يكبرني بعام ولديه شقته الخاصة.”
قالت أمه بصرامة: “فورتوف في عامه الرابع. سيتخرج هذا العام، لذا عليه التركيز على درجاته.”
استنتج زوريان بصوت مسموع: “تقصدين أنه رفض.”
تابعت متجاهلة تعليقه: “وبالإضافة إلى ذلك… أنا واثقة من أنك تدرك مدى انعدام المسؤولية الذي يمكن أن يصل إليه فورتوف في بعض الأحيان. لا أعتقد أنه مؤهل لرعاية طفلة صغيرة.”
تمتم زوريان متذمرًا: “و ذنب مَن هذا؟” وهو يلقي ملعقته بضجة ويدفع الطبق بعيدًا عنه. ربما كان فورتوف عديم المسؤولية لأنه يعلم أن والديه سيلقيان بمسؤولياته بكل بساطة على عاتق زوريان إن تظاهر بالبلاهة لفترة كافية، ألم يخطر هذا ببالها قط؟ لماذا يُبتلى هو دائمًا بالتعامل مع هذه العفريتة الصغيرة؟ حسنًا، لن يتورط في تحمل هذا العبء! إن كان فورتوف أرفع شأنًا من أن يعتني بكيريل، فكذلك زوريان!
فضلًا عن ذلك، من المؤكد أن تلك الواشية الصغيرة ستنقل كل ما يفعله لأمها دون تفكير. إن أفضل ما في ارتياد مدرسة بعيدة جدًا عن المنزل هو قدرته على فعل ما يحلو له في غفلة تامة من عائلته، ومن المستحيل أن يتخلى عن هذه الميزة. في الحقيقة، لم يكن هذا سوى حيلة مفضوحة من أمه للتجسس عليه، حتى تتمكن من إلقاء المزيد من المحاضرات على مسامعه حول فخر العائلة والسلوك القويم.
تابع زوريان بنبرة أعلى قليلاً: “لا أعتقد أنني مؤهل لذلك أيضاً. لقد قلتِ قبل بضع دقائق فقط إنني عارٌ على العائلة. لا نريد أن نفسد كيري الصغيرة بلامبالاتي، أليس كذلك؟” حاولت التبرير: “أنا لم…” قاطعها زوريان بصرخة: “كلا!” تأففت باستسلام وقالت: “أوه، فليكن لك ما تريد. لكنني حقاً لم أكن أقترح…” قاطعها صوت كيريل من خلفه: “عمَّ تتحدثان؟” رد زوريان على الفور: “كنا نتحدث عن كونكِ طفلة بغيضة لا تُطاق.” صاحت: “هذا غير صحيح!” اكتفى زوريان بقلب عينيه ونهض من مقعده قاصداً الحمام، ليجد شقيقته الصغرى الحانقة تسد طريقه. حينها، طُرق الباب.
سارع زوريان بالقول: “سأفتحه أنا!”، لعلمه أن أمه ستطلب من أحدهما فتح الباب حتماً، وأن كيريل لن تتزحزح من مكانها في أي وقت قريب؛ فقد كانت شديدة العناد حين تشاء.
وهكذا، وجد زوريان نفسه يحدق في امرأة تضع نظارتين، وترتدي ثياباً كاكية اللون تبدو باهظة الثمن، وتحتضن كتاباً ضخماً بين ذراعيها.
رمقته المرأة بنظرة فاحصة وهي تعدل نظارتها، ثم سألت: “زوريان كازينسكي؟”
أجاب بصوت متردد، غير واثق من كيفية استيعاب هذا التطور المفاجئ: “آه.. نعم؟”
قالت: “أنا إلسا زيليتي، من أكاديمية سيوريا الملكية للفنون السحرية. أنا هنا لمناقشة نتائج تقييمك.”
شحب وجه زوريان. هل أرسلوا ساحرة حقيقية للتحدث معه؟! ما الذي اقترفه ليستدعي كل هذا؟! ستسلخه أمه حياً!
++++++++++++++++++++++
الترجمة والتدقيق: the honord one
[1] : كلمة arcane تعني ختم أو قفل سحري اخترت قفل سحري لانها الأوضح والأقرب للسياق.
[2] :هذا تعبير إنجليزي شهير (مقتبس من قصيدة لـ John Donne) يعني أن الإنسان لا يعيش بمعزل عن مجتمعه.
أتمنى أن الترجمة قد نالت اعجابكم ، اذا كانت هناك حاجة لشرح المصطلحات التي أكتبها بالفصحى اطلبو ذلك في التعليقات وسأحاول تغييرها للغة أبسط أو شرحها في نهاية الفصول.
وأخيرا الفصول في الرواية طويلة جدا تصل الى 6000ك لمة او اكثر في بعض الأحيان لذا سأقوم بتقسيم الفصول لأجزاء كي تكون القراءة مريحة أكثر.